التنمية والديمقراطية في العالم العربي   
الأربعاء 1435/7/2 هـ - الموافق 30/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:25 (مكة المكرمة)، 9:25 (غرينتش)

 

 عبد الحافظ الصاوي

الثورات المضادة وأحلام الشعوب
علاقة التنمية بالديمقراطية
آثار غياب الديمقراطية

الثورات المضادة وأحلام الشعوب
كان الأمل معقودًا بثورات الربيع العربي أن تكون فاتحة خير لتحقيق ديمقراطيات راسخة في المجتمعات العربية.

وكان الأمل أن تكون هذه الديمقراطيات مصحوبة بأداء تنموي مختلف، يعالج ما كرسته دكتاتورية النظم العربية على مدار العقود الماضية، فتتاح للشعوب العربية خيارات الحرية في نمط حياتها اقتصاديًا واجتماعيًا، فتحظى بتعلم يمحو أميتها ويضيء لها طريق المعرفة والتكنولوجيا، ورعاية صحية تحقق حياة أوفر حظًا من القضاء على الأمراض المزمنة، فضلا عن التعرض للمرض، وتحقيق معدلات أعلى من الوقاية.

بعد مرور ثلاث سنوات على ميلاد ثورات الربيع العربي، كان الحصاد الديمقراطي والتنموي هو مزيد من المشكلات المتعلقة بالجانبين التنموي والديمقراطي، فانزوى الأمل في تحقيق ديمقراطية مصحوبة بتنمية حقيقية في دول الربيع العربي

إلا أن الثورات المضادة في دول الربيع العربي، جعلت حلم شعوب تلك الدول يتوارى بعض الشيء.

فبعد مرور ثلاث سنوات على ميلاد ثورات الربيع العربي، كان الحصاد الديمقراطي والتنموي هو مزيد من المشكلات المتعلقة بالجانبين التنموي والديمقراطي، فانزوى الأمل في تحقيق ديمقراطية مصحوبة بتنمية حقيقية في دول الربيع العربي.

وعاشت باقي الدول العربية في ممارسات بعيدة عن روح التنمية والديمقراطية، سواء كانت تلك الدول تحظى بدخول نفطية، أو تعيش مشكلات اقتصادية مزمنة، وكانت نتائج انتخابات الجزائر الأخيرة، التي تمت خلال أبريل/نيسان 2014، ذات دلالة على عمق غياب الديمقراطية في عالمنا العربي.

علاقة التنمية بالديمقراطية
لا شك أن علاقة التنمية بالديمقراطية إشكالية مطروحة على الصعيد الأكاديمي من فترة، ويستدل البعض بتجارب الصين وسنغافورة والاتحاد السوفياتي سابقًا على نفي العلاقة بين الديمقراطية والتنمية.

لكن التعميم بين التجارب الثلاث يحمل الكثير من الخطأ. فالتجربة السنغافورية اتسمت بنمط المستبد العادل. لكن الدول العربية تحظى بتجارب تتسم بالاستبداد والظلم وإهدار الثروات، كما أن تجربة الاتحاد السوفياتي انتهت بانهياره، وتفكك دوله، وانحياز بعضها للديمقراطية الغربية.

وبقيت التجربة الصينية، التي تحظى بدراسات كثيرة، تضمنت هذا الهامش الكبير من اللامركزية في إدارة الاقتصاد هناك، فضلا عن أن الصين أخذت بقدر وافر من قواعد اقتصاديات السوق، في بنائها الداخلي، وكذلك في علاقاتها الخارجية.

ويرى خبير التنمية "أماراتيا صن" في كتابه القيم "التنمية حرية"، (أن التنمية تستلزم إزالة جميع المصادر الرئيسية لافتقاد الحريات: الفقر والطغيان، وشح الفرص الاقتصادية، وكذا الحرمان الاجتماعي المنظم، وإهمال المرافق والتسهيلات العامة، وكذا عدم التسامح أو الغلو في حالات القمع).

وتتضمن مقولة "أماراتيا صن" مزيجا من متطلبات التنمية والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

فالفقر من آفات النظم السياسية والاقتصادية الفاسدة، وكذلك الطغيان فهو أكثر وسائل الدكتاتورية في قهر الشعوب، ونزع حريتها في مختلف المجالات. أما إتاحة الفرص فهي أهم سمات العدالة الاجتماعية، وكذلك القضاء على الحرمان الاجتماعي، الذي يؤدي إلى التهميش لبعض شرائح المجتمع. أما إهمال المرافق العامة فهو دأب حكومات التخلف والتبعية.

أما الدكتور سلطان أبو علي -وزير الاقتصاد الأسبق بمصر- فيذهب في كتاب "التنمية والديمقراطية في مصر" إلى أنه إذا كان للتنمية الاقتصادية والاجتماعية متطلباتها المعروفة، فإن الديمقراطية بمفهومها العام تعتبر من أساسيات التنمية المستدامة، ويجب ألا ننخدع بتسارع معدل النمو لفترات قصيرة في ظل نظم شمولية دكتاتورية، إذ سرعان ما تنقلب إلى تخريب ودمار.

آثار غياب الديمقراطية
هناك مجموعة من المحاور التي يمكن تناولها بسبب غياب الديمقراطية عن العالم العربي، وأثر ذلك على التنمية.

ويمكننا القول إنه بقدر ما كانت فرحة شعوب دول الربيع العربي بالحرية، بقدر ما كانت فرحتها مرتبطة بحلم تحقيق التنمية، عبر آليات ديمقراطية متمثلة في برلمانات وحكومات منتخبة، يمكنها أن تعبر عن احتياجات الناس، وتسعى لتحقيقيها.

ومن بعض مظاهر وآثار غياب الديمقراطية بالعالم العربي على التنمية:

-التبعية للخارج
فقد تعددت مظاهر التبعية بالعالم العربي، ما بين التبعية الاقتصادية والسياسية والثقافية والتكنولوجية... إلخ.

أهم مظاهر التبعية الاقتصادية الاعتماد على الخارج في قضايا تتعلق بالأمن الاقتصادي القومي للدول العربية، سواء على الصعيد القطري أو الإقليمي

وتعد التبعية سببا ونتيجة لغياب الديمقراطية في العالم العربي، ومن أهم مظاهرها في مجال التنمية أنه على مدار عدة عقود لم تنجح دولة عربية واحدة في كسر طوق التخلف، والنفاذ إلى مصاف الدول الصاعدة أو المتقدمة.

فجُل الدول العربية هي دول نامية، ومن بين 22 دولة عربية توجد سبع دول في تصنيف الدول الأقل نموًا.

إلا أن أهم مظاهر التبعية الاقتصادية الاعتماد على الخارج في قضايا تتعلق بالأمن الاقتصادي القومي للدول العربية، سواء على الصعيد القطري أو الإقليمي. فالغذاء والدواء والسلاح، يأتي للدول العربية من الخارج. ولا تمثل دولة عربية، أو سلعة عربية واحدة، دور المتغير المستقل.

فالواقع يظهر أن يكون الأصل أن الدول والسلع العربية في دول المتغير التابع، حتى ولو كانت مصدرة لتلك السلع، فالنفط أعلى وأشهر السلع العربية تصديرًا، أصبحت سوقًا للمشترين وليست سوقًا للبائعين.

-غياب المساءلة
على مدار عقود مضت توالت الحكومات بالدول العربية، لكن لم يخضع أي منها للمساءلة عن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. فما من أزمة عالمية، إلا وكان العرب في أول المتضررين منها، مثلا أزمة المديونية الخارجية في الثمانينيات، كانت تأخذ بخناق العديد من الدول العربية وعلى رأسها مصر.

وكذلك أزمة الغذاء التي ألمت بالعالم في عام 2006 و2007، عانت منها جميع الدول العربية وللأسف ما زالت الأزمة قائمة حيث تصل الفجوة العربية في الغذاء لنحو أربعين مليار دولار.

وكذلك أزمة الطاقة التي تؤجج الأسعار وترفع معدلات التضخم بالدول العربية غير النفطية.

إن الشواهد على غياب المساءلة في الدول العربية كثيرة. ولكن الدلالة هي أن المساءلة أهم آليات الديمقراطية وغيابها أدى إلى تبديد العديد من الموارد، وتكريس أن من يحكم لا يحاسب.

فلا يسمع صوت للبرلمانات العربية في محاسبة حكوماتها، ومتى أُقيلت حكومة عربية، أو استقالت، بسبب تقصيرها في الأداء التنموي أو الاقتصادي؟، أو لفشلها في التعاطي مع مشكلات البطالة والفقر؟ ومتى حاسبت البرلمانات حكوماتها على الخطط التي قدمت للبرلمان؟

إن الاستبيان الدولي عن شفافية الموازنة يكشف عورات كافة الدول العربية، فدول الخليج جميعها لا تقدم موازنات أو بيانات عنها، مما يجعل ما أدرج منها على المؤشر في ذيل القائمة التي تضم 98 دولة في عام 2012. أما العديد من الدول العربية فغير مدرجة على المؤشر أصلا.

-تنامي الفساد
إن واقع الفساد في الدول العربية بسبب غياب الديمقراطية لا تخطئه عين. فالعديد من دول الربيع العربي، طالبت بمعرفة أرصدة حكامها السابقين بالخارج لاستردادها، ولا شك أن الدول العربية التي لم تطلها ثورات الربيع العربي تود أن تعرف موقف حكامها ومسؤوليها بمختلف درجاتهم من تلك الحسابات الخارجية.

فكم من الحكام العرب وكبار المسؤولين بالدولة تُعلن رواتبهم ودخولهم؟

إن حظ الشعوب العربية من هذه المعلومات ما تنشره بعض المجلات العالمية عن رواتب الرؤساء وحكام الدول. في حين أن أولى خطوات الديمقراطية أن يكون مواطن الدولة الأسبق في معرفة هذه المعلومة، لأنه دافع الضرائب وشريك الموارد والعوائد الاقتصادية التي يحصل منها الحاكم على راتبة.

لقد كانت سابقة لم تُعهد من قبل، في ظل التجربة الديمقراطية التي لم تزد عن عام في ظل رئاسة الدكتور محمد مرسي، أن علم الشعب المصري راتب أول رئيس مدني منتخب، وراتب رئيس وزرائه، ونوقشت موازنة الرئاسة ومجلس الوزراء في العلن لأول مرة بمجلس الشورى المنتخب. ولكن بعد الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013، أصبحت تلك المعلومات خافية لا يعلمها أحد.

قد يعطينا مؤشر مدركات الفساد الذي تعده منظمة الشفافية الدولية سنويًا مؤشرًا عن أداء الفساد المتعاظم في الدول العربية. ولكن لا بد من اعتبار أن ثمة دول عربية تحتل مراتب أفضل على هذا المؤشر، كما أن المؤشر لا يعبر عن حقيقة الفساد في هذه الدول، بسبب القمع الذي يمكن أن يتعرض له من يتحدث عن الفساد.

-غياب العدالة الاجتماعية
إن العدالة الاجتماعية في أبسط تعريفاتها هي المساواة في الحصول على الفرص، والتمكين منها، واستدامة ذلك. فمتى كانت هناك فرصة لتداول السلطة في العالم العربي؟

إن الديمقراطية والتنمية يكمل كل منهما الآخر، ولا يجب أن ننظر للديمقراطية على أنها شرط كاف وغير ضروري

إن التعليم بطبيعته من المفترض أن يؤدي إلى حراك اجتماعي، ولكن في ظل النظم الدكتاتورية، لا يجد العلماء مناصا من مغادرة بلدانهم إلى بلدان أخرى يجدون فيها مجالا لميزان عادل لتكافؤ الحصول على الفرص.

فقد كانت الهجرة العربية -الشرعية وغير الشرعية- تمثل معلمًا بارزًا على مدار العقود الماضية، بل إن أكبر ما تخسره الدول العربية هو العقول المهاجرة، إلا أن النظم الدكتاتورية العربية تبدي سلوكًا غريبًا وهو الاحتفاء بأبنائها المهاجرين حال تحقيقهم لنجاح بارز على الرغم من أن هؤلاء المهاجرين الناجين قد أخذوا على عاتقهم أن تكون ثمار تجربتهم لدول المهجر.

ولكن هل حاسب أحد تلك الحكومات عن التكلفة التي تحملتها لإعداد هذه العقول المهاجرة؟ وماذا أعدت للأجيال الحالية والقادمة للحد من هذه الظاهرة السلبية؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة لن تحدث إلا في ظل حكومات ديمقراطية، من خلال البرلمانات المنتخبة، وفي ظل الدكتاتورية فإن الإجابة ستكون بمزيد من هجرة العقول العربية، حتى لا يتسبب لها ذلك في حرج المساءلة.

وفي الختام فإن الديمقراطية والتنمية يكمل كل منهما الآخر، ولا يجب أن ننظر للديمقراطية على أنها شرط كاف وغير ضروري. ففي ظل غياب الديمقراطية، غابت المساءلة وترعرع الفساد، وتكرست التبعية، وانطلق الشباب العربي للعيش في دول أخرى كان أهم مظاهر حضارتها الواحة الديمقراطية حيث حافظت على معدلات تنموية توفر حياة آدمية لمن يعيش على أرضها.
ـــــــــــــــــ
كاتب صحفي مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة