مناهج إدارة الاستثمارات في الأسواق   
الخميس 1436/10/20 هـ - الموافق 6/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 20:32 (مكة المكرمة)، 17:32 (غرينتش)

نورييل روبيني

إيجابيات وسلبيات اللجوء لمديري المحافظ
مقياس جاذبية البلدان استثماريا

حتى في الأوقات العادية، يواجه المستثمرون الأفراد والمؤسسات المستثمرة وقتا عصيبا في تحديد أماكن وبنود الاستثمار المحتملة. فهل ينبغي للمرء أن يزيد من استثماراته في البلدان المتقدمة أم الناشئة؟ وأي من هذه البلدان قد يكون واعدا استثماريا؟ وكيف يتسنى للمستثمر أن يقرر متى وبأي طريقة يعيد التوازن إلى محفظته الاستثمارية؟

من الواضح أن هذه الاختيارات تصبح أكثر صعوبة في الأوقات غير العادية، عندما تحدث تغيرات عالمية كبرى، وتتبع البنوك المركزية سياسات غير تقليدية. ولكن هناك نهجا جديدا ومنخفض التكلفة يعد بتخفيف التحديات التي تواجه المستثمرين في الأوقات العادية وغير العادية على حد سواء.

ففي قطاع إدارة الأصول، كان هناك في العادة نوعان من الإستراتيجيات الاستثمارية أحدهما سلبي والآخر إيجابي. ويشمل الأول الاستثمار في المؤشرات التي تتبع معايير محددة، ولنقل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في الولايات المتحدة أو مؤشر لأسهم الاقتصادات المتقدمة أو الناشئة. وفي واقع الأمر يشتري المستثمر مؤشر السوق.

إن السلبية نهج منخفض التكلفة ذلك أن تتبع معيارا محددا لا يتطلب أي عمل. ولكنه لا يعود إلا بمجموع الجيد والرديء والبغيض، لأنه لا يستطيع أن ينبئك ما إذا كان ينبغي لك أن تشتري الاقتصادات المتقدمة أو الأسواق الناشئة، وأي البلدان ضمن كل مجموعة قد تكون أفضل أداء. فإن تستثمر في سلة من كل البلدان أو مناطق بعينها، وما تحصل عليه يشار إليه باسم "بيتا" متوسط عائد السوق.

وعلى النقيض من هذا، يعهد النهج النشط الاستثمار إلى مديرين محترفين للمحافظ. والفكرة هي أن المدير المهني المحترف الذي يختار الأصول والأسواق التي يمكن الاستثمار فيها قد يتفوق في الأداء على العائد المتوسط الناجم عن شراء السوق ككل. ومن المفترض أن تسمح لك هذه الأموال بالحصول على العائد "ألفا": العائدات المجزية المطلقة، وليس العائدات "بيتا" في السوق.

إيجابيات وسلبيات اللجوء لمديري المحافظ
والمشاكل التي تحيط بهذا النهج عديدة، فـالاستثمار الذي يتولى إدارته مدير محترف يكون مكلفا، لأن المديرين يتداولون بأحجام كبيرة ويتقاضون رسوما باهظة. وعلاوة على ذلك فإن أغلب المديرين النشطين -95% منهم في واقع الأمر- أضعف أداء مقارنة بمعاييرهم الاستثمارية، والعائدات التي يحققونها متقلبة ولا تخلو من مجازفة.

المدير المهني المحترف الذي يختار الأصول والأسواق التي يمكن الاستثمار فيها قد يتفوق في الأداء على العائد المتوسط الناجم عن شراء السوق ككل

كما أن مديري الاستثمارات المتفوقين يتغيرون مع مرور الوقت، وهذا يعني أن أداءهم في الماضي ليس ضمانا لأدائهم المستقبلي. وبعض هؤلاء المديرين -مثل صناديق التحوط- لا يكونون متوفرين للمستثمر المتوسط.

ونتيجة لهذا فإن الصناديق التي تحظى بإدارة نشطة تكون عادة أسوأ أداء من الصناديق السلبية، وتكون العائدات بعد خصم الرسوم أقل وأكثر خطورة. وإستراتيجيات "ألفا" النشطة ليست أسوأ من إستراتيجيات "بيتا" عادة فحسب، بل إن بعضها في واقع الأمر استراتيجيات "بيتا" مُموهة (لأنها تتبع اتجاهات السوق)، ولكن مع المزيد من الاستدانة وبالتالي مخاطر وتقلبات أكثر.

ولكن ثمة نهجا استثماريا ثالثا، ويعرف باسم إستراتيجية بيتا "الذكية" (أو المعززة)، وقد أصبح أكثر شعبية في الآونة الأخيرة. فإذا افترضنا أنك تمكنت من تتبع قواعد كَمية سمحت لك بالتخلص من العناصر الفاسدة، ولنقل البلدان التي من المرجح أن تكون سيئة الأداء وتحصل بالتالي على عائدات منخفضة على الأسهم مع الوقت.

وإذا تخلصت من أغلب الرديء والبغيض فسينتهي بك الحال إلى انتقاء المزيد من العناصر الجيدة، فيصبح أداؤك أفضل من المتوسط.

ومن أجل إبقاء التكاليف منخفضة، لا بد أن تكون إستراتيجيات "بيتا" الذكية سلبية. وبالتالي فإن التقيد بقواعد محددة يحل محل المدير باهظ التكلفة في اختيار العناصر الجيدة وتجنب العناصر الرديئة والبغيضة.

مقياس جاذبية البلدان استثماريا
وعلى سبيل المثال، تستعين شركتي للبحوث الاقتصادية بنموذج كمي يتم تحديثه كل ثلاثة أشهر، ويرتب 174 دولة وفقاً لأكثر من مائتين من العوامل الاقتصادية والمالية والسياسية وغير ذلك، من أجل استخلاص مقياس أو درجة لجاذبية هذه البلدان في نظر المستثمرين في الأمد المتوسط.

ويوفر هذا النموذج إشارات قوية بشأن البلدان التي قد يكون أداؤها هزيلاً، ومن هي تلك التي قد تشهد أزمات، وتلك التي ربما تحقق نتائج اقتصادية ومالية أحسن.

إن التخلص من العناصر الرديئة والبغيضة بناء على هذه الحسابات، وبالتالي انتقاء المزيد من العناصر الجيدة، أثبت قدرته على توفير عائدات أعلى مع مخاطر أقل من تلك التي تحيط بصناديق ألفا أو بيتا السلبية التي تدار بنشاط. ومع تغير التصنيف مع مرور الوقت لكي يعكس تحسن أو تفاقم رداءة المؤشرات الأساسية للبلدان فإن أسواق الأسهم التي يختارها مستثمرو "بيتا الذكية" تتغير وفقاً لذلك.

وفي ظل عائدات أفضل من صناديق "بيتا" السلبية أو تكاليف أقل من كلفة الصناديق المُدارة بنشاط فإن أدوات "بيتا" الذكية تصبح متاحة وأكثر شعبية بشكل متزايد. (وأقول من أجل تقديم إفصاح كامل إن شركتي تطلق، بالتعاون مع مؤسسة مالية عالمية كبرى، سلسلة من مؤشرات الأسهم القابلة للتداول لأسواق الأسهم في الاقتصادات المتقدمة والناشئة باستخدام نهج "بيتا" الذكي).

ولأن هذه الإستراتيجية يمكن تطبيقها على الأسهم، والسندات، والعملات، وأنواع أخرى من الأصول فإن نهج "بيتا" الذكي قد يكون هو مستقبل إدارة الأصول. وسواء كان المرء يستثمر في أوقات عادية أو غير عادية فإن تطبيق نهج علمي ومنخفض الكلفة للحصول على سلة ذات حصة أعلى من المتوسط من العناصر الجيدة يبدو نهجا معقولا.
ـــــــــــــ
رئيس مؤسسة روبيني للاقتصاد العالمي وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة