الأبعاد الاقتصادية للمشروع الإيراني بالمنطقة   
الخميس 1/12/1435 هـ - الموافق 25/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:12 (مكة المكرمة)، 12:12 (غرينتش)

 

عبد الحافظ الصاوي

ثمن فشل المشروع الإقليمي العربي
الاستفادة من الظرف الدولي
ضعف القوى الإقليمية
توظيف عوائد النفط
نتائج متضادة

ثمن فشل المشروع الإقليمي العربي
يدفع العرب الآن ثمنا باهظا لفشل مشروعهم الإقليمي الذي استهدف مرات عدة تحقيق تعاون أو تكامل اقتصادي، فمنذ أكثر من ستة عقود تمت الدعوة للتكامل الاقتصادي العربي، ولكن المحصلة أن المنطقة العربية أصبحت بلا مشروع.

على الرغم من أن إيران تعاني مشكلات اقتصادية منذ نجاح ثورتها عام 1979 فإنها حرصت على تمديد علاقاتها الاقتصادية عربيا من أجل الإفلات من العقوبات الاقتصادية الغربية

كما باتت المنطقة مسرحا لمشروعات إقليمية أخرى تستهدف الهوية العربية، فبعد مشروع الأورومتوسطية أتى المشروع الإيراني ليبلور على الأرض علاقات اقتصادية متشابكة، وإن كان يمكن وصفها آنيا بأنها ضعيفة من حيث الكم إلا أن لها ميزتها النوعية لدلالاتها السياسية.

وعلى الرغم من أن إيران تعاني مشكلات اقتصادية منذ نجاح ثورتها عام 1979 فإنها حرصت على تمديد علاقاتها الاقتصادية عربيا من أجل الإفلات من العقوبات الاقتصادية.

ويظهر ذلك جليا من خلال التبادل التجاري لإيران مع دولة الإمارات العربية، والذي تصل قيمته سنويا لنحو عشرين مليار دولار، تميل فيه كفة الميزان لصالح الإمارات بنحو 17 مليار دولار.

واستغلت إيران حالة الانفتاح الاقتصادي في إمارة دبي، فدفعت بنحو عشرة آلاف شركة ونحو 450 ألف إيراني يعملون في إطار الأنشطة الاقتصادية المختلفة، ويستحوذ الإيرانيون على 12% من مشتري الوحدات السكانية التي تمنح مالكيها الإقامة بدولة الإمارات.

ولعل الظروف الدولية والإقليمية الحالية تساعد إيران على لعب دور اقتصادي أكبر من ذي قبل في المنطقة العربية من أجل تمكينها من بسط نفوذها ليكون مشروعها حاكما للمنطقة العربية، ويصنع توجهاتها السياسية, وهو ما يمكن أن ندلل عليه من خلال الأبعاد الآتية:

الاستفادة من الظرف الدولي
ما زالت الدول العربية تركز في علاقاتها الاقتصادية والتجارية على الاتحاد الأوروبي، حيث يعتبر الاتحاد الشريك التجاري الأول للدول العربية، لكن في ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي يعانيها الاتحاد الأوروبي وتراجع معدلات النمو لديه ستتأثر بلا شك تلك العلاقات خاصة مع الدول غير النفطية.

وغير مرة عرضت إيران استثمارات أجنبية مباشرة على دول عربية تعاني مشكلات اقتصادية، ولكن النفوذ الأميركي الأوروبي كان يمثل عائقا لإتمام هذه العروض.

لكن تحسن العلاقات الإيرانية مع أميركا وأوروبا في إطار المفاوضات بشأن برنامجها النووي، وتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران سيمكنانها من أن تطرق أبوابا لدول عربية مرة أخرى.

وقد حافظت إيران على مقدراتها الاقتصادية منذ إنهاء حربها مع صدام حسين في نهاية عام 1989، ولم تنجر لدخول في حروب الخليج المتعددة على الرغم من حرص أطراف عدة على استدراجها، بينما الدول العربية بشكل عام أنهكتها الحروب والإنفاق على التسليح بشكل كبير.

ومن هنا فلدى إيران ما يمكن أن تقدمه من خلال عوائد النفط للدفع ببعض الاستثمارات هنا وهناك، لترسيخ علاقاتها الاقتصادية مع دول الاحتياج الاقتصادي بالمنطقة العربية.

ضعف القوى الإقليمية
لم تكن الدول العربية -التي يمكن أن نعتبرها قوى إقليمية- في حالة من الضعف على مر العقود الماضية كما هي عليه الآن، فمصر منذ أربع سنوات لديها من المشكلات الداخلية ما زاد من تقوقعها إقليميا، فضلا عن مشكلاتها الاقتصادية والتمويلية في الفترة الأخيرة.

تحسن العلاقات الإيرانية مع أميركا وأوروبا في إطار المفاوضات بشأن برنامجها النووي، وتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران سيمكنانها من أن تطرق أبواب الدول العربية لتعاون اقتصادي أوثق

ولم تختلف سوريا عن الوضع في مصر، وإن كانت سوريا أشد سوءا من مصر، ومن ناحية أخرى فحالة الوئام بين سوريا وإيران لا يمكن أن تجعل من نظام الأسد حائط سد ضد المشروع الإيراني، بل هي أحد المستفيدين منه.

 وبالتالي لم تبق سوى السعودية التي تفرقت جهودها على تقديم المعونات الاقتصادية والعسكرية لكل من لبنان والمعارضة السورية ومصر واليمن، وزاد من حالة الإرباك السعودي اقتصاديا ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا ليؤجج من الإنفاق العسكري السعودي على التسليح، كما تنتظر السعودية موجة من انخفاض أسعار النفط التي ستجعلها تعيد حساباتها في العديد من أوجه إنفاقها الخارجي.

واللافت للنظر في العلاقات السعودية الإيرانية هذا الوفاق الذي حدث مؤخرا بينهما في التوجهات بشأن أسعار النفط العالمية وانخفاضها دون مائة دولار للبرميل، وهي حالة لم تتحقق على مدار عقود، حيث كان موقف الدولتين دائما متضادا.

وعلى مدار الأشهر الماضية استطاعت إيران أن تخلق مصالح مشتركة مع دول خليجية أخرى من خلال توقيع اتفاقيات لتصدير الغاز الطبيعي إلى ثلاث من دول الخليج، وهي سلطنة عمان والبحرين والكويت، وهو ما يعني أن العلاقات الاقتصادية بين إيران وهذه الدول ممتدة على الأجل المتوسط، فمدة بعض هذه الاتفاقيات تصل إلى ثماني سنوات وبعضها عشر سنوات.

توظيف عوائد النفط
على الرغم من المشكلات الداخلية لإيران اقتصاديا مثل ارتفاع معدل البطالة لنحو 14%، أو وصول التضخم لنحو 25% فإنها تحاول توظيف عوائد النفط دوما في تسويق مشروعها الإقليمي والدولي.

وعلى الصعيد العربي، استغلت إيران الظروف الاقتصادية التي تعيشها بعض الدول العربية، خاصة دول الربيع العربي فاتجهت إلى مصر لتفتح ملف السياحة، وإمكانية أن تسهم بنحو مليوني سائح إيراني لمصر سنويا، مما ينعش قطاع السياحة المنهار في مصر، وإن كان المشروع تعثر في عهد الرئيس محمد مرسي إلا أنه مرشح للطرح وإمكانية النجاح مرة أخرى في ظل الظروف الحالية.

واستطاعت إيران أن تدخل لدول أخرى من خلال الدعم غير المباشر كما حدث في اليمن والسودان من خلال المراكز الثقافية والتعليمية بهذه البلدان، وإن تعرضت هذه المراكز للإغلاق مؤخرا في السودان إلا أنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها هذه المراكز للإغلاق هناك، حيث كان الإغلاق الأول في نهاية تسعينيات القرن الماضي.

وتحت وطأة المشكلات الاقتصادية التي يعانيها السودان حاليا قد تعود هذه المراكز للعمل من خلال إغراء بعض القروض الإيرانية، أو المساعدات النفطية.

وظلت إيران داعما رئيسيا بشكل واضح للنظام السوري ولحزب الله في إيران تقدم المال والسلاح، وإن كانت الأرقام في هذا الشأن غير متاحة إلا أنها لا تحتاج إلى دليل.

ولنتصور دعما مستمرا لأكثر من عشر سنوات لنظام الأسد وحزب الله، كم سيبلغ؟

ولم تفوت إيران الفرصة من حسن توظيف وجود حكومة شيعية في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، حيث شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين رواجا ملموسا، خاصة في العلاقات التجارية غير الرسمية التي تتم من خلال المنافذ البرية غير الرسمية على الحدود، وكذلك حركة الأفراد في إطار الأنشطة الاقتصادية.

نتائج متضادة
إن علاقات التاريخ والجغرافيا تؤدي إلى وجود علاقات طبيعية بين إيران ومختلف الدول العربية، خاصة دول الجوار العربية لإيران، وكانت لهذه المسلمة دلالات من الواقع قبل ثورة إيران عام 1979، ولكن بعد هذه الفترة شهدت العلاقات تدهورا كبيرا، في حين ما بقي من علاقات يدعو للاستغراب.

فمما يثير الاستغراب في التمدد الإيراني اقتصاديا في المنطقة العربية أن هذه العلاقة تحمل الأضداد، ففي الوقت الذي تحتل فيه إيران منذ سنوات ثلاث جزر إماراتية نجد أن الإمارات تمثل الشريك التجاري الأول عربيا لإيران، والشريك التجاري الثاني عالميا لها أيضا.

على الرغم من المشكلات الداخلية لإيران اقتصاديا مثل ارتفاع معدل البطالة لنحو 14%، أو وصول التضخم لنحو 25% فإنها تحاول توظيف عوائد النفط دوما في تسويق مشروعها الإقليمي والدولي

وكذلك الوضع في لبنان، فبين الفينة والأخرى نقرأ عن قيام السعودية بتمويل صفقات سلاح للجيش اللبناني، بينما على الأرض بيروت عاصمة تديرها إيران من خلال حزب الله القوي، فالمنطق كان يقتضي أن يكون لبنان أشد ولاء للسعودية، وفي الوقت نفسه ألا تصل العلاقات الإماراتية الإيرانية إلى هذه الدرجة العالية من العلاقات الاقتصادية في ظل خلاف بين الدولتين يصل إلى احتلال الأراضي.

إن التوظيف السياسي للإنفاق العام لدولتين نفطيتين في المنطقة -هما السعودية وإيران- يظهر تحقيق نتائج إيجابية لصالح إيران.

وتوضح البيانات أن حجم إنفاق المنطقة العربية على التسليح بلغ 172 مليار دولار في نهاية عام 2013، وهو مبلغ يمكن أن يحرك العديد من الاقتصاديات العربية الراكدة، ويقوي من موقفها الاقتصادي والسياسي، ولكن للأسف فهذا الإنفاق لم يؤد إلى تأمين التنمية، ولا استجلاب رؤوس الأموال، ولكن وظف في صراعات بينية كانت نتيجتها مزيدا من الضعف لكافة القوى العربية.

في الختام، لا بد من النظر إلى المشروع الإيراني على أنه مشروع قومي يعتمد الخلاف المذهبي كآلية لإدارة الصراع في المنطقة، ولا تختلف توجهاته عن توجهات المشروعات الإقليمية الأخرى مثل الأورومتوسطية والشرق أوسطية، من حيث تغيير هوية المنطقة العربية، وتحقيق المصالح الاقتصادية البحتة، والاستفادة من الموارد الطبيعية والبشرية والمالية للمنطقة العربية في توظيف مصالحه على الصعيد الدولي سياسيا.
ـــــــــــــــــــــــــــ
كاتب صحفي مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة