الأزمة تفرض التحول على أوروبا   
السبت 1431/12/27 هـ - الموافق 4/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 13:24 (مكة المكرمة)، 10:24 (غرينتش)

قد تمر منطقة اليورو في فترة من التحول تستمر عدة سنوات (الفرنسية)


بعد الأزمة التي تجتاحها لن تعود أوروبا كما كانت ولن يعود اليورو كما كان، إذ إن أزمة الدين فرضت على الحكومات إعادة كتابة أهم قوانين منطقة اليورو.

 

ويرى البعض أن الفوضى الحالية هي حركة بطيئة ستؤدي في النهاية إلى انهيار منطقة اليورو، فيما يرى آخرون أن لدى أوروبا من الإصرار السياسي ما يضمن تماسكها، خاصة خلال هذه الأزمة.

 

وبغض النظر عن الرؤيتين فإن أزمة الدين وما تبعها من قواعد الحفز التي تم الاتفاق عليها بين دول منطقة اليورو الست عشرة فإن الاتحاد النقدي الأوروبي سوف يتغير وجهه إلى الأبد، حتى إذا استطاع الإفلات من الأزمة.

 

آلية الاستقرار

فوزراء المالية الأوروبيون سيسعون يومي الاثنين والثلاثاء القادمين لوضع تفاصيل ما يسمى بآلية الاستقرار الأوروبي.

 

وتستهدف قواعد الآلية إعادة ترتيب هيكلة القوى في منطقة اليورو لحماية الاقتصادات الأكبر من تحمل ثمن إسراف الاقتصادات الضعيفة مثل اليونان والبرتغال مما يهدد بشق أوروبا إلى قسمين. وهذا بالتالي يثير التساؤلات عن تقارب الاتحاد المالي بين الدول الأوروبية أو تدفق الأموال من الدول الغنية إلى الدول الأضعف.

 
"
تستهدف قواعد الآلية الجديدة إعادة ترتيب هيكلة القوى في منطقة اليورو لحماية الاقتصادات الأكبر من تحمل ثمن إسراف الاقتصادات الضعيفة مثل اليونان والبرتغال مما يهدد بشق أوروبا إلى قسمين

"

وقد كشفت أزمة الدين صدعا أعمق في أوروبا وأثارت التساؤل عن قدرة الاتحاد الأوروبي على النمو في المستقبل.

 

ويقول ستيفن لويس المحلل بمؤسسة مونيومينت سيكيوريتيز في مذكرة نشرها الأسبوع الماضي إنه بدون اتحاد سياسي لدول الاتحاد الأوروبي فإن انعدام الأمل إزاء وضع اليورو سيكون عميقا، وإن البحث يجري حاليا لإيجاد حل لمثل هذا الوضع.

 

وفي قلب الآلية المقترحة التي تسعى لتطبيقها ألمانيا التي تتحمل أكبر كلفة اقتصادية لإنقاذ أوروبا هو إجبار المستثمرين على تحمل جزء من الخسائر في أزمة الدين.

 

فقد حمت القوانين حملة السندات من البنوك وصناديق التحوط خلال خطتي الإنقاذ لكل من اليونان وأيرلندا.

لكن السياسيين يقولون حاليا إنه ابتداء من عام 2013 فإنه سيتعين على هذه المؤسسات أن تكون عرضة للمخاطر التي توافق على تحملها كجزء من مهنتها.

 

وكان رد الفعل المباشر للمؤسسات هو طلب زيادة إضافية على دين الحكومات الضعيفة. وهذا الطلب في حد ذاته يجر أوروبا في اتجاهين متضادين يفصل الدول القوية اقتصاديا -التي ستظل تدفع سعر فائدة منخفض على سنداتها- عن الدول الضعيفة التي ستدفع سعر فائدة أعلى على ديونها بسبب المخاطر المحيطة بها.

 

فاليونان وأيرلندا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا سيتعين عليها تحمل إنفاق أكبر على تمويل ديونها ولن تستطيع إصدار سندات بأسعار فائدة قريبة من سندات ألمانيا، على سبيل المثال، وهو ما دأبت عليه منذ إصدار اليورو عام 1999.

 

وتقول ألمانيا إن التكلفة الأعلى التي ستتحملها الاقتصادات الضعيفة ستجبرها على أن تكون أكثر انضباطا في الإنفاق وفي استعادة كسب ثقة  المستثمرين.

 

لكن يبدو أن الدول الضعيفة تعمل عكس ذلك حاليا. فقد حذرت مؤسسة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني يوم الخميس الماضي من أنها سوف تخفض تصنيف اليونان -ما يزيد الضغوط على الحكومة اليونانية- إذا ثبت أن قواعد الإنقاذ ستكون قاسية جدا على المستثمرين في السندات اليونانية.

 

الوحدة النقدية على المحك

ومهما كان القرار الذي سيتخذه وزراء مالية الدول الأوروبية هذا الأسبوع بشأن آلية الاستقرار فإن أزمة الدين أثارت الشكوك بشأن الوحدة النقدية الأوروبية.

 

فحتى العام الماضي كانت منطقة اليورو ملتزمة بمبدأين متناقضين وهما أنه لن تحدث أزمة إفلاس لأي دولة كما أنه لن يحدث أي إنقاذ لأي دولة.

 

وقد سقط مبدأ عدم الإنقاذ في مايو/أيار الماضي عندما قدمت أوروبا وصندوق النقد الدولي 110 مليارات دولار من المساعدات لليونان، في حين سقط المبدأ الثاني عندما وافق وزراء مالية الاتحاد الأوروبي على فرض خسائر على المؤسسات الدائنة من القطاع الخاص في حال تعاظم الدين.

 

وعندما أعطى وزراء المالية موافقتهم المبدئية لآلية الاستقرار يوم الأحد الماضي ووافقوا على حزمة إنقاذ أيرلندا كانوا يأملون منع انتشار الأزمة إلى البرتغال وإسبانيا وإيطاليا.

 

لكن الاتفاقية فشلت في منع الهجوم الذي شنته الأسواق على السندات الضعيفة. وتحسن الوضع فقط عندما تعهد رئيس البنك المركزي الأوروبي جان كلود تريشيه بأن البنك سيقدم قروضا طارئة إلى البنوك في دول اليورو وسيستمر في شراء سندات الحكومات.

 

لكن الفائدة على السندات الحكومية بقيت عالية بالنسبة للدول المدينة بحيث لا تستطيع سدادها على المدى البعيد.

 

ويقول اقتصاديون إن حجم أعباء الدين على اليونان وأيرلندا والبرتغال يجعل سدادها غير ممكن مع الأخذ في الاعتبار إجراءات التقشف التي تنفذها هذه الدول وهي إجراءات تقتل احتمالات النمو الاقتصادي التي تحتاجها هذه الدول بشدة.

 

والحل الوحيد الذي قد يبدو معقولا هو إعادة هيكلة ديون تلك الدولة ومساعدتها في إعادة تنظيم اقتصاداتها مع الأخذ في الاعتبار الظروف الإنسانية.

 

"
حجم أعباء الدين على اليونان وأيرلندا والبرتغال يجعل سدادها غير ممكن مع الأخذ في الاعتبار إجراءات التقشف التي تنفذها هذه الدول وهي إجراءات تقتل احتمالات النمو الاقتصادي التي تحتاجها هذه الدول بشدة

"
 

ويقول سايمون تيلفورد -كبير اقتصاديي المركز الأوروبي للإصلاح، وهو مؤسسة استشارية مركزها لندن- إن مثل هذا الإجراء قد يوقف انتشار الأزمة ويخفف الضغوط عن إيطاليا وإسبانيا.

 

ويضيف أنه مع أنصاف الحلول فإن الوضع سيصبح أسوأ.

 

تدفق النقد

وهناك خيار آخر وهو تفادي الإفلاس عن طريق ملء صندوق طوارئ آخر بالأموال فالصندوق الحالي لن يكون كافيا.

 

ويقول غيل مويك المحلل بدويتشه بنك في لندن إن الضمانات التي تقدمها الحكومات للصندوق الحالي ليست كافية والصندوق الجديد يجب أن يضمن رافدا من تدفق الأموال للصندوق الحالي.

 

ويقول محللون آخرون إن الأموال يمكن أن تأتي من ضرائب إضافية في كل أوروبا أو عن طريق إصدار سندات لكل منطقة اليورو.

 

لكن ستواجه مثل هذه الخطوة بمعارضة الدول الأغنى في المنطقة مثل ألمانيا إذ إن الأموال ستتدفق إلى الدول الضعيفة من الدول الغنية.

 

إن نظاما يدعم الدول الضعيفة في منطقة اليورو قد يكون ضروريا إذ يبدو أن أسعار الفائدة لاقتراض تلك الحكومات أيام قوة اقتصادها قد ولت إلى الأبد. لكن سيواجه أي نظام يوفر تدفقا مباشرا من الأموال في منطقة اليورو معارضة من الدول التي ترى فيه تخليا عن سيادتها.

 

وقال المسؤول الاقتصادي بالاتحاد الأوروبي يوم أمس الجمعة أولي رين إنه يتوقع أن تمر منطقة اليورو في فترة من التحول تستمر لعدة سنوات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة