إحياء طريق الحرير   
الأربعاء 1435/12/22 هـ - الموافق 15/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:40 (مكة المكرمة)، 13:40 (غرينتش)

 شاشي ثارور

طريق الحرير سمة للسياسة الخارجية الصينية
حزام طريق الحرير الاقتصادي

البعد الدولي لمبادرة طريق الحرير

طريق الحرير سمة للسياسة الخارجية الصينية
يستحضر اسم "طريق الحرير" صورة رومانسية -نصفها تاريخي ونصفها الآخر أسطوري- لقوافل الجمال التي سلكت طريقاً متعرجا عبر صحاري وجبال غير مطروقة في آسيا الوسطى.

لكن طريق الحرير ليس مجرد جزء من ماض أسطوري، فهو سمة مهمة من سمات السياسة الخارجية الصينية الحالية.

طريق الحرير التاريخي كان يتألف من مسلك بري وطريق بحري، وقد عمل كلاهما على تسهيل نقل سلع وأفكار جنوب وشرق آسيا إلى أوروبا، من الشاي الصيني إلى اختراعات مثل الورق والبارود والبوصلة، فضلاً عن المنتجات الثقافية مثل النصوص البوذية والموسيقى الهندية

كان طريق الحرير التاريخي يتألف من مسلك بري وطريق بحري، وقد عمل كلاهما على تسهيل نقل سلع وأفكار جنوب وشرق آسيا إلى أوروبا، من الشاي الصيني إلى اختراعات مثل الورق والبارود والبوصلة، فضلاً عن المنتجات الثقافية مثل النصوص البوذية والموسيقى الهندية.

وعلى نحو مماثل، أعطى طريق الحرير -وهو في المقام الأول المسلك البري الذي كان يمر أيضاً عبر العالم العربي إلى أوروبا- الصين القدرة على الوصول إلى علم الفلك الهندي والنباتات والأدوية العشبية، في حين قدم لها الديانتين البوذية والإسلامية.

وبفضل الأميرال الصيني تشانغ خه الذي قاد أسطوله البحري عبر المحيط الهندي سبع مرات أوائل القرن الخامس عشر الميلادي، أصبحت المقلاة الصينية العميقة آنية الطبخ المفضلة لدى النساء في ولاية كيرلا الواقعة جنوب غرب الهند، ولا تزال شباك صيد الأسماك الصينية منتشرة قبالة سواحل كوتشي.

في عام 1411، أقام تشانغ قرب مدينة جالي الساحلية في سريلانكا نصباً تذكارياً حجريا يحمل نقوشاً (ترجمت إلى الصينية والفارسية والتاميلية) جذابة لآلهة الهندوس، لكي تبارك جهوده الرامية إلى بناء عالم مسالم يعتمد على التجارة والتبادل التجاري.

وبعد ستمائة عام، يتبنى الرئيس الصيني شي جين بينغ الآن هدفاً مماثلا، غير أنه يناشد الزعماء السياسيين في مختلف أنحاء أوروبا وآسيا مساندة قضيته.

حزام طريق الحرير الاقتصادي
في سبتمبر/أيلول 2013، أعلن شي في خطاب ألقاه بجامعة ظار باييف في كزاخستان عما أسماه "حزام طريق الحرير الاقتصادي" كمبادرة جديدة في السياسة الخارجية، تهدف إلى تعزيز أواصر التعاون الدولي والتنمية المشتركة في مختلف أنحاء أوراسيا.

ولتوجيه هذه السياسة، عرض شي خمسة أهداف محددة: تعزيز التعاون الاقتصادي، وتحسين سبل ربط الطريق، وتشجيع التجارة والاستثمار، وتسهيل تحويل العملات، ودعم عمليات التبادل بين الشعوب.

وفي الشهر التالي، دعا الرئيس شي في خطاب ألقاه أمام البرلمان الإندونيسي إلى إعادة إنشاء شبكة الممرات البحرية القديمة لخلق "طريق الحرير البحري" اللائق بالقرن الحادي والعشرين من أجل تعزيز الربط الدولي، والبحث العلمي والبيئي، وأنشطة تربية وصيد الأسماك.

وأكد رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ في وقت لاحق هذا الهدف في إطار قمة التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والمحيط الهادي، ومرة أخرى في قمة شرق آسيا في العام الماضي. ومنذ ذلك الحين، أصبح إنشاء طريق الحرير البري والبحري الحديث سياسة صينية رسمية أقرها الحزب الشيوعي والمؤتمر الشعبي الوطني.

كما أكد الرئيس شي أن الهدف من مبادرة طريق الحرير الاقتصادي يتلخص في إحياء علاقات الصداقة القديمة في العالم المعاصر الذي تحكمه العولمة. ولكن لا شك أن لديه دافعا وطنيا محليا أيضا، وهو الدافع الذي تمتد جذوره إلى فجوة الرخاء المتنامية بين شرق الصين وغربها.

الواقع أن تركيز النشاط الاقتصادي في المدن والمناطق الاقتصادية الخاصة في الشرق كان سبباً في توليد قيود واختناقات تتعلق بإمدادات الطاقة والبيئة، وتعوق قدرة الصين على تحقيق النمو المستدام الشامل الذي تحتاج إليه لاكتساب مكانة الدولة ذات الدخل المرتفع. وتأمل الحكومة أن تعمل مبادرة طريق الحرير على تحويل مناطق غرب وجنوب غرب الصين إلى محركات للمرحلة التالية من التنمية في البلاد.

البعد الدولي لمبادرة طريق الحرير

الرئيس شي أكد أن هدف مبادرة طريق الحرير الاقتصادي يتلخص في إحياء علاقات الصداقة القديمة في العالم المعاصر الذي تحكمه العولمة، لكن لا شك أن لديه دافعا وطنيا محليا أيضا

ومع ذلك فإن البعد الدولي للمبادرة يظل الأكثر أهمية والأشد تعقيدا، وقد أشار الدبلوماسيون الصينيون إلى كوكبة من الآليات والمنصات التي بنيت أو أعيد تعزيزها في السنوات الأخيرة والتي يمكنها أن تساعد في تعظيم البعد الدولي للمبادرة. وتشمل هذه الكوكبة منظمة شنغهاي للتعاون، وممر بنغلاديش-الصين-الهند-ميانمار، وممر الصين-باكستان الاقتصادي، وشبكة يوكسيناو للسكك الحديدية التي مدتها الصين من تشونغ تشينغ إلى ألمانيا (ومنها إلى موانئ شمال أوروبا)، وممرات الطاقة الجديدة والقديمة بين الصين وآسيا الوسطى، فضلاً عن ميانمار.

وعلاوة على ذلك، أنشأت الصين بنك التنمية الجديد مع البلدان الأعضاء الأخرى في مجموعة البريكس (البرازيل وروسيا والهند وجنوب أفريقيا)، والبنك الآسيوي للاستثمار في البينة الأساسية، وهما المؤسستان اللتان ستستفيدان بلا أدنى شك من الفائض الهائل لدى الصين والذي يمكن استثماره. ونظراً للدور البارز الذي تلعبه الصين في هاتين المؤسستين، فيمكن استخدامهما بسهولة لتوفير التمويل لتنفيذ برامج طريق الحرير.

ولكن رغم أن الصين قد لا تجد صعوبة كبيرة في تمويل طموحات طريق الحرير، فإنها من المرجح أن تواجه مقاومة سياسية، خاصة في ما يتعلق بالطريق البحري. فبينما يعمل موقف بكين الصارم في بحر جنوب الصين وبحر شرق الصين على إثارة القلق بين جيرانها -بما في ذلك اليابان وفيتنام والفلبين وسنغافورة- تسببت مبادرة طريق الحرير في إثارة قدر كبير من التخوفات الجيوسياسية.

الواقع أن هذه المخاوف تستند إلى أساس تاريخي قوي، فقد تضمنت بعثات تشنغ استخدام القوة العسكرية في المنطقة التي تضم في الوقت الحاضر إندونيسيا وماليزيا وسريلانكا والهند من أجل تنصيب حكام موالين له، وفرض سيطرته على المضايق الإستراتيجية عبر المحيط الهادي، كما تدخل في سياسة الأسر الحاكمة في سريلانكا وإندونيسيا، واختطف وأعدم حكاماً محليين، حتى أنه استولى على بقايا من أسنان بوذا، رمز السيادة السياسية في سريلانكا.

رغم أن الصين قد لا تجد صعوبة كبيرة في تمويل طموحات طريق الحرير، فإنها من المرجح أن تواجه مقاومة سياسية، خاصة في ما يتعلق بالطريق البحري

وبالتالي، فإن البلدان الواقعة على طول طريق تشنغ تتذكر مغامراته ليس فقط كمبادرات لتشجيع التجارة وإنشاء العلاقات التجارية، بل وأيضاً لتوجيه التدخل العسكري في شؤونها، بحجة التبشير بنظام عالمي متناغم تحت حكم إمبراطور الصين. وتذكير شعوب هذه البلدان بهذا الماضي المؤلم قد لا يصب بالكامل في مصلحة الصين.

ولا يعني هذا أن طريق الحرير الجديد سيفيد الصين فقط، بل على العكس من ذلك، إذ بوسع مسلكه البري وطريقه البحري أن يجتذبا قدراً كبيراً من الاستثمارات للبلدان المشاركة، وخاصة من الصين التي تسعى إلى إيجاد سبل جديدة لنشر احتياطياتها الهائلة. ولكن إنشاء طريق الحرير الجديد سيكون أيضاً بمثابة خطوة مهمة نحو إعادة تنشيط مفهوم "كل ما تحت السماء" الصيني القديم الذي اعتُبِر إمبراطور الصين بموجبه الحاكم المقدس المعين للعالم المعروف بأسره.

ولا يزال العديد من الآسيويين يتذكرون الجهود اليابانية قبل الحرب العالمية الثانية وأثناءها لخلق ما أسمته اليابان "مجال الرخاء المشترك لمنطقة شرق آسيا الكبرى" (كتلة مكتفية ذاتياً من البلدان تحت زعامة اليابان) من خلال الغزو العسكري. تُرى هل تكون الصين على مسار مشابه، وإن كان أقل صراحة في عدوانيته؟
ـــــــــــــــــــــــــــ
وكيل الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، ووزير الدولة لتنمية الموارد البشرية، ووزير الدولة للشؤون الخارجية في الهند سابقا، ونائب في البرلمان الهندي عن حزب المؤتمر الوطني، ورئيس اللجنة البرلمانية الدائمة للشؤون الخارجية حاليا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة