هل يتعافى الاقتصاد الإيراني من الركود التضخمي؟   
الأحد 1435/8/18 هـ - الموافق 15/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:22 (مكة المكرمة)، 12:22 (غرينتش)

تامر بدوي

بعد ستة أشهر من اتفاق جنيف
محاولات تثبيت العملة
تنمية الصادرات غير النفطية
تحسن الاقتصاد الكلي تدريجيا

بعد ستة أشهر من اتفاق جنيف
مع مضي ما يقرب من ستة أشهر على عقد اتفاق جنيف بين طهران والقوى الغربية لتسوية الملف النووي الإيراني, استطاعت الإدارة الإيرانية في -ظل الرفع الجزئي للعقوبات الغربية- أن تحسن مؤشرات اقتصادها الكلي نسبياً.

لكن مع قرب انتهاء الاتفاق في 20 يوليو/تموز دون التوصل إلى تسوية نهائية تؤدي إلى الرفع الكامل للعقوبات تبقى الإمكانات الإيرانية محدودة في إطار قنوات محددة لتحسين أدائها الاقتصادي. مع ذلك, يشير نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى احتمال مد الاتفاق لستة أشهر أخرى, وهو ما يبدو محتملاً في ضوء التقدم النسبي الذي تم إحرازه على الرغم من استمرار إشكاليات معتبرة.

مع خفض إدارة الرئيس روحاني للتضخم إلى ما يقرب من 30%, يشرع البنك المركزي الإيراني في تنفيذ سياسة لخفض قيمة الفائدة على الودائع وتقديم التسهيلات لحفز العملية الإنتاجية وزيادة حجم الاستثمار للخروج بالبلاد من حالة الركود

وفي حال مد الاتفاق, ستستمر طهران في تحسين مؤشراتها الاقتصادية تمهيداً لمرحلة جديدة يتم رفع العقوبات فيها بشكل كامل.

وقد ساهم عاملان في إدخال الاقتصاد الإيراني في حالة من الركود التضخمي (تضخم مرتفع متزامن مع نمو شديد الانخفاض):

الأول المرحلة الأولى من خطة إعادة هيكلة الدعم في نوفمبر/تشرين الثاني و ديسمبر/كانون الأول 2010، حيث ارتفعت أسعار حوامل الطاقة (جميع المواد التي تحتوي على طاقة كامنة) بمتوسط 500% على إثر تقليص الدعم المفاجئ وارتفع التضخم من 12% منذ بدء تنفيذ الخطة إلى 22% في نفس الفترة في العام التالي وأثر سلباً على القطاعات الإنتاجية.

أما العامل الثاني فهو العقوبات الغربية على صادرات النفط الإيراني التي فُرضت في عام 2012 والتي أدت إلى تقليص صادراتها إلى مليون برميل أو أقل يومياً. وتراجعت العائدات النفطية إلى أدنى مستوياتها مسببةً عجزا في الموازنة العامة.

دفعت هذه العوامل إلى صعود التضخم إلى ما يقرب من 40% في العام الماضي. وبرفع أسعار حوامل الطاقة وإجراء سياسات اقتصادية انكماشية تستهدف احتواء التضخم, دخلت البلاد في حالة من الركود.

ومع خفض إدارة الرئيس روحاني للتضخم إلى ما يقرب من 30%, يشرع البنك المركزي الإيراني في تنفيذ سياسة لخفض قيمة الفائدة على الودائع وتقديم التسهيلات لحفز العملية الإنتاجية وزيادة حجم الاستثمار للخروج بالبلاد من حالة الركود.

في هذا الإطار صرح فرهاد نيلي -رئيس مؤسسة الدراسات النقدية والمصرفية التابع للمركزي الإيراني في حوار له مع وكالة فارس- بأن خفض الفائدة على التسهيلات سيعزز من جانب "العرض" في الاقتصاد حيث سيحفز خفض الفائدة العملية الإنتاجية وسيؤدي إلى خفض تكاليف الإنتاج وهو ما سينعكس بدوره على تراجع معدل التضخم بحسب ما يرى نيلي.

وفي ظل الانخفاض التدريجي للتضخم, تتوقع الإدارة الإيرانية انخفاض التضخم إلى 25% في العام الجاري فيما يتوقع صندوق النقد الدولي انخفاضه إلى 20%.

محاولات تثبيت العملة
يشكل سعر صرف الريال الإيراني مؤشراً على الثقة في أداء الاقتصاد وبشكل أخص التوقعات التضخمية.

ويمكن رصد حركة الريال في الفترة الماضية كالآتي: وقف الريال عند 35 ألفا في مقابل الدولار في أبريل/نيسان 2013 ثم بلغ 39 ألفا قبيل الانتخابات الرئاسية في يونيو/تموز 2013.

أما ابتداء من يناير/كانون الثاني 2014 وقف عند 29700 مقابل الدولار, لكن منذ 21 مارس/آذار من العام الجاري (بداية السنة الفارسية) بدأ الريال يفقد نحو 10% من قيمته ليصل إلى 33 ألف ريال مقابل الدولار.

ويمكن عزو عدم استقرار الريال إلى عدد من الأسباب وهي استمرار مشكلة التضخم (على الرغم من الانخفاض الملحوظ والمتوقع), فالمناخ التضخمي يؤثر على جهود التثبيت, ثم أثر إجراء المرحلة الثانية من خطة إعادة هيكلة الدعم في أبريل/نيسان من العام الجاري على قيمة العمل.

فقلق المواطنين دفعهم إلى الإقبال على شراء العملة الصعبة والذهب. يضاف إلى ذلك شروع البنك المركزي في خفض الفائدة الذي أدى إلى تراجع حجم الودائع في ظل ارتفاع التضخم عن مستوى قيمة الفائدة، وعدم استقرار مؤشرات البورصة.

يتوقف تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي على عودة صادرات النفط إلى مرحلة ما قبل العقوبات، مع ذلك, شهدت صادرات النفط الإيرانية بعد اتفاق جنيف زيادة معتبرة وصلت إلى 28% بداية من العام الجاري

في بداية مايو/أيار توقع محمد باقر نوبخت -نائب الرئيس للتخطيط الإستراتيجي- أن قيمة الريال ستثبت عند مستوي 26500 أمام الدولار. وبحسب رأي بعض المراقبين, للوصول إلى هذا الرقم في السوق سيكون على الحكومة التدخل لضخ المزيد من الدولارات (لكن عملياً كما هو معلوم لا يحفز هذا الإجراء إلا نشاط المضاربين).

يتوقف تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي على عودة صادرات النفط إلى مرحلة ما قبل العقوبات. مع ذلك, شهدت صادرات النفط الإيرانية بعد اتفاق جنيف زيادة معتبرة وصلت إلى 28% بداية من العام الجاري بحسب تقرير لوكالة بلومبرغ الاقتصادية. لكن يتوقف تأثير زيادة حجم الصادرات أيضاً على مدى انضباط السياسة المالية والنقدية بحيث لا تؤدي عائدات النفط المتدفقة إلى تحفيز المناخ التضخمي.

ووفقاً لتقرير أصدرته وكالة مهر الإيرانية في أبريل/نيسان، تشير إحصاءات شركة النفط الوطنية إلى زيادة القدرة الإنتاجية إلى 3.6 - 3.8 ملايين برميل نفط يومياً وارتفاع حجم الصادرات إلى 1.4 - 1.6 مليون برميل يومياً.

ووفقاً لتقارير أوبك, زاد حجم الإنتاج الإيراني بإضافة 17 ألف برميل ليصل إلى 2.789 مليون برميل يومياً.

وكان بيجن زنغنة -وزير النفط الإيراني- قد صرح في فيينا في لقاء على خلفية اجتماع أوبك الأخير بأن إيران قادرة على رفع مستوى إنتاجها النفطي إلى  أربعة ملايين برميل في أقل من ثلاثة أشهر في حال تم رفع العقوبات بشكل كامل.

تأتي تصريحات زنغنة في سياق إستراتيجية وزارة النفط الجديدة لصياغة عقود جاذبة للمستثمرين الأجانب في مقابل عقود إعادة الشراء (Buy-Back Contracts) القديمة.

بدأ زنغنة في وضع الخطوط العريضة لهذه العقود بتشكيل لجنة مختصة من وزارة النفط في سبتمبر/أيلول 2013. قدمت الوزارة نموذج العقد الجديد لعدد من ممثلي شركات النفط والغاز العالمية في فبراير/شباط 2014. تتميز العقود الجديدة بآليات تراعي المخاطر السياسية التي يتعرض لها المستثمر الأجنبي. وتعطي العقود الجديدة المستثمر حقوقا حصرية للإنتاج في الحقول لمدة تتراوح بين 15 وعشرين عاما بدءا من عملية الاستخراج.

تستهدف هذه التسهيلات جذب المستثمر الأجنبي للعودة مرة أخرى إلى قطاع النفط والغاز. على الرغم من ترحيب الكثير من هذه الشركات بهذه التطورات بإبداء رغبتها في العودة, إلا أن العقوبات المفروضة لا تزال تشكل عائقاً أمامها.

وتقدم الإدارة الإيرانية هذه التسهيلات بهدف دفع هذه الشركات للضغط على برلمانات بلادها لتقليص العقوبات والحصول على إعفاءات.

تنمية الصادرات غير النفطية
تعاني إيران كدولة ذات اقتصاد ريعي معتمد على عائدات صادرات النفط (بالإضافة إلى الغاز), من تقلبات أسواق النفط العالمية التي تهدد أمنها الاقتصادي والقومي. منذ عقوبات 2012 النفطية, بدأت طهران تركز جدياً على تحويل اقتصادها إلى اقتصاد غير نفطي يعتمد في جانب من جوانبه على سياسة تنمية الصادرات غير النفطية.

مهد تراجع قيمة الريال الإيراني في عامي 2011 و2012 لتحسين موقع الصادرات الإيرانية في الأسواق الإقليمية والعالمية. وحفزت العقوبات الإدارة الإيرانية السابقة لتحقيق "تجارة غير نفطية متوازنة" (توازن بين الواردات وجميع الصادرات فيما عدا صادرات النفط والغاز).

في حال تراجع الإنتاج العراقي من النفط بسبب الاضطرابات الجارية, ستكون طهران أحد الرابحين مثلما كانت بغداد البارحة أحد الرابحين من العقوبات المفروضة على طهران, ولا شك في أن الأزمة الأوكرانية كانت في صالح طهران بطموحاتها في مجال تصدير الغاز الطبيعي

على الرغم من التقدم الذي تحرزه إيران في هذا المضمار فما زالت الإدارة الإيرانية تواجه تحديا كبيرا بسبب اتساع الفجوة بين الإنفاق الحكومي والعائدات غير النفطية (سواء عائدات الصادرات غير النفطية أو العائدات الضريبية).

وتواجه سياسة تنمية الصادرات عدداً من العوائق التي تحتاج إدارة الرئيس روحاني التغلب عليها:

- تقليص العقوبات: إن كان اتفاق جنيف قد وفر للمصدرين الإيرانيين فرصا أكبر في الأسواق, إلا أن العقوبات والمناخ الضبابي لا يزالان يشكلان عائقاً بسبب استمرار المفاوضات النووية. مع ذلك, ترسل بوادر التقارب الإيراني الخليجي وتوسيع مجالات التعاون التجاري بين طهران من جهة والكويت, والإمارات وقطر من جهة أخرى, إشارات مبشرة إلى المصدرين الإيرانيين.

- تحسين المناخ الاستثماري: يبقى مناخ الاستثمار في إيران غير ملائمً للشركات والتجار. لا تزال توجد العديد من التناقضات القانونية بالإضافة إلى مشكلات بيروقراطية.

- التسهيلات المصرفية: على الرغم من تخصيص إيران بنوكا للمصدرين كبنك تنمية الصادرات الإيراني, يرى محسن جلال بور -نائب رئيس الغرفة التجارية الإيرانية- أن البنك المذكور وصندوق تنمية الصادرات يحتاجان إلى زيادة رأس مالهم لتلبية المستوى الحقيقي للطلب.

-تكوين تكتلات: تفتقد غالبية الشركات الإيرانية للخبرة الازمة للمنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية. تحتاج الإدارة الإيرانية إلى توجيه المصدرين لدمجهم في تكتلات للتنسيق بينهم وبين التسويق لمنتجاتهم.

تحسن الاقتصاد الكلي تدريجيا
تتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي بصورة تدريجية وإن كان الريال الإيراني يظل أكثر المؤشرات اهتزازاً. وتعتمد قيمة الريال على مستوى عائدات النفط المتدفقة ومدى مهارة الإدارة الإيرانية في توظيفها بكفاءة ورشد. لكن من جهة أخرى يتوقف موقع الصادرات غير النفطية -التي تسعى طهران لتنميتها- على قيمة الريال وثباته في مستوى مناسب يحفز الطلب على المنتج الإيراني غير النفطي في الأسواق الخارجية.

من المتوقع أن ينعكس خفض الفائدة إيجاباً على نشاط المُصدرين ولكنه سينعكس سلباً على المواطن الإيراني الذي ينتظر عائداً مناسباً على ودائعه في البنوك في ظل ارتفاع مستوى التضخم عن الفائدة تزامناً مع إجراء الخطة الثانية من إعادة هيكلة الدعم. وتبقى مشكلة البطالة المرتفعة إحدى المشكلات الرئيسية التي تحتاج إدارة روحاني معالجتها, وإلا قلصت من قاعدتها الجماهيرية.

في حال تراجع الإنتاج العراقي من النفط بسبب الاضطرابات الجارية, ستكون طهران أحد الرابحين مثلما كانت بغداد البارحة أحد الرابحين من العقوبات المفروضة على طهران. ولا شك في أن الأزمة الأوكرانية كانت في صالح طهران بطموحاتها في مجال تصدير الغاز الطبيعي.

تظل مسألة رفع العقوبات الغربية أساس حل قطاع عريض من الإشكالات الاقتصادية التي تواجهها إيران, لكن يبقى قطاع عريض آخر من الإشكالات كامنا في عوامل هيكلية مصابة بها إيران كدولة ذات اقتصاد ريعي وكاقتصاد يظل مرتبطاً بمناورات مختلف اللاعبين السياسيين.
______________
باحث مصري متخصص في الشأن الإيراني ومهتم بالعلاقات الدولية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة