دبي.. القرية الفقاعة بالرمال المتحركة   
الأحد 1430/12/12 هـ - الموافق 29/11/2009 م (آخر تحديث) الساعة 17:00 (مكة المكرمة)، 14:00 (غرينتش)

المترو أحد مشاريع دبي الضخمة التي نفذت الفترة الأخيرة (الفرنسية-أرشيف)

ظلت دبي حتى يوم الأربعاء الماضي محط أنظار المستثمرين بوصفها وجهة سياحية جذابة ومركزا ماليا إقليميا كبيرا ومثالا على ما يمكن لقيادة جريئة ومستنيرة أن تحققه, لكن إعلانها المفاجئ عن عجزها عن قضاء دينها في موعده حبس أنفاس العالم. غير أن الدافع هذه المرة هو الخشية من "العدوى" والخوف من أن تدفن رمالها المتحركة مبالغ مالية كبيرة ضختها مصارف الدول الغنية في مشاريعها الطموحة, فكيف كانت البداية؟ وما هو وضعها اليوم؟ وما الذي يخبئه مستقبلها؟ هذا ما ناقشته الصحف البريطانية الصادرة اليوم الأحد.

قرية صيد
بمواردها الطبيعية المحدودة في منطقة غنية بموارد الطاقة, قررت دبي أن تنتهج إستراتيجية تنموية اقتصادية طموحة تحولها من قرية صيد بسيطة إلى أحد أهم مراكز المال العالمية, هكذا يلخص جاك هيوز (اسم مستعار لكاتب مقال بصحيفة ذي أوبزيرفر الصادرة اليوم مقيم بدبي) بداية قصة تلك الإمارة.

ولتحقيق هذا الهدف, يضيف الكاتب, لجأت دبي إلى اقتراض المال وبكميات هائلة, فشيدت الجزر الصناعية كجزيرة النخيل والمنتجعات الشاطئية البراقة وفنادق السبع نجوم بل ومترو أنفاق يستخدم أحدث نظام تشغيل في العالم.

ولم يكن ذلك ليتحقق لولا الاقتراض, حيث وصلت ديون حكومة دبي والشركات المملوكة لها كـ"مجموعة دبي العالمية" -حسب آخر الأرقام المعلن عنها- ثمانين مليار دولار أي حوالي 140% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة.

وقد رأى المغتربون في هذا المناخ الاقتصادي الفذ فرصة كبيرة لتحسين ظروفهم فتقاطروا إليها من كل حدب وصوب، فامتزج الأميركيون بالآسيويين بالأوروبيين بالأفارقة ولم يعد سكان دبي الأصليون يمثلون سوى 10% من قاطنيها, حسب هيوز.

واختلطت, يقول هيوز, ديانات عالمية متعددة بنفس المكان, فتجد الكنائس بجوار المعابد الهندوسية ولا تبعد كثيرا عن مساجد ذات منارات عالية, بل إن هناك كنيسا يهوديا في إحدى فلل الجميرة شيد بذلك المكان نزولا عند رغبة مصرفي اشترط للاستثمار بدبي أن تكون لديه دار للعبادة "إنها إمارة من المتناقضات" كما تصفها ذي إندبندنت أون صنداي.

ولا شك أن تلك الإستراتيجية الطموحة, -حسب هيوز- ظلت تحقق النجاح تلو النجاح إلى أن ضربت الأزمة المالية أسواق العالم, مؤذنة بانهيار أسعار العقارات ومزعزعة أركان وأسس النظام المالي العالمي ككل, ونتيجة لذلك لم يعد أحد يريد أن يقدم قروضا لدبي ربما لأن اقتصادها يعتمد كثيرا على العقارات.

ووجدت الإمارة نفسها عاجزة عن سداد ديونها في موعدها، محدثة هزة قوية في أسواق المال العالمي الهشة أصلا والتي لا تزال في بداية تعافيها من أزمة مالية كادت تؤدي إلى انهيارها.

هل تطلب أبو ظبي الاستحواذ على شركة طيران الإمارات مقابل إنقاذ دبي؟ (الفرنسية-أرشيف) 
حذار من العدوى
وقد حذرت صنداي تايمز في افتتاحيتها من العدوى التي قد تنتج عن أزمة ديون دبي على الأسواق العالمية, مشيرة إلى أن ما أعلنت عنه دبي من عجز هو في واقع أمره تذكرة قوية بأن الهزات الارتدادية لأزمة الائتمان التي شهدها العالم خلال العامين الماضيين لم تنته بعد.

لكن الصحيفة استبعدت أن تكون هذه الأزمة سببا في تجدد الأزمة المالية العالمية, مبرزة كون مبلغ ديون دبي (80 مليار دولار) زهيدا نسبيا مقارنة بمبلغ ثلاثة تريليونات دولار الذي قدر صندوق النقد الدولي أن العالم قد خسره نتيجة الأصول السامة.

ثمن الإنقاذ
واعتبر الكاتب هاميش ماكراي أن ما حدث في دبي هذا الأسبوع لا يخرج عن إطار الرمال المتحركة للإمارة, مستبعدا أن يؤدي إلى نشوب أزمة مالية عالمية جديدة .

وقد اختار كاتبا صنداي تلغراف ريتشارد سبنسر وإدموند كونوي عنوان "دبي إمارة في أزمة" لتقرير عن الموضوع ذكرا فيه أن إعلان هذه الإمارة عن تأجيل سداد ديونها مثل إحراجا لجارتها الغنية أبو ظبي وأحدث أزمة ثقة عبر الأسواق العالمية.

الكاتبان اعتبرا أن هذا الإعلان أضر بمصداقية حكومة هذه الإمارة, بل ودولة الإمارات العربية ككل.

وأضافا أن الأنظار تتجه الآن نحو أبو ظبي لإنقاذ دبي، وأن التكهنات بدأت تتحدث بشأن مدى استعداد أبو ظبي للقيام بذلك وعلى أي أساس.

ويتوقع هيوز في مقاله في ذي أوبزيرفر أن تطلب أبو ظبي ثمنا باهظا للحبل السري المالي الذي قد تمد بها جارتها دبي, ويقول إن أبو ظبي قد تطلب السيطرة على بعض جواهر دبي كشركة طيران الإمارات أو شركة موانئ دبي العالمية, أو ربما تطالب بالاستيلاء على مركز دبي المالي العالمي.

ونقلت صنداي تلغراف عن المؤرخ كريستوفر دفيدسون المتخصص في تاريخ دبي وأبو ظبي قوله إن الأخيرة ستسعى لدفع دبي إلى أقصى قدر ممكن من الاندماج السياسي لتقوية الاتحاد.

عبر دبي
"ما الذي تعنيه دبي بالنسبة لي؟" هذا هو السؤال الذي قال الخبير المالي محمد العريان إنه يتردد في إجازة الأسبوع الحالي على ألسنة المستثمرين عبر العالم.

العريان تحدث بمقال له بصحيفة صنداي تلغراف عن الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية لإعلان دبي تعليق سداد ديونها عدة أشهر, فقال إن أهم عامل على المستوى الوطني هو كيف ستتعامل أبو ظبي مع هذه الأزمة, منبها إلى أن المسألة هنا تتعلق بمدى إرادة القادة بأبو ظبي في التدخل لإنقاذ الموقف.

أما على المستوى الإقليمي, فإن الخشية هي مما يسميه المستثمرون في الأسواق الصاعدة "العدوى" التي تعكسها ردة فعل الأسواق الفورية على هذا التطور.

وعلى الصعيد العالمي, يقول العريان إن إعلان دبي سيمثل عاملا محفزا لإزالة الفقاعات من الأسواق المالية العالمية المكلفة.

أما عما ستؤول إليه الأمور، فإن العريان توقع أولا أن تستمر أزمة دبي فترة من الوقت, وثانيا أن تزيد قدرة الأسواق على التمييز بين الغث والسمين اعتمادا على الحقائق المالية والاقتصادية, بحيث تنهض الأسواق القوية (أبو ظبي, الكويت, قطر, البرازيل، السعودية) وتتعرض أسواق أخرى بدول تعاني عجزا ماليا كبيرا وديونا ضخمة شرق ووسط وجنوب أوروبا لضغط أكبر.

وشدد الخبير المالي على أن ما وقع بدبي يجب أن يكون عبرة لأولئك الذين أحسوا بالنشوة والارتياح للارتفاع الذي شهدته الأسواق المالية الأشهر القليلة الماضية, مشيرا إلى أن مضاعفات الأزمة المالية لم تختف بعد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة