تكالب المشاكل على ميزانية روسيا   
الجمعة 1437/4/12 هـ - الموافق 22/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:48 (مكة المكرمة)، 13:48 (غرينتش)

صباح نعوش

بلغت إيرادات الميزانية الاتحادية الروسية الحالية 13.7 ترليون روبل، ونفقاتها 16.1 ترليون روبل. وبالتالي يصبح عجزها المالي 2.4 ترليون روبل، أي ما يعادل ثلاثين مليار دولار.

وضعت هذه التقديرات انطلاقا من ثلاثة أسس: أولها أن لا يزيد معدل التضخم على 6.4%، وثانيها أن لا يتجاوز حجم العجز 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وثالثها أن يبلغ سعر النفط خمسين دولارا للبرميل.

لكن الأساس الثالث انهار في الآونة الأخيرة بفعل هبوط سعر البرميل إلى 27 دولارا. وبسبب ريعية الاقتصاد الروسي، كلما انخفض هذا السعر تقلصت الإيرادات العامة وازداد العجز المالي. وحتى يصمد الأساسان الأول والثاني، اضطرت الحكومة إلى تشديد السياسة التقشفية بالضغط على الإنفاق العام وتفعيل الخصخصة.

التحول إلى الخصخصة
ضآلة الإنفاق على البحث العلمي
ارتفاع الإنفاق العسكري

 

التحول إلى الخصخصة
من الناحية المبدئية، تمثل الخصخصة الانتقال إلى اقتصاد السوق عن طريق تحويل ملكية وإدارة الأنشطة الاقتصادية من القطاع العام إلى القطاع الخاص، كما يتمخض عنها حصول الحكومة على إيرادات والتخلص من بعض أوجه الإنفاق العام. لكن الوضع الروسي يشير إلى اقتصارها على الجانب المالي. إذ إن غالبية عمليات البيع لا تستهدف القطاع الخاص الروسي بقدر ما تخاطب رؤوس الأموال الأجنبية الداعمة للاحتياطي النقدي والمستوى التكنولوجي.

ففي الوقت الحاضر تجري مفاوضات مع مستثمرين صينيين لبيع 19.5% من حصة الحكومة في "روس نفط"، وهي أكبر شركة نفطية في البلد. وهذه ليست المرة الأولى التي تباع فيها حصة من هذه الشركة لجهة أجنبية. فشركة "بي بي" تملك 19.7% من حصصها.

لما كان من الصعب الحصول على قروض خارجية طويلة الأمد بسبب العقوبات الاقتصادية، فإن الحكومة الروسية لن تجد بُدا من السحب من الاحتياطي النقدي البالغ 346 مليار دولار في الشهر المنصرم، عندئذ ورغم ارتفاع أسعار الفائدة سوف يسجل هذا الاحتياطي هبوطا جديدا، فتنخفض مرة أخرى القيمة التعادلية للروبل ويرتفع معدل التضخم

إن بيع حصة جديدة من هذه الشركة وشيك بسبب الهبوط الحاد لأسعار النفط، لكن الحكومة الروسية لن توافق على بيع تلك النسبة بأقل من خمسمئة مليار روبل (تصريح لوزارة المالية) أي ما يعادل 6.3 مليارات دولار وفق أسعار الصرف السائدة حاليا.

لا شك أن هذا المبلغ سيعطي نفسا جديدا للميزانية الروسية المختنقة. لكنه نفس ضيق مقارنة بحجم عجزها، فهذا المبلغ لا يمول سوى 21% من العجز.

لكن الخصخصة لا تقتصر على "روس نفط". تشمل الخطة الحالية حوالي ألف مؤسسة عاملة في شتى الميادين، من بينها شركات كبرى مثل "روس تليكوم" و"إيروفلوت" و"روس نانو".

وتشير التقارير إلى أن حصيلة عمليات الخصخصة للعام الجاري سوف تصل إلى 13 مليار دولار، ويغطي هذا المبلغ 43% فقط من العجز، وسوف تتجه هذه النسبة نحو التراجع نظرا لارتفاع العجز الناجم عن التدهور المستمر لأسعار النفط.

ولما كان من الصعب الحصول على قروض خارجية طويلة الأمد بسبب العقوبات الاقتصادية، فإن الحكومة لن تجد بُدا من السحب من الاحتياطي النقدي البالغ 346 مليار دولار في الشهر المنصرم (النشرة الأخيرة للبنك المركزي الروسي). عندئذ ورغم ارتفاع أسعار الفائدة سوف يسجل هذا الاحتياطي هبوطا جديدا، فتنخفض مرة أخرى القيمة التعادلية للروبل ويرتفع معدل التضخم.

ضآلة الإنفاق على البحث العلمي
حتى 1990، كان الاتحاد السوفياتي يتمتع بمكانة عالمية مرموقة في مختلف الميادين العلمية، لكن تدهور مستوى المرتبات أدى إلى هروب عدد كبير من العلماء إلى الولايات المتحدة وألمانيا وكندا وإسرائيل. كما انتقل الإنفاق الكلي على البحث العلمي من 2.1% إلى 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي اعتبارا من العام 1992، ولم يشهد ارتفاعا حتى  الوقت الحاضر.

وفي العام 2014، رصدت الميزانية الاتحادية 268 مليار روبل للبحث العلمي، أي 1.8% من النفقات العامة و0.4% من الناتج المحلي الإجمالي.

ترتب على هذا الوضع انخفاض عدد الباحثين، فهبط عدد البحوث العلمية ليصل إلى 14 ألف بحث في السنة. إن البحوث السنوية في هذا البلد العريق بحضارته والمتميز بثقافته لا تتجاوز البحوث الأميركية لمدة 25 يوما.

من الناحية المالية، أفضى هذا التراجع إلى إضعاف الصادرات ذات التكنولوجيا العالية (كالطائرات المدنية والأدوية والمعدات العلمية المعقدة). ففي العام 2013 بلغ حجم هذه الصادرات 8.6 مليارات دولار مقابل 85.5 مليار دولار في ألمانيا.

كما أدى ضعف هذا الإنفاق إلى اعتماد الدولة على استيراد التكنولوجيا. ففي ميدان حقوق الملكية الفكرية دفعت الدولة في العام 2014، ثمانية مليارات دولار لشراء واستغلال براءات الاختراع الأجنبية، في حين لا تتعدى صادراتها 0.6 مليار دولار. أما اليابان فقد استوردت بمبلغ 20.9 مليار دولار وصدرت بمبلغ 36.8 مليار دولار.

لكن تعثر اعتناء المالية العامة بالبحث العلمي والتطوير التكنولوجي يكاد يقتصر على الصناعات المدنية ولا يشمل القطاع العسكري، وهذا ناجم بطبيعة الحال عن خيارات سياسية.

ارتفاع الإنفاق العسكري
تحتل روسيا المرتبة العالمية الثالثة من حيث حجم نفقاتها العسكرية بعد الولايات المتحدة والصين. علما بأن الإنفاق العسكري الأميركي يعادل النفقات العسكرية للصين وروسيا والسعودية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، مجتمعة.

ورصدت الميزانية الروسية للعام الجاري اعتمادات لوزارة الدفاع قدرها 3145 مليار روبل، أي 19.5% من نفقات الدولة. ويعادل هذا المبلغ 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة عالية مقارنة بالدول الصناعية الكبرى والناشئة. وتحتل هذه الوزارة المرتبة الأولى في مصروفات الميزانية الاتحادية، علما بأن الطابع العسكري للإنفاق لا يقتصر على هذه الوزارة بل يشمل أيضا مؤسسات أخرى بخاصة وزارة الداخلية.

يستوجب توازن الميزانية الروسية  بيع برميل النفط بأكثر من ثمانين دولارا، وهذا غير ممكن تحت ظل المؤشرات النفطية والعوامل الاقتصادية والسياسية الراهنة، لكن العجز المالي ليس المشكلة الوحيدة للمالية الروسية التي تعاني من ضعف الاهتمام بالصناعات وارتفاع الإنفاق العسكري

وقد خضعت نفقات الوزارات للتقليص نتيجة السياسة التقشفية الناجمة عن هبوط أسعار النفط، ووصلت النسبة العامة للتخفيض إلى 10%، بيد أن النفقات العسكرية لن يمسها هذا التقليص لعدة أسباب أهمها التواجد العسكري الروسي في مناطق عديدة من العالم، والتوتر السياسي والعسكري في منطقة القرم وما ترتب عليه من تدهور العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، أضف إلى ذلك برنامج الإصلاح العسكري الطموح للسنوات 2011-2020 والحرب في سوريا.

يسعى هذا البرنامج إلى تحديث الأسلحة البرية والبحرية والجوية والنووية. وقدرت كلفته السنوية بستين مليار دولار. وبسبب هبوط أسعار النفط انخفضت بشدة حصيلة الصادرات فانعكس الأمر على تمويل البرنامج. ففي العام المنصرم تم رصد 1740 مليار روبل (حوالي نصف اعتمادات وزارة الدفاع) لتنفيذه، ويعادل هذا المبلغ 27.5 مليار دولار، أي أقل من نصف المبلغ المخطط له.

ويبدو أن أولويات البرنامج سياسية وليست تجارية. لا شك أن روسيا تستحوذ على 27% من صادرات الأسلحة في العالم، وهي بذلك ثاني أكبر بلد مصدر للسلاح بعد الولايات المتحدة. لكن تجارة الأسلحة الدولية ليست ذات أهمية مالية كبيرة، فصادرات الأسلحة الروسية لا تتعدى 15 مليار دولار، لذلك لا تستحق هذه الحصيلة رصد تلك الاعتمادات الهائلة على البرنامج الإصلاحي.

ومن زاوية أخرى، أدى الاهتمام المالي الكبير بالقطاع العسكري إلى إهمال القطاعات الصناعية الأخرى وكذلك الزراعة. وهكذا هبطت المقدرة التنافسية للسلع المدنية وأصبح الاقتصاد برمته يرتكز على ثروات وهبتها الطبيعة للبلد. وباتت ميزانية الدولة تنفق أموالا طائلة على قطاع عسكري استهلاكي ضعيف الجدوى من الناحية التجارية.

كما يرتفع الإنفاق العسكري بسبب التدخل في سوريا التي أضحت ساحة لاستعراض فاعلية برنامج الروس وفرصة لترويج أسلحتهم ذات التكنولوجيا العالية.

وهنالك إرادة سياسية لتهميش المبالغ المنفقة في سوريا. يقولون إن العمليات تكلف حوالي أربعة ملايين دولار يوميا فقط، وإن قسطا من هذا المبلغ يمول عن طريق تقليص التدريبات الروتينية. والواقع أن هذا المبلغ (على افتراض صحته) لا يستهان به في دولة يعاني 23 مليون نسمة من سكانها من فقر مدقع.

يستوجب توازن الميزانية الاتحادية بيع برميل النفط بأكثر من ثمانين دولارا، وهذا غير ممكن تحت ظل المؤشرات النفطية والعوامل الاقتصادية والسياسية الراهنة. ولكن العجز المالي ليس المشكلة الوحيدة للمالية الروسية التي تعاني من ضعف الاهتمام بالصناعات وارتفاع الإنفاق العسكري، الأمر الذي يفسر التدهور المستمر والحاد لمستوى معيشة المواطنين ولسعر صرف الروبل.

ـــــــــــــــ
باحث اقتصادي عراقي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة