الفقر والجوع في عالم فقد عقله   
الأربعاء 1429/4/18 هـ - الموافق 23/4/2008 م (آخر تحديث) الساعة 17:37 (مكة المكرمة)، 14:37 (غرينتش)
 
 
 
الإنسان هو محل اهتمام كافة النظم، سواء كانت مرجعيتها دينية أو دنيوية، ومن هنا كان توفير حاجاته الأساسية (الطعام والشراب والملبس والمأوى) بصورة كريمة وبالحد الكافي، محل إجماع من تلك النظم.
ولكن المسلمات شيء والواقع شيء آخر، فحينما كنا ندرس مادة النظم الاقتصادية المقارنة كان المثال الصارخ على جنوح الرأسمالية من أجل الربح على حساب الاعتبارات الإنسانية الأخرى مقززاً، وكنا نرى فيه أنه مجرد مثال توضيحي أو إلى حد ما تجريدي، حيث كان المثال يقول إن "بائع اللبن في النظام الاقتصادي الرأسمالي يمنع اللبن عن طفل مريض ويحتاج إليه كعلاج بسبب عدم مقدرة أبيه عن دفع ثمن اللبن، بينما هذا البائع يعطي اللبن للغني ليقدمه لكلابه لقدرته على دفع ثمنه".
 
ولكن على ما يبدو أن ما كنا تعتبره مثالاً توضيحياً أو تجريدياً أصبح واقعاً معاشاً، في ظل سيطرة الاقتصاد الرأسمالي على مقدرات الاقتصاد العالمي منذ نحو عشرين عاماً.
 
 
كانت من أبرز الانتقادات التي وجهت لسيطرة العولمة بآلياتها الاقتصادية الرأسمالية، أنها تتسبب في تكريس مشكلات اجتماعية بشكل صارخ من حيث عدم عدالة التوزيع للدخل والثروة، فسميت بعولمة الـ80 : 20 أي تقسيم العالم إلى نحو 80% من الفقراء و20% من الأغنياء.
ومن هنا وجدنا هذه الفجوة الكبيرة بين اهتمامات الأفراد في كلتا الكتلتين، فبينما تتعرض أراضي الفقراء للجدب والتصحر ومشكلات نقص الغذاء وانتشار الفقر، نجد العالم الغربي يحتفل بإطلاق أول طائرة تعمل بالوقود الحيوي الذي يحرم ملايين البشر من الفقراء من الحصول على قوتهم الضروري من أجل إمداد طائرات الأغنياء بوقود غير ملوث!؟
 
"
في الدول النامية يتراوح حجم الإنفاق للحصول على الغذاء ما بين 60-80% من دخول الأفراد، بينما يتراوح هذا المعدل في البلدان المتقدمة ما بين 10-20%
"
ويكفي أن نعرف الفرق بين اهتمامات الأفراد في العالمين (الأغنياء والفقراء) من خلال حجم الإنفاق على الغذاء الذي يمثل قمة أولويات الحياة البشرية، ففي الدول النامية يتراوح حجم الإنفاق للحصول على الغذاء ما بين 60-80% من دخول الأفراد، في حين يتراوح هذا المعدل في البلدان المتقدمة ما بين 10-20%.

ورغم وجود ما سمي بوثيقة الألفية التي تستهدف تخفيض معدلات الجوع في العالم إلى النصف بحلول العام 2015، فإن الواقع يجعل هذا الهدف يواجه العديد من الصعوبات، حيث إن هذه الوثيقة ليست إلزامية للدول الغنية التي تعهدت بتقديم المساعدات اللازمة لتحقيق هذا الهدف، وأيضاً هذا الارتفاع الكبير في أسعار السلع الغذائية والمواد الأولية، فقد أشار تقرير لصندوق النقد الدولي إلى أن أسعار الغذاء في العالم ارتفعت بمعدل 40% خلال العام 2007.
أما الجوعى في العالم فتقرير البنك الدولي لا يزال يحصيهم بنحو مليارين من البشر أي نحو ثلث العالم يعيشون تحت خط الفقر بحجم إنفاق يقل عن دولارين يومياً، بينما من يعيشون تحت خط الفقر بحجم إنفاق دولار واحد فما أقل يومياً، فيصل عددهم إلى نحو سدس سكان العالم.
 
 
حينما تحل الأزمات والنوازل بدول العالم النامي نجد النصائح توجه من قبل منظري العولمة بأنه يجب على هذه الدول أن تزيد من اندماجها في الاقتصاد العالمي، وعليها باتباع كامل مواصفات وصفة فتح الأسواق وخصخصة الملكية العامة وإلغاء الدعم وتسريح العمال، بينما في الوضع الآخر حين تنزل بعض الأزمات بدول متقدمة نجد التصريحات واضحة ولا تحتمل اللبس أو سوء الفهم أو التبرير.
 
فالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي صرح عقب أزمة بنك سوسيتي جنرال الذي مني بخسائر قدرات بنحو 7.1 مليارات دولار نتيجة مضاربة أحد موظفيه في البورصات العالمية، قال فور وقوع الأزمة والإعلان عنها "إن النظام المالي العالمي فقد عقله.. وعلينا أن ندفع أموالنا للذين يعظمون الثروة ويخلقون الوظائف لا للذين يضاربون بها في الأسواق هنا وهناك"، وعلى أثر ذلك قدم الدعم للبنك ليخرج من أزمته ويحافظ على وضعه كأكبر ثاني بنك في منطقة الاتحاد الأوروبي.
 
ليست هذه فقط دلالات فقدان عالمنا لعقله، فهناك العديد من الشواهد على الصعيد السياسي والعسكري، ونحاول هنا الإشارة إلى مظاهر الخلل العقلي لعالمنا في المجال الاقتصادي.
 

•  بينما يعلَن أن احتياجات البلدان التي تعاني من الفقر وتأثرت بشكل كبير من ارتفاع أسعار الغذاء، لكي تحسن من قدراتها وتتلافى أوجه القصور في المحاصيل الزراعية خلال المواسم القادمة، تقدر بنحو 1.2 إلى 1.4 مليار دولار (منظمة الفاو تقدر عدد هذه البلدان بنحو 37 بلداً على مستوى العالم)، نجد أن حجم الإنفاق على السلاح على مستوى العالم يصل إلى 1.2 تريليون دولار في عام 2006، ويخص الولايات المتحدة الأميركية نسبة 50% من هذا الإنفاق.

 
"
تقدر احتياجات البلدان الفقيرة -وعددها 37- لتحسين قدراتها على مواجهة أزمة الغذاء بنحو 1.4 مليار دولار، في حين بلغ حجم الإنفاق على السلاح على مستوى العالم 1.2 تريليون دولار عام 2006، نصفه يخص الولايات المتحدة
"
فكم أضافت الحروب التي شهدها العالم على مدار السنوات الماضية من حرية وعدل ومساواة على الإنسانية؟ الشواهد تبين أن هذه الحروب في غالبها كان لها مآرب اقتصادية عجزت عن تحقيقها بعض البلدان فعمدت إلى إذكاء هذه الحروب بشكل مباشر أو غير مباشر. فالدول الفقيرة بل وشديدة الفقر يستنزف بعضها في الإنفاق على التسلح مما يجعلها لا تملك إلا الاستمرار في تصدير الموارد الأولية دون التفكير في إقامة منشآت صناعية أو غيرها تمكنها من تحسين صادراتها والعمل على امتلاكها لنوع من القيمة المضافة الحقيقية وعالية التقنية.
 
ونخلص من هذه المقارنة إلى أن الإنفاق على السلاح على مستوى العالم كفيل بأن يغدق هذا العالم بالغذاء والسلع الزراعية التي تجعله في تخمة. ولكن واقعنا المعاش يثبت تلك المقولة التي كنا نسمعها من الآباء والأجداد عندما لا نحسن التصرف بقولهم "الدنيا لا يوجد بها فقر ولكن يوجد بها انعدام رأي"، وقديما قال الشاعر:
تالله ما ضاقت بلاد بأهلها : ولكن أخلاق الرجال تضيق.
 
• ما زالت مضاربات أسواق المال العالمية على أشدها، وأصبحت المضاربة أصل نشاط هذه الأسواق، وليست هناك مقارنة بين ما تتيحه البورصات العالمية أو الإقليمية من توفير التمويل المطلوب للشركات الجديدة أو الراغبة في إجراء توسعات.
 
وبين الفينة والأخرى ترصد الإحصاءات خسائر أسواق المال بمليارات الدولارات، وتتسبب في أزمات حدة في العديد من الاقتصادات، وتوجد حالات بارزة ومعروفة منذ أزمة دول جنوب شرق آسيا، أو روسيا أو دول أميركا اللاتنية، وما حدث مؤخراً في الأسواق العربية، أو في أسواق لندن وأميركا من جراء تراجع سوق الرهن العقاري في أميركا، حيث قام نحو 25 بنكاً عالمياً بشطب ديون قدرت بنحو 300 مليار دولار خلال عام 2007 اعتبرت كديون معدومة بسبب أزمة الرهن العقاري في السوق الأميركي. فسوق الأوراق المالية العالمية التي يقدر حجم تعاملاتها بنحو 3.1 تريليونات دولار، أصبحت تحتاج إلى الكثير من الضوابط التي تعيدها إلى مسارها الصحيح وتقلل من نشاط المضاربة بها.
 
إن توجيه هذه المبالغ أو نصفها جدير بإحداث تنمية بشكل كبير في العديد من بلدان العالم النامي، وتغيير وجه الحياة لملايين البشر.
 
والسؤال السريع هنا: ماذا لو كانت هذه الديون التي شطبتها البنوك العالمية مستحقة على بعض بلدان العالم النامي؟ هل سيتم شطبها بهذه السهولة أم ستتحرك الآليات العسكرية وتفرض العقوبات الاقتصادية؟
 
• تسببت أسعار النفط المرتفعة منذ عام 2003 في ارتفاع العديد من أسعار السلع الزراعية والغذائية، ولكن كثيراً ما يعلن عن أسعار النفط مقومة بأكثر من قيمتها، وأن هناك مضاربات تستهدف هذه الارتفاعات في الأسعار، إذ إن عمليات الارتفاع مستمرة في حين توجد تدفقات تلبي احتياجات السوق العالمي دون وجود اختناقات في وصول النفط إلى مناطق استهلاكه، بل وفي كثير من الأحيان دون وجود أية عوائق رغم وجود توترات سياسية في مناطق إنتاجه.
 
"
المستفيدون الوحيدون من أزمة ارتفاع أسعار النفط هم المضاربون وحدهم، فهل يعجز النظام الاقتصادي العالمي عن الحد من نفوذ هؤلاء المضاربين الذين يكتوي الجميع بنارهم، خاصة الدول الفقيرة
"
وبينما تضررت البلدان الفقيرة من ارتفاع أسعار النفط، نجد كذلك البلدان المنتجة له تعلن أن ما تحقق في زيادات وارتفاعات لأسعار النفط هي زيادات نقدية وليست زيادات حقيقية، إذ أدت عملية ارتفاع الأسعار لمختلف السلع وكذلك انخفاض قيمة العملة المقوم بها سعر النفط عالمياً (الدولار) إلى تفريغ هذه الزيادة من مضمونها.
 
والشاهد هنا أن المستفيدين الوحيدين من هذه الأزمة هم المضاربون وحدهم، فهل يعجز النظام الاقتصادي العالمي عن الحد من نفوذ هؤلاء المضاربين الذين يكتوي الجميع بنارهم، خاصة الدول الفقيرة.
 
لقد انبرى هذا النظام لرصد كل شاردة وواردة في شأن كل ما تعلق بما سمي "دعم الإرهاب" وتم رصد حسابات دول وأفراد، وتم تجميد أموال آخرين، فأين هذه اليقظة من مصلحة الفقراء الذين يدفعون فاتورة ثراء هؤلاء المضاربين؟
 
لا تعني السطور السابقة العودة إلى الاقتصاديات المغلقة ومصادرة الأموال، ولكن هي دعوة لممارسة اقتصادية إنسانية تعمل على كبح هذه الممارسات غير المسؤولة التي لا تراعي الاعتبارات الإنسانية، وتحاول أن تغلف ممارساتها السلبية بدعاوى اقتصادية. فالمال في خدمة الإنسان وليس العكس، والحضارة التي تجعل من المال وجمعه سلطانا على حقوق الإنسان، خاصة في واحدة من أهم أولويات هذه الحقوق وهي توفير الغذاء بالقدر والسعر المناسبين، هي حضارة جائرة ولا محالة زائلة. ورحمة الله على من قال "ما جاع فقير إلا بتخمة غني".
_________________________
كاتب مصري
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة