وباء التقشف   
الثلاثاء 1434/8/10 هـ - الموافق 18/6/2013 م (آخر تحديث) الساعة 0:50 (مكة المكرمة)، 21:50 (غرينتش)
صندوق النقد الدولي دعا أوروبا قبل أسابيع للتخفيف من سياسات التقشف والتركيز على الاستثمار
(الفرنسية-أرشيف)

إيزابيل أورتيز-ماثيو كومينز


- ضبط الموازنات


- الأجور والإيرادات
- الاضطرابات الاجتماعية

في اجتماعات الربيع التي جرت هذا العام بين صندوق النقد الدولي والبنك الدوليفي واشنطن، حث الأول الدول الأوروبية على تخفيف سياسات التقشف والتركيز على الاستثمار، وتعد هذه الدعوة تحولاً كبيراً عن لغة الماضي وخطابه. ولكن في أروقة هاتين المؤسستين اللتين تشارك فيهما أطراف متعددة، دارت أحاديث حول وجود معايير مزدوجة.

والواقع أن أغلب الدول تعمل على خفض الإنفاق العام مدعوماً في ذلك من صندوق النقد الدولي. وبالتالي فبالرغم من أن بعض دول الشمال بدأت تشكك في وصفة التقشف، فإن نظيراتها في الجنوب (بما في ذلك بلدان جنوب أوروبا) تتبنى على نحو متزايد تدابير للضبط المالي.

ووفقاً لتوقعات النقد الدولي فإن ثلاثة أرباع الحكومات الـ119 التي قررت تقليص موازناتها هذا العام دول نامية (بما في ذلك 21 دولة منخفضة الدخل و68 دولة متوسطة الدخل). وتؤثر برامج تقليص العجز والديون الحكومية على نحو 80% من مواطني الدول النامية، ومن المتوقع أن يشتد تأثير هذه البرامج بشكل مطرد حتى عام 2015. وفي الوقت نفسه فإن حجم الانكماش سيكون كبيرا، حيث من المتوقع أن تخفض ربع الدول النامية تقريباً إنفاقها إلى ما دون المستويات المسجلة ما قبل الأزمة.

وفق توقعات النقد الدولي فإن ثلاثة أرباع الحكومات الـ119 التي قررت تقليص موازناتها هذا العام دول نامية، وتؤثر برامجها لتقليص العجز والديون على نحو 80% من مواطنيها

ضبط الموازنات
ووفقاً لتقارير تتعلق بمناقشات السياسة العامة لـ314 دولة عضواً بصندوق النقد نشرت منذ عام 2010 -وهي (أي التقارير) جزء من تحديث شامل للتحول العالمي نحو التقشف- فإن العديد من تدابير ضبط موازناتها تتركز بشكل كبير في البلدان النامية، حيث يتحمل المواطنون بصفة خاصة عواقب التقشف الاقتصادية والاجتماعية.

إن مقياس الضبط المالي الأكثر شيوعاً، والذي تستخدمه حكومات 78 دولة نامية، هو خفض إعانات الدعم، وكثيراً ما تكون المداولات حول هذا الموضوع -في 55 دولة نامية بالتحديد- مصحوبة بنقاش حول الحاجة إلى شبكة أمان اجتماعي لتعويض أفقر المواطنين عن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل.

ولكن وضع وتنفيذ أرضية للحماية الاجتماعية يستغرق وقتاً طويلاً، ولا يبدو أن الحكومات راغبة في الانتظار، ففي الوقت الذي تزيد فيه الحاجة إلى المساعدات الغذائية فإن بعض الحكومات تعمد لوقف الإعانات الغذائية وتبادر أخرى لتقليص الإعانات المخصصة لدعم أسعار المدخلات الزراعية مثل البذور والأسمدة والمبيدات الحشرية، وهو ما يؤدي لإعاقة الإنتاج المحلي من المواد الغذائية.

الأجور والإيرادات
وعلى نحو مماثل فإن خفض أجور القطاع العام أو وضع حد أقصى لها -وهو ما يجري حالياً في 75 دولة نامية- يهدد بتقويض جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وخاصة على المستوى المحلي في المناطق الريفية الفقيرة، حيث يستطيع معلم أو ممرض أن يحدد أي الأطفال يحصل على التعليم أو الرعاية الصحية وأيهم يحرم منها، ويشتد هذا الخطر في 22 دولة نامية، حيث يفكر صناع السياسات في إصلاح نظام الرعاية الصحية، وفي 47 دولة نامية حيث تدور مناقشات عامة حول إصلاح نظام معاشات التقاعد.

وبخصوص الإيرادات، تفكر قرابة 63 دولة في زيادة ضرائب الاستهلاك مثل ضريبة القيمة المضافة. ولكن فرض الضرائب على المواد الغذائية الأساسية والمستلزمات المنزلية قد يخلف تأثيراً غير متناسب على الأسر ذات الدخل الأدنى، والتي تعاني أصلا من محدودية مواردها، وهو ما قد يؤدي لتفاقم التفاوتات القائمة.

وبدلاً من خفض الإنفاق يتعين على قادة الدول النامية أن يركزوا على توفير فرص العمل اللائقة وتحسين مستويات المعيشة لمواطنيهم، وينبغي لهم أن يدركوا أن التقشف لن يساعدهم في تحقيق أهداف التنمية، بل على العكس من ذلك فإن خفض الإنفاق سوف يلحق الضرر بأكثر مواطنيهم ضعفاً، ويوسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويساهم في زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

خفض الإنفاق سوف يلحق الضرر بأكثر مواطني الدول النامية ضعفاً، ويوسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويساهم في زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي

الاضطرابات الاجتماعية
والواقع أن الاضطرابات الاجتماعية آخذة في التصاعد فعلاً في مختلف الدول النامية، فمن ثورات الربيع العربي إلى أعمال الشغب العنيفة الناتجة عن نقص المواد الغذائية، والتي اندلعت في الأعوام الأخيرة في مختلف أنحاء آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، فالشعوب تتفاعل مع التأثيرات المتراكمة للبطالة المتفشية وارتفاع أسعار المواد الغذائية وتدهور الأحوال المعيشية.

ولكن ينبغي ألا يكون عصرنا عصر تقشف بالضرورة، فلدى الحكومات -حتى في أفقر الدول- خيارات تستطيع من خلالها تعزيز التعافي الاقتصادي المقبول اجتماعياً، وهذا يتضمن تنفيذ تدابير منها إعادة هيكلة الديون والتوسيع التدريجي لقاعدة فرض الضرائب (على الدخل الشخصي والممتلكات والشركات، بما في ذلك القطاع المالي)، والحد من التهرب الضريبي واستخدام الملاذات الضريبية والتدفقات المالية غير المشروعة.

وفي نهاية المطاف، فإن خفض الأجور والخدمات العامة ودخل الأسر يعرقل التنمية البشرية، ويهدد الاستقرار السياسي ويؤدي إلى انخفاض الطلب وتأخير التعافي. وبدلاً من الاستمرار في التشبث بسياسات ضررها أكثر من نفعها يتعين على صناع السياسات أن يفكروا في نهج جديد يساهم بالفعل في تقدم بلدانهم اجتماعياً واقتصادياً.

ــــــــــــــــ
إيزابيل أورتيز مديرة برنامج العدالة الاجتماعية العالمية التابع لمبادرة حوار السياسات، وكانت مسؤولة كبيرة لدى منظمة اليونيسيف، وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة، وبنك التنمية الآسيوي.
ماثو كومينز عمل في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة اليونيسيف، والبنك الدولي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة