الزلزال الأميركي الذي هز اليونان   
الخميس 1431/3/19 هـ - الموافق 4/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:55 (مكة المكرمة)، 12:55 (غرينتش)
المقر الرئيسي لغولدمان ساكس في وول ستريت (الأوروبية)

وصفت صحيفة واشنطن بوست المشكلات الاقتصادية في اليونان بالزلزال، وقالت إن بنك غولدمان ساكس الاستثماري الاميركي يقف وراء ذلك.
 
وأشارت إلى أنه في عام 2001 استطاع غولدمان ساكس -وهو مجموعة مصرفية عالمية للاستثمار والخدمات المالية تتخذ من وول ستريت مقرا لها- إخفاء بعض المعاملات المالية للحكومة اليونانية, طبقا لنيويورك تايمز الشهر الماضي. وعندما تسلمت حكومة جديدة مقاليد السلطة في أثينا، وجدت أن ديون اليونان فاقت بكثير الأرقام التي اعترفت بها الحكومة السابقة بسبب احتساب تلك المعاملات على أساس أنها صفقات للعملة وليست قروضا.
 
كما ظهر أن عجز الموازنة اليونانية يمثل 12.7% من الناتج المحلي الإجمالي وليس 3.7% كما زعمت الحكومة السابقة.
 
وقال تحليل كتبه هارولد مايرسون في صحيفة واشنطن بوست إن تحقيقا يجري حاليا للوقوف على تفصيلات هذه القضية.
 
وأضاف مايرسون أن نتائج تصرفات غولدمان ساكس تسببت في زلزال، فالحكومة اليونانية الجديدة اضطرت إلى اتخاذ إجراءات لخفض النفقات، وهو ما سيؤدي إلى تعميق فترة الركود الاقتصادي بينما وقعت العملة الأوروبية الموحدة فريسة للمضاربين, واضطرت الدول الأخرى في منطقة اليورو إلى السعي لمساعدة أثينا في عدم التخلف عن سداد قروضها، ما أثار انتقادات بين الدول الغنية في المجموعة وهدد مشروع الوحدة الأوروبية برمته.
 
ولم تكن تلك التصرفات السرية وحدها لغولدمان ساكس المسؤولة عن أزمة النظام المالي العالمي، فقد أدى عجز أميركان إنترناشيونال غروب عن تسديد صفقات مع غولدمان ساكس وغيره من المؤسسات الكبرى، وكذلك تراكم المشتقات الذي أطاح ببنك ليمان براذرز، إلى حدوث الأزمة المالية وما تبعها من ركود اقتصادي سيظل يعاني منه العالم لسنوات قادمة.
 
نفوذ وول ستريت
وقد يعتقد البعض بأن الكونغرس سعى لتنظيم سوق المشتقات الذي تم استثناؤه من تشريعات عام 2000. لكن هذا الاعتقاد خاطئ، فمشروع قانون الإصلاح المالي الذي صادق عليه مجلس النواب في العام الماضي طلب أن يتم التعامل مع هذه المشتقات في نطاق السوق، ما يعني أن السلطات والمشترين يستطيعون متابعة الصفقات والأسعار وأسعار الفائدة بهدف عدم حدوث انفجارات كالتي أطاحت بليمان براذرز وهزت اليونان.
 
لكن مع معارضة الجمهوريين وبعض الديمقراطيين من يمين الوسط صوت مجلس النواب على استثناء نحو نصف المشتقات من القانون الذي يفرض التعامل بها عن طريق السوق. وقد كان ذلك بضغوط من البنوك الاستثمارية الكبرى التي تسيطر على تجارة المشتقات التي استطاعت انتزاع هذا الاستثناء.
 
ولا يزال من غير المعروف ما إذا كان القانون الجديد الذي يعمل عليه حاليا كريس دود في مجلس الشيوخ سيكون أفضل من ذلك الذي تبناه مجلس النواب.
 
لكن هناك ما يكفي من الأسباب لإثارة الشكوك حول مشروع قانون دود، فقد تخلى الأخير عن فكرة إنشاء وكالة تقوم على الحماية المالية للمستهلكين وتناط بها مهام إصدار القواعد الخاصة بالقروض العقارية وبطاقات الائتمان.
 
واقترح دود أن تكون هذه الوكالة تحت إشراف مجلس الاحتياطي الاتحادي، لكن من غير المتوقع أن تؤدي سلطاتها إلى فعل الكثير، إذ قلما ظهر اهتمام الاحتياطي الاتحادي في الماضي بمصالح المستهلكين.
 
ومعنى أن تكون الوكالة تحت إشراف الاحتياطي الاتحادي يحمل نفس معنى وضع إدارة المواد الغذائية والعقارات -على سبيل المثال- تحت إشراف شركة فايزر.
 
ويعني ما تقدم أن كل مقترحات إدارة الرئيس باراك أوباما لكبح القطاع المالي وصلت إلى طريق مسدود.
 
فعلى سبيل المثال تعثر في مجلس الشيوخ اقتراح للإدارة بإلغاء دور الوسيط الذي تقوم به البنوك في تقديم المساعدات للطلاب، وهو اقتراح كان سيخفض تكلفة التعليم بالجامعات الأميركية. في الوقت ذاته تم قتل اقتراح يقضي بمنع البنوك التجارية المؤمنة اتحاديا من القيام بمضاربات استثمارية، كما تم إسقاط محاولة لرئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي السابق بول فولكر لخفض الأموال العامة في البنوك التي تقوم باستثمارات عالية المخاطر.
 
مبادرات إدارة أوباما بشأن وول ستريت تجمدت في مبنى الكونغرس (رويترز)
شعبية وول ستريت

في واقع الأمر لا يوجد ما يساند شعبية وول ستريت، ففي استطلاع أجرته شبكة أن.بي.سي التلفزيونية وصحيفة وول ستريت في يناير/كانون الثاني الماضي، ظهر أن 74% من الأميركيين يعتقدون بأنه لم يتم عمل ما يكفي لتنظيم الصناعة المصرفية بالولايات المتحدة.
 
ورغم مقدرة البنوك الكبرى -مثل غولدمان ساكس- على استخدام أفضل شركات العلاقات العامة، فإنها لم تستطع إقناع الآخرين بأن اختراعاتها المصرفية الحديثة في العقود الماضية قدمت أي مساعدة لاقتصاد البلاد العام.
 
فقد اعتمدت انطلاقة الثورة التقنية قبل ثلاثة عقود على شركات رأس المال المجازف وليس على وول ستريت، أما إنجازات الأخيرة فقد تمثلت في حساب كيف يمكن مساعدة مؤسساتها مضاعفة أرباحها من خلال أنشطة تجارية وصياغة صفقات مثل تلك التي أدت إلى تدمير اقتصاد اليونان.
 
لكن يبدو أن ذلك لا يعني شيئا بالنسبة للسياسيين في مقر الكونغرس، حيث يعارض الجمهوريون جميع الإصلاحات بينما يتلمس الديمقراطيون في يمين الوسط الثغرات في صراع الجانبين على كسب الأموال الضخمة التي تقدمها البنوك.
 
وفي العامين السابقين لم تتلق أي جهة أخرى دعما كبيرا مماثلا للدعم الذي حظيت به البنوك من الحكومة، في نفس الوقت لم توجد جهة عارضت النظم الاتحادية بشدة مثلما فعل القطاع المصرفي. فبالمقارنة مع وول ستريت كان الوضع هينا جدا بالنسبة لعلاقة الحكومة مع شركات التأمين الصحي أو صناعات الأدوية على سبيل المثال.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة