الاقتصاد السوري ما زال بانتظار الإصلاحات الموعودة   
الخميس 1422/4/14 هـ - الموافق 5/7/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

تتباين التقديرات حول معدل النمو الذي حققه الاقتصاد السوري عام 2000 تباينا كبيرا بين التقديرات الرسمية وتلك الصادرة عن جهات أو مؤسسات اقتصادية دولية، كما تتباين التوقعات لمعدلات النمو التي سيحققها هذا الاقتصاد في العام الجاري. وعلى الرغم من التعهدات التي أطلقتها الحكومة بإجراء إصلاحات اقتصادية واسعة، فإن ما تم اتخاذه من خطوات وما تحقق على الأرض لازال محدودا.

وتنتظر أغلب القوانين والتشريعات التي صدرت حتى الآن الآليات التنظيمية لتنفيذها، في الوقت الذي تواصل فيه الأزمات والمشكلات التي يعاني منها الاقتصاد السوري الضغط على السكان والحد من قدرة الدولة على إجراء الإصلاحات اللازمة.

ومن هذه المشكلات ارتفاع نسبة الدين العام قياسا إلى الناتج المحلي الإجمالي، ونقص احتياطات البلاد من العملات الأجنبية، علاوة على ارتفاع معدلات الفقر والبطالة حيث تشير الدراسات إلى حاجة الاقتصاد إلى إنفاق عشرات المليارات من الدولارات لتصحيح جوانب الخلل وتحقيق معدلات نمو سنوية تساعد على تجاوز الأزمات الحالية وفي مقدمتها أزمتا الفقر والبطالة.

نمو الناتج الإجمالي

يعاني الاقتصاد السوري من عدة مشاكل أبرزها ارتفاع نسبة الدين العام قياسا إلى الناتج المحلي الإجمالي، ونقص احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية، علاوة على ارتفاع معدلات الفقر والبطالة
على الرغم من زوال الأسباب التي كانت تقف وراء ركود الاقتصاد السوري في السنوات الثلاث الماضية، وهي تراجع أسعار النفط وموجة الجفاف التي ضربت سوريا، فإن النمو في الناتج المحلي الإجمالي الذي حققه الاقتصاد السوري عام 2000 كان ضعيفاً، إذ تجمع المؤشرات على أنه تراوح بين 1% و2.5% فقط
وهو ما أكدته إحدى الدراسات الصادرة في دمشق حديثا.

وقالت الدراسة إن معدل النمو عام 2000 بلغ 1% والتضخم 1.5% أي أن الناتج تراجع 0.5%. لكن تقريرا اقتصاديا أعدته الحكومة قال إن الناتج المحلي الإجمالي نما العام الماضي 2.5% عما كان عليه عام 1999، وبلغت قيمته بالأسعار الثابتة 680 مليار ليرة سورية (13.87 مليار دولار)، بينما أكدت دراسة أميركية صدرت في فبراير/ شباط الماضي أن الاقتصاد السوري نما بمعدل 1.5% العام الماضي، وذلك بسبب التحسن الكبير الذي طرأ على سعر النفط وزيادة الإنتاج الزراعي.

وتوقعت الدراسة أن ينمو الاقتصاد السوري في العام الحالي بمعدل 4.5%، غير أن الدراسة ذكرت أن سوريا بحاجة إلى معدل نمو سنوي بنسبة 5%.

وجاء في تقرير دولي آخر أن إجمالي الناتج المحلي نما بنسبة 2.5% عام 2000 في حين شهد ركودا وتراجعا في الناتج المحلي بنسبة 1.8% عام 1999، وتوقع التقرير أن تشهد السنة الجارية نسبة نمو قريبة من 3.56% لكن التقرير قال إن النمو يبقى هشا نظرا لارتباطه بعوامل مثل الأمطار وأسعار النفط وبالتالي لا يكفي لوقف ارتفاع نسبة البطالة من 20% إلى 25% من اليد العاملة، ولا يكفي أيضا لرفع مستوى الدخل الفردي خصوصا في ظل نمو ديمغرافي مرتفع وبنسبة 2.78% سنويا.

تراجع إنتاج النفط وزيادة العائدات


أظهرت دراسة سورية أن معدل النمو الاقتصادي في سوريا عام 2000 بلغ 1% والتضخم 1.5%

لا تعتبر سوريا دولة نفطية كبيرة، فإنتاجها اليومي لا يتجاوز 600 ألف برميل تصدر منه نحو 320 ألف برميل فقط. أما الباقي فيذهب للاستهلاك المحلي. ويقدر احتياطي النفط القابل للاستخراج في سوريا بحوالي 2.5 مليار برميل، وتشكل عائدات النفط حوالي 60% من الصادرات السورية ونحو 30% من إجمالي الناتج المحلي.

وعلى الرغم من انخفاض إنتاج النفط عام 2000 بمعدل 3% إذ بلغ 520 ألف برميل يوميا مقارنة مع عام 1999 حيث بلغ الإنتاج 573 ألف برميل، إلا أن أسعار النفط السوري ارتفعت إلى 26.7 دولارا للبرميل، وذلك من 18 دولارا للبرميل عام 1999.

ويقول تقرير دولي إن عائدات النفط السوري بلغت عام 2000 نحو 3.6 مليارات دولار مشكلة نحو 60% من واردات الخزينة السورية من العملات الأجنبية، مقابل 2.4 مليار دولار عام 1999.

زيادة إنتاج الحبوب
حقق الإنتاج الزراعي تقدما كبيرا نتيجة وفرة الأمطار التي هطلت، فقد تخطى إنتاج القمح لهذا الموسم نحو 4.8 ملايين طن بزيادة 1.7 مليون طن عن العام الماضي، وهو ما يزيد عن استهلاك البلاد الذي يبلغ سنويا نحو 3.12 ملايين طن، بالإضافة إلى نحو 250 ألف طن تستخدم بذورا للعام المقبل. أما إنتاج القطن الذي يأتي في الدرجة الثانية على سلم الصادرات السورية بعد النفط فقد حقق رقما جديدا هذا العام بلغ 1.1 مليون طن مقابل 900 ألف طن العام الماضي.

يذكر أن البلاد شهدت الأعوام الثلاثة الماضية مواسم رديئة أدت إلى انخفاض إنتاج الحبوب بنسبة 40%، في حين يتوقع أن يبلغ إنتاج الشعير نحو 1.65 مليون طن من نحو 211 ألف طن فقط العام الماضي.

مشكلة البطالة تراوح مكانها

تقول مصادر رسمية إن معدل البطالة بلغ في نهاية العام الماضي نحو 9.5% بعدد مطلق يتجاوز 432 ألف عاطل عن العمل
أما على صعيد المشكلات التي لايزال يعاني منها الاقتصاد السوري فهي عديدة وتأتي في مقدمتها مشكلة البطالة. وفي هذا السياق ذكرت مصادر سورية مطلعة أنه على الرغم من مرور سنة على إعلان الدولة عن مشروع وطني لمكافحة البطالة بتكلفة قدرها مليار دولار وتم إقراره من قبل مجلس الشعب فإن هذا المشروع لم توضع تعليمات تنفيذه بعد، مما جعل البعض يعتبر أن الحكومة غير جادة في مواجهة الظاهرة.

ويقول باحثون إقتصاديون إن المشروع الذي أقرته الحكومة العام الماضي لمكافحة البطالة مازال ينتظر القرارات التنفيذية والقوانين الناظمة له.

وتقول المصادر الرسمية إن معدل البطالة بلغ في نهاية العام الماضي نحو 9.5% بعدد مطلق يتجاوز 432 ألف شخص. ويقدر الباحث مرزوق المجموع التراكمي للعجز في فرص العمل بما يزيد عن مليوني فرصة عمل في العقدين الماضيين، وبالتالي فإن المعدل النظري للبطالة يقدر بنحو 36%، وحال استبعاد جزء من البطالة تم استيعابها في القطاع غير المنظم فإن المعدل يتجاوز 20% من قوة العمل ومن الممكن أن يكون قد وصل إلى 23% من قوة العمل العام الماضي.

يشار إلى أن عدد سكان سوريا بلغ حسب آخر الإحصاءات نحو 17.188 مليون نسمة.

ويشير باحثون إلى أن العجز السنوي في فرص العمل تتراوح بين 60 و90 ألف فرصة عمل في الثمانينيات وبين 100 و150 ألف فرصة عمل سنوية أثناء التسعينيات. واعتبر خبراء أن الحل يكمن في تحقيق نسبة نمو اقتصادي قريبة من 6% وهو أمر ضروري من أجل استيعاب الوافدين إلى سوق العمل سنويا البالغ عددهم ما بين 250 و300 ألف شخص.

الفقـــر

تعتبر مشكلة الفقر مزمنة ومستمرة في التصاعد لسببين، الأول تراجع القوة الشرائية للمواطن نتيجة التضخم، والثاني ارتفاع الأسعار المطرد
تعتبر مشكلة الفقر مزمنة ومستمرة في التصاعد لسببين، الأول تراجع
القوة الشرائية للمواطن نتيجة التضخم، والثاني ارتفاع الأسعار المطرد. فدخل الفرد السنوي لا يزيد عن ألف دولار، وذلك نتيجة التضخم الذي طرأ على سوريا منذ العام 1980 إذ ارتفع سعر الدولار الأميركي من أربع ليرات سورية إلى 50، أي أنه تضاعف أكثر من 12 مرة.

أما بالنسبة لأجر العامل فقد كان في عام 1980 يتراوح بين 300 و400 دولار، لكنه تراجع الآن إلى نحو 50% و70% من أجره الذي كان يتقاضاه، علاوة على استئثار فئة محدودة بغالبية الدخل القومي.

وفي هذا السياق يؤكد مراقبون أن 75.6% من الأجراء يكسبون أقل من 100 دولار في الشهر، وهو دخل لا يكفي الاحتياجات المطلوبة للغذاء لأسرة مكونة من خمسة أفراد. وأضاف أنها مشكلة فقر اجتماعي متفاوت نسبيا يعكس سوء توزيع الدخل الوطني وعملية الإفقار التي تستفيد منها شريحة طفيلية ضيقة. وفي دراسة أعدتها باحثة سورية بالمركز الاقتصادي السوري فإن أصحاب الدخل المحدود من السكان يشكلون 80% في حين يشكل أصحاب رؤوس الأموال20%.

وأضافت الدراسة أن كلفة الحد الأدنى للحياة بسوريا تفوق عمليا الحد الأدنى للأجور بنحو 300%، في حين يصل الفارق المتراكم في الأسعار والأجور منذ عام 1985 وحتى اليوم إلى 200%. يشار هنا إلى أن دخل الفرد تراجع عام 2000 بنسبة 3% أيضا.

قرارات الإصلاح برسم الانتظار
منذ تولي الرئيس بشار الأسد أصدرت الحكومة حزمة من القرارات والتشريعات الاقتصادية بهدف إصلاح الاقتصاد ووضعه على طريق النمو وكذلك التصدي للأزمات المستحكمة التي يعاني منها، ومن هذه القرارات:

- زيادة الرواتب بنسبة 25% للموظفين و20% للمتقاعدين الذين يشكلون مع عائلاتهم نحو 40% من عدد السكان، وهو القرار الوحيد الذي أخذ طريقه إلى التنفيذ.

- السماح بإنشاء مصارف خاصة بعد 40 عاما من التأميم وسيطرة الدولة على القطاع المالي، لكن الإجراءات التنفيذية لم تستكمل بعد. مع الإشارة هنا إلى أن المصارف الخاصة التي أنشئت في المنطقة الحرة لم تنجح في تأدية الدور المطلوب منها نتيجة محاصرتها بالقيود الإدارية.

- السماح باستيراد السيارات بعد 35 عاما من الحظر وتحكم الدولة بهذا القطاع، لكن القرار لم يجد حتى الآن الآلية لتنفيذه، إذ لم يتجاوز عدد السيارات التي تم استيرادها أصابع اليد الواحدة.

- إصدار قانون جديد للإيجارات ينظم العلاقة بين المالك والمستأجر على قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين" وذلك بعد أكثر من نصف قرن على القانون السابق.

- خفض الرسوم الجمركية على المواد الأولية الداخلة من الصناعة إلى 1% من النسبة السابقة التي كانت تتراوح بين 6% و20%.

– إقرار المشروع الوطني لمكافحة البطالة الذي خصص له نحو مليار دولار (50 مليار ليرة سورية) لكن آليات التنفيذ لم توضع بعد.

الخطة المطروحة للإصلاح
ما تزال خطة الإصلاح التي تريد سوريا تطبيقها غير واضحة بشكل كامل، إلا أن ما جرى تداوله حتى الآن يمكن أن يصنف تحت اسم الاقتصاد المختلط، أي الأخذ ببعض إصلاحات السوق مع احتفاظ الدولة بسيطرتها على بعض القطاعات الاقتصادية الإستراتيجية والرابحة مع السماح بتدفق الاستثمارات الأجنبية.

ويمكن تحديد أطر هذه السياسة بما قاله وزير التخطيط السوري الدكتور عصام الزعيم في محاضرة له بجامعة دمشق "إن سياسة الإصلاح الاقتصادي التي تنتهجها الحكومة تركز على إصلاح القطاع العام وتطويره وتصحيح أوضاعه ليكون قادرا على تحقيق الربح وامتصاص البطالة، كما ستركز على تشجيع القطاع الخاص وتفعيل دوره".

خطة خمسية للإصلاح بقيمة 25 مليار دولار
وفي خطوة للخروج من حالة الجدل حول الإصلاح الاقتصادي أعلنت الحكومة السورية مؤخرا عن خطة خمسية للإصلاح الاقتصادي تغطي الفترة من 2001 وحتى 2005.

وتعتمد الخطة على تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي بجوانبه الأساسية المالية والضريبية والاستثمارية والمصرفية والإدارية بفاعلية من دون تأخير، ورفع الطاقة الاستيعابية للاقتصاد السوري بما يتيح مضاعفتها في السنوات الثلاث المقبلة.

ويتضمن زيادة إجمالي الناتج المحلي بمعدل وسطي سنوي مقداره 3% للمرحلة الأولى، و4% للمرحلة الثانية، ورفع نسبة الاستثمارات إلى إجمالي الناتج المحلي من 18.2% عام 2000 إلى 27% عام 2005 للقطاعين العام والخاص، وأن يصل مجموع الاستثمارات في السنوات المقبلة إلى 1260 مليار ليرة سورية (25.7 مليار دولار) (الدولار يعادل 49 ليرة سورية) يضخ منها القطاع العام 868 مليار ليرة والقطاع الخاص 392 مليار ليرة، وتمول هذه الاستثمارات من الادخارات المحلية بمبلغ 1076 مليار ليرة و184 مليار ليرة من الخارج على أن تكون نسبة استثمارات القطاع الخاص إلى مجموع الاستثمارات نحو 31%.

وأشارت دراسة لوزير التخطيط عصام الزعيم إلى أن هذه الاستثمارات ستوفر 605 آلاف فرصة عمل منها 235 ألف فرصة في القطاع العام، و370 ألفا في القطاع الخاص يضاف إليها 440 ألف فرصة سيوفرها مشروع مكافحة البطالة.

العقبات التي تعترض طريق الإصلاح
تعتمد خطة الإصلاح بشكل عام على توفير رؤوس أموال ضخمة للاستثمار طويل الأجل في مشاريع إنتاجية توفر معدلات نمو في الناتج الإجمالي المحلي تزيد عن 6%، لكن تأمين هذه الأموال تبدو من الصعوبة بمكان في ظل غياب آلية واضحة في توجه الحكومة وغياب محركات السوق التي تسهم بحماية المستثمر مثل المناطق الحرة وتوفير البنية الأساسية والتنظيمية للمستثمرين علاوة على المعوقات التشريعية الأخرى.

ما يمكن قوله في ختام هذا الاستعراض الموجز إن النمو الذي حققه الاقتصاد السوري عام 2000 والذي يتراوح في حدود معدل 2% فقط كان طفيفا قياسا على الموارد التي توفرت له.

كما أن إمكانيات تحقيق نمو أكبر في العام الجاري لا تزال مرهونة بقدرة الحكومة على الإسراع في تنفيذ الإصلاحات التي أقرتها على الأقل، والتي لاتزال تنتظر الأطر التنظيمية لتنفيذها، فاعتماد الاقتصاد السوري على عدد محدود من السلع يجعل بنيانه هشا وعرضة لتقلبات أسعار هذه السلع وخاصة النفط.

كما أن بطء عملية الإصلاح الذي تقوم به الحكومة تزيد من زيادة الأعباء على الحكومة والمواطنين بنفس الوقت، فلا بد من عملية إصلاح شاملة تستند إلى رؤية واضحة نابعة من الإطار النظري الذي تريده الحكومة لمستقبل الاقتصاد وتحديد دور القطاع العام والخاص وبشكل يتساوق مع عملية التنمية الاقتصادية والبشرية والتكنولوجية مع الحرص على توظيف واستغلال كل إمكانيات الشعب السوري الفنية والمالية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة