أزمة أوروبا تقترب من المرحلة الأكثر خطورة   
الجمعة 24/1/1437 هـ - الموافق 6/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:16 (مكة المكرمة)، 12:16 (غرينتش)

يانيس فاروفاكيس

يبدو أن أزمة أوروبا تقترب من دخول المرحلة الأكثر خطورة على الإطلاق.

فبعد إرغام اليونان على قبول اتفاق إنقاذ آخر, ترتسم حاليا خطوط المواجهة. ومع تسبب تدفق اللاجئين في كشف الأضرار الناجمة عن الآفاق الاقتصادية المتباينة والبطالة التي ارتفعت إلى عنان السماء بين الشباب في البلدان الواقعة على أطراف أوروبا، بدأت التداعيات تنذر بالسوء.

تصريحات الساسة تنذر بالتداعيات
اتحاد سياسي محدود لدعم اليورو
اقتراحات شويبله لمنع اندلاع أزمة

تصريحات الساسة تنذر بالتداعيات
وقد وضحت تلك التداعيات في التصريحات التي أدلى بها مؤخرا ثلاثة من الساسة الأوروبيين؛ رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي، ووزير الاقتصاد الفرنسي إيمانويل ماكرون، ووزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله.

فقد اقترب رينزي من هدم القواعد المالية التي دافعت عنها ألمانيا لفترة طويلة، ولو من الناحية النظرية.

ففي تحدٍّ غير عادي، هدَّد بإعادة تقديم الميزانية الوطنية الإيطالية كما هي دون تغيير إذا رفضتها المفوضية الأوروبية.

ولم تكن هذه المرة الأولى أن يجافي رينزي زعماء ألمانيا ورؤيتهم. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يأتي تصريحه بعد الجهود التي دامت عِدة أشهر، وبذلها وزير ماليته بيير كارلو بادوان، لإظهار التزام إيطاليا بقواعد منطقة اليورو التي تدعمها ألمانيا.

ويدرك رينزي أن التمسك بالتقتير الشديد المستلهم من ألمانيا يدفع اقتصاد إيطاليا ومواردها المالية العامة إلى ركود أشد عمقا، مصحوبا بالمزيد من التدهور في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. ويعلم السياسي المخضرم رينزي أن هذا طريق مختصر إلى كارثة انتخابية.

ويختلف ماكرون تمام الاختلاف عن رينزي من حيث الشكل والمضمون. وباعتباره مصرفيا تحول إلى سياسي، هو الوزير الوحيد في حكومة فرانسوا هولاند الذي يجمع بين الفهم الحقيقي لتحديات الاقتصاد الكلي التي تواجهها فرنسا وأوروبا وسمعته في ألمانيا إصلاحيا ومحاورا بارعا.

لذا فعندما يتحدث عن حرب دينية وشيكة في أوروبا بين المنطقة الشمالية الشرقية الكالفينية التي يهيمن عليها الألمان والمنطقة الطرفية الكاثوليكية إلى حد كبير، فإن الوقت قد حان للانتباه.

وعلى نحو مماثل، تسلط تصريحات شويبله الأخيرة عن المسار الحالي للاقتصاد الأوروبي الضوء على الطريق المسدود الذي انتهت إليه أوروبا.
تسلط تصريحات شويبله الأخيرة عن المسار الحالي للاقتصاد الأوروبي الضوء على الطريق المسدود الذي انتهت إليه أوروبا

فلسنوات، مارس شويبله لعبة طويلة الأمد لتحقيق رؤيته للبنية المثالية التي تستطيع أوروبا تحقيقها في ظل القيود السياسية والثقافية التي يفترض أنها قائمة بالفعل.

اتحاد سياسي محدود لدعم اليورو
تدعو "خطة شويبله"، كما أطلقت عليها، إلى إقامة اتحاد سياسي محدود لدعم اليورو. باختصار، يفضل شويبله مجموعة اليورو ذات الطابع الرسمي (والتي تتألف من وزراء مالية منطقة اليورو)، ويتولى رئاستها رئيس يتمتع بحق النقض -وتستمد شرعيتها من مجلس اليورو الذي يضم برلمانيين من بلدان منطقة اليورو- على الميزانيات الوطنية.

وفي مقابل التخلي عن السيطرة على ميزانياتها، يعرض شويبله على فرنسا وإيطاليا الهدفين الرئيسيين لخطته الوعد بميزانية صغيرة مشتركة على مستوى منطقة اليورو والتي تمول جزئيا مخططات مكافحة البطالة والتأمين على الودائع.

ولا يلاقي مثل هذا الحد الأدنى من الاتحاد السياسي النظامي الاستحسان في فرنسا، حيث قاومت النخب دائما التخلي عن السيادة. وفي حين قطع ساسة من أمثال ماكرون شوطا طويلا نحو تقبل الحاجة إلى نقل الصلاحيات على الميزانيات الوطنية إلى "المركز"، فإنهم يخشون أن تطالبهم خطة شويبله بأكثر مما ينبغي وتعرض عليهم أقل مما ينبغي، فرض قيود صارمة على حيز فرنسا المالي وميزانية مشتركة تافهة على مستوى الاقتصاد الكلي.

ولكن حتى لو تمكن ماكرون من إقناع هولاند بقبول خطة شويبله، فليس من الواضح ما إذا كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد توافق عليها.

فقد فشلت أفكار شويبله حتى الآن في إقناعها أو البنك المركزي الألماني (الذي كان، من خلال رئيسه ينس ويدمان، سلبيا إلى حد كبير في التعامل مع أي درجة من التبادلية المالية، وحتى النسخة المحدودة التي يبدي شويبله الاستعداد لمقايضتها في مقابل السيطرة على الميزانيتين الفرنسية والإيطالية).

وبوقوعه بين مطرقة المستشارة الألمانية الكارهة وسندان فرنسا النافرة، تصور شويبله أن الاضطرابات الناجمة عن خروج اليونان من منطقة اليورو من شأنه أن يساعد في إقناع الفرنسيين، فضلا عن زملائه في الوزارة بضرورة تنفيذ خطته. والآن، في حين تنتظر ألمانيا انهيار "البرنامج" اليوناني الحالي تحت ثِقَل تناقضاته المتأصلة، تستعد وزارة المالية الألمانية لخوض المعارك المقبلة.

اقتراحات شويبله لمنع اندلاع أزمة
في سبتمبر/أيلول، وزع شويبله على زملائه في مجموعة اليورو الخطوط العريضة لثلاثة اقتراحات لمنع اندلاع أزمة يورو جديدة.

أولا، لا بد أن تشمل سندات منطقة اليورو الحكومية فقرات تعمل على تيسير "إشراك" حاملي السندات في الإنقاذ. وثانيا، لا بد من تغيير قواعد البنك المركزي الأوروبي لمنع البنوك التجارية من اعتبار مثل هذه السندات أصولا سائلة آمنة بدرجة فائقة. وثالثا، ينبغي لأوروبا أن تتخلص من فكرة التأمين المشترك على الودائع، والاستعاضة عنها بالالتزام بالسماح للبنوك بالإفلاس عندما لا يصبح بوسعها تلبية قواعد الضمانات التي يحددها البنك المركزي الأوروبي.

وكان تنفيذ هذه الاقتراحات، ولنقل في العام 1999، سيحد من تدفق رأس المال إلى البلدان الطرفية في أعقاب تقديم العملة المشتركة مباشرة. ولكن من المؤسف أن مثل هذه الخطة، في ضوء إرث بلدان منطقة اليورو من الديون العامة والخسائر المصرفية، من شأنها أن تؤدي إلى ركود أعمق في البلدان الطرفية، كما يكاد يكون من المؤكد أن تؤدي إلى تفكك الاتحاد النقدي.

وفي غضبه إزاء تراجع شويبله عن خطته الخاصة بالاتحاد السياسي، نَفَّس ماكرون عن إحباطه مؤخرا، فاشتكى قائلا "إن أتباع كالفن يريدون إرغام الآخرين على الدفع إلى نهاية حياتهم، ويريدون الإصلاحات ولكن من دون أي مساهمة في تحقيق أي قدر من التضامن".

ويتمثل الجانب الأكثر إزعاجا في تصريحات رينزي وماكرون في اليأس الذي تبثه في الأنفس. والواقع أن تحدي رينزي للقواعد المالية التي تدفع إيطاليا إلى المزيد من دوامة الديون الانكماشية التي لا يمكن تجنبها أمر مفهوم، ولكنه في غياب المقترحات بقواعد بديلة لا يؤدي إلى أي مكان.

وتتلخص الصعوبة التي يواجهها ماكرون في غياب مجموعة من الإصلاحات المؤلمة التي يمكنه عرضها على شويبله لإقناع الحكومة الألمانية بقبول الدرجة الضرورية من إعادة تدوير الفائض لتثبيت استقرار فرنسا ومنطقة اليورو.

لا شيء أقل من الإصلاحات المؤسسية ذات الأهمية على صعيد الاقتصاد الكلي قد يعمل على تثبيت استقرار أوروبا

من ناحية أخرى، يعمل التزام ألمانيا بالقواعد التي لا تتفق مع بقاء منطقة اليورو, على تقويض أولئك الساسة الفرنسيين والإيطاليين الذين كانوا حتى وقت قريب يأملون في التحالف مع أكبر اقتصاد في أوروبا.

وقد استجاب بعضهم، مثل رينزي، بأفعال التمرد الأعمى، في حين بدأ آخرون، مثل ماكرون، يتقبلون على مضض حقيقة مفادها أن الإطار المؤسسي الحالي لمنطقة اليورو والمزيج الذي تعتمد عليه من السياسات لا بد أن يؤدي في نهاية المطاف إما إلى التفكك الرسمي أو الموت نتيجة لآلاف الجراح الناجمة عن التباعد الاقتصادي المستمر.

الواقع أن الجانب المشرق في سحابة العاصفة المتجمعة هذه يتمثل في أن مقترحات الحد الأدنى للاتحاد السياسي، مثل خطة شويبله، تفتقد إلى الأرضية. فلا شيء أقل من الإصلاحات المؤسسية ذات الأهمية على صعيد الاقتصاد الكلي قد يعمل على تثبيت استقرار أوروبا. ولن تتولد الموجات اللازمة لترسيخ مثل هذه الإصلاحات إلا من خلال تحالف ديمقراطي يشمل عموم مواطني أوروبا.
ـــــــــــــــــ
يانيس فاروفاكيس وزير مالية اليونان سابقا، وأستاذ الاقتصاد في جامعة أثينا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة