هل فعلها المصرفيون؟   
الأربعاء 1434/2/13 هـ - الموافق 26/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 0:03 (مكة المكرمة)، 21:03 (غرينتش)

راغورام راجان

هناك مناطق قليلة من النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة أكثر تسييساً من تمويل الإسكان. ورغم هذا فإن اليسار الفكري كان بالغ التأني في إعفاء الجهات التنظيمية، وتفويضات الإقراض الحكومي، ووكالات مثل فاني ماي وفريدي ماك؛ من أي مسؤولية عن طفرة الازدهار وما أعقبها من انهيار.

والأساس المنطقي هنا واضح، فإذا تم تحميل المسؤولين والمؤسسات والسياسات المسؤولية عن هذا فإن أجندة الإصلاح في الاقتصاد الأميركي سوف تتحول بالضرورة من تنظيم عمل المصرفيين الجشعين والمكافآت التي يحصلون عليها إلى طرح تساؤلات أوسع نطاقا.

فهل تساهم الصلاحيات الحكومية في نشوء السلوكيات السيئة من قِبَل جهات فاعلة خاصة؟ وهل يمكننا أن نأتمن القائمين على التنظيم على المفاضلة بالشكل اللائق بين الاستقرار المالي والسياسات التي تحظى بدعم سياسي واسع النطاق؟ بل هل تستطيع البنوك المركزية أن تكون مستقلة حقا؟

إن عدم التشكيك في قبول منح الحكومة دوراً أكبر في ترويض الأسواق من شأنه باختصار أن يفسح المجال أمام التساؤل عما إذا كان ذلك الدور قد يتحول في بعض الأحيان إلى جزء من المشكلة.

كانت مهمة اليسار سهلة في الهيمنة على المناقشة، ويرجع هذا جزئياً إلى أن محاولات اليمين الفكري إلقاء كل اللوم عن الأزمة المالية على الحكومة غير قابلة للتصديق على الإطلاق.

الطفرة وانهيارها
ولعل الحجة التي كانت لتصبح أكثر قبولاً وصحة أن نزعم أن الجميع -المصرفيين، والأسر، والجهات التنظيمية، والساسة- أسهموا (ونسبوا إلى أنفسهم الفضل) في حدوث الطفرة طيلة مدة بقائها، ثم انقلب الوضع بعد الانهيار الاقتصادي لتوجه أصابع الاتهام للآخرين.

ولكن إصغاء المصرفيين للنصائح السياسية في أعقاب الأزمة -حيث تقبلوا عمليات الإنقاذ العامة أولا، ثم دفعوا لأنفسهم علاوات ومكافآت ضخمة وكأن شيئاً لم يتغير- ضمن تحملهم نصيب الأسد من اللوم، مع استعداد كل الأطراف الأخرى لارتداء زي الضحية الغافلة.

ونتيجة لهذا فإن استجابة السياسة العامة كانت خاضعة لهيمنة سرد مفاده أن "المصرفيين هم السبب". ومكمن الخطر هنا هو أن هذا التوجه منقوص، وبالتالي فمن غير المرجح أن يكون فعّالا.

لذا فقط كان من المشجع أن نرى دراسة اقتصادية رزينة تتعامل مع تأكيد من قِبَل بول كروغمان، الذي ربما يكون الخبير الاقتصادي اليساري الأكثر نفوذاً في الولايات المتحدة، بأن "قانون إعادة الاستثمار المجتمعي لعام 1977 لم يكن وثيق الصلة بطفرة ازدهار الرهن العقاري الثاني".

ومن شأن قانون إعادة الاستثمار المجتمعي أن يوجه الهيئات الإشرافية المالية الفدرالية بضرورة تشجيع المؤسسات التي تقوم على تنظيمها على مساعدة المجتمعات التي يفترض في هذه المؤسسات أن تلبي احتياجاتها الائتمانية، في حين تؤكد أيضاً على "سلامة وصحة" المعايير.

لإنفاذ قانون الاستثمار فإن الجهات التنظيمية تقوم دورياً باختبار امتثال البنوك للقانون، وذلك بهدف شحذ تأثير عملية "الفرض التنظيمي"

قانون إعادة الاستثمار
وفي الممارسة العملية، تقوم الجهات التنظيمية بقياس حجم الإقراض على المساحات التي يستهدفها قانون إعادة الاستثمار -المناطق الفقيرة التي يقل دخلها في المتوسط عن 80% من متوسط دخل المجتمع- فضلاً عن المقترضين من الأقليات وذوي الدخول المنخفضة في المناطق التي لا يغطيها القانون للتحقق من الامتثال له.

لقد رفض اليسار أي زعم بأن هذا القانون لعب دوراً في طفرة الإسكان من خلال الإشارة إلى صدوره في عام 1977، في حين بدأت طفرة الرهن العقاري الثانوي في وقت مبكر من بدايات القرن 21. ولكن هذا يتجاهل احتمالا مفاده أن الجهات التنظيمية ربما بدأت في إنفاذ هذا القانون بقوة في وقت لاحق.

ولإنفاذ القانون، فإن الجهات التنظيمية تقوم دورياً باختبار امتثال البنوك لقانون إعادة الاستثمار المجتمعي. ومن أجل شحذ تأثير عملية "الفرض التنظيمي"، تقوم الدراسة الحديثة بمقارنة سلوك البنوك الخاضعة للفحص (والذي يتم على مدى عِدة أرباع من السنة) بسلوك البنوك غير الخاضعة له في منطقة بعينها وشهر بعينه.

والنتائج واضحة، فمقارنة بالبنوك غير الخاضعة للفحص، كان حجم القروض التي قدمتها البنوك في المناطق الست المحيطة باختبار قانون إعادة الاستثمار المجتمعي أعلى بنسبة 5%، وكانت هذه القروض أكثر عُرضة للجنوح بنسبة 15% أعلى بعد عام واحد من تقديمها.

وبعبارة أخرى، فإن البنوك الخاضعة للفحص تقدم قروضاً أكثر، وتقدم قروضاً أكثر مجازفة، وتصبح هذه النتائج أكثر وضوحاً في المناطق التي يغطيها القانون.

إن الدراسات الاقتصادية القياسية الجيدة تحرص على فحص التأثيرات الثانوية من أجل إقناع القراء بأن التأثير الرئيسي هو ما هو عليه. كانت الأداة الأولية التي تستخدمها الجهات التنظيمية لفرض الالتزام هي سلطته في رفض طلبات البنوك غير الممتثلة للقانون بإنشاء فروع جديدة أو تنفيذ عمليات اندماج.

وأثناء طفرة ازدهار الرهن العقاري الثانوي، كانت البنوك الضخمة أكثر ميلاً إلى الرغبة في التوسع، وبالتالي فإن حافزها إلى الامتثال كان أكبر. وتجد الدراسة أن الإقراض بموجب قانون إعادة الاستثمار المجتمعي من قِبَل البنوك الأكبر حجماً يستجيب في واقع الأمر لفحص القانون.

سهولة تحويل القروض إلى أوراق مالية ربما جعلت القروض الخطيرة الملتزمة بقانون إعادة الاستثمار المجتمعي تبدو أقل تكلفة

زيادة الإقراض
وفي أوج حالة سعار الإقراض (بين عامي 2004 و2006)، تجد الدراسة أن البنوك قدمت قروضاً أكبر في استجابة للفحص، وأن النتائج كانت أكثر سوءا. ويخمن القائمون على الدراسة أن سهولة تحويل القروض إلى أوراق مالية ربما جعلت القروض الخطيرة الملتزمة بقانون إعادة الاستثمار المجتمعي تبدو أقل تكلفة.

وأخيرا، ومثل الدراسات الجيدة، تشرح هذه الدراسة لماذا يفضي التحليل الأكثر دقة من جانب القائمين عليها إلى نتائج مختلفة عن تلك التي توصلت إليها دراسات سابقة.

وبسبب الطريقة التي بنيت عليها الدراسة، فإنها تشير فقط إلى حد أدنى من التأثير على مدى الامتثال لقانون إعادة الاستثمار المجتمعي. فهي تركز على التأثير المتباين الذي يخلفه القانون على البنوك الخاضعة للفحص والبنوك غير الخاضعة له. والواقع أنه من المرجح أن تكون كل البنوك قد زادت من مستويات إقراضها بما يتفق مع القانون. ولكن الدراسة لا تستطيع أن تقيس هذه الزيادة.

هناك مجال للتخمينات الضخمة في الاقتصادات المختلفة بعضها قائم على الحدس، وبعضها قائم على المنطق السليم، وبعضها الآخر قائم على الأيديولوجية. وإذا كان لخبراء الاقتصاد أن ينتظروا الدراسات المتأنية قبل عرض آرائهم بشأن السياسات، فما كنا لنجد شيئاً يقال في الوقت المناسب.

ومن المؤكد أنه من الأفضل أن نجد بعض الحدس الاقتصادي يوجه السياسات على أن لا يكون لدينا أي شيء منه على الإطلاق.

ولكن هناك خطر أن يخلط عامة الناس بين التخمين والحقائق، فقط استناداً إلى مدى الثقة في المخمن وقدرته على الإقناع. والواقع أن مثل هذه الدراسات مفيدة في وضع الأمور في نصابها الصحيح.

وعلى نطاق أوسع، تشير الدراسة إلى أننا لا بد أن نتجاوز إلقاء اللوم على المصرفيين. يتعين علينا أن ندرك أن الضوابط والتوازنات الأساسية انهارت بسبب رغبتنا في توسيع ملكية المساكن.

وكانت الأسر والساسة والجهات التنظيمية أيضاً شريكة في الجريمة. وبينما نمضي في عملية الإصلاح، يتعين علينا أن نضع في الحسبان أن الشيء الوحيد الأسوأ من خوض الحرب الأخيرة هو: خوض الحرب الأخيرة الخطأ.
ــــــــــــــــــ
راغورام راجان أستاذ التمويل في كلية بوث لإدارة الأعمال في كلية شيكاغو، وكبير المستشارين الاقتصاديين في وزارة المالية الهندية، ومؤلف كتاب "خطوط الصدع: كيف لا تزال الشروخ المستترة تهدد الاقتصاد العالمي".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة