تحديات المسألة العقارية في موريتانيا   
الأحد 5/2/1432 هـ - الموافق 9/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 19:48 (مكة المكرمة)، 16:48 (غرينتش)

 

 

                                         أبو بكر بن مروان

نزاعات عقارية حادة

البعد السياسي للمسألة العقارية

المسألة العقارية والتحول الاجتماعي

إعادة هيكلة الأحياء العشوائية

 

تعد المسألة العقارية واحدة من أهم موضوعات التحول الاجتماعي. وهي تشكل في بلد كموريتانيا، قضية شائكة يتداخل فيها العديد من العوامل ذات التأثير سواء كانت عوامل تاريخية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو قانونية، أو سياسية، تتشابك لتزيد المسألة تعقيدا وحساسية.

 

وعلى مر العقود الخمسة التي مرت على تأسيس الدولة الموريتانية المعاصرة، وبالرغم من بعض الجهود، فإن المشاكل ما فتئت تتفاقم والتراكمات تتزايد في مؤشر على فشل "الدولة الحديثة" في معالجة التحديات التي تطرحها هذه المسألة سواء على صعيد الإسكان أو الاستصلاح الزراعي أو الاقتصاد الفلاحي.

 

نزاعات عقارية حادة

وفى خضم تلك التراكمات، تطفو على السطح من حين لآخر نزاعات عقارية حادة في مختلف ولايات البلد مثل الحوضين والعصابة والبراكنة، وبالطبع مناطق ضفة النهر، دون أن نستثني بأي حال العاصمة نواكشوط. وليس من النادر أن تتطور مثل تلك النزاعات إلى شجارات عنيفة وأحيانا إلى ممارسة عنف مسلح.

 

ويتكرر الأمر في تجليات مختلفة سواء كانت نزاعات بين مواطنين، أم نزاعات بين المواطنين وبين السلطة الإدارية. وتتصدر الأخبارَ بشكل متكرر على مدار السنة حوادثُ من قبيل: "اشتباكات في ولاية العصابة على قطعة أرض"، "اتهامات لمسؤولين عسكريين ومدنيين بالانحياز لطرف بعينه في نزاع على الأراضي الزراعية في إحدى ولايات الداخل"، "شجار بين عشيرتين في الحوض على ملكية بئر", وتزداد الحساسية عندما يتعلق الأمر بأراضي الضفة ذات القيمة الزراعية، بجنوب موريتانيا، التي شهدت في السابق أحداث عنف عرقي لما تندمل جراحها.

 

ومع ذلك تبرز من جديد هذه الأيام عناوين خطيرة مثل "وجهاء الضفة ينتفضون ضد مصادرة الأراضي"، "المنتدى الوطني لمنظمات حقوق الإنسان (فوناد) ينتقد مصادرة أراضي في الضفة إثر منح أراض زراعية لمستثمرين أجانب دون التشاور مع السكان المحليين"، "مواطنون في الضفة ينددون بمنح أراضيهم لمستثمرين أجانب".

 

كما لا يجد المتتبع صعوبة في إضافة نماذج تتعلق بالعاصمة من قبيل: "مظاهرات في أحياء الصفيح في العاصمة (كبة الميناء، الحي الساكن) لمواطنين يطالبون السلطات الإدارية بإنصافهم"، "شكاوى  من بعض المرحلين من الحي الساكن حول تعويض غير عادل لقطعهم الأرضية"، "تجمهر لمواطنين فقراء أمام القصر الرئاسي احتجاجا على حرمانهم من حقهم في الحصول على قطع أرضية", و"نائبة عن دائرة نواكشوط تندد بهدم العديد من مساكن المواطنين البسطاء في بعض الأحياء العشوائية في الميناء وتركهم بدون مأوى واعتقال 36 منهم"، وغيرها من نزاعات هي كلها في الصميم من إشكالات العمران والإسكان، وما تطرحه من تحديات للمنظومة العقارية.

 

وعلى الرغم من مضي أكثر من ربع قرن على إصدار قانون الإصلاح العقاري (الصادر عام 1983 والمنشور في الجريدة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، عدد 5 يونيو/حزيران من نفس السنة)، يبقى من الواضح أن تحديات قوية لا تزال تطرح نفسها، نظرا للبون الشاسع بين النظرية والتطبيق.

 

ويقدّم القانون المذكور نفسَه على أنه مستخلص من الشريعة الإسلامية. ويزخر نصه بالنقاط الإيجابية البالغة الأهمية لمجتمع حديث العهد بالبداوة لا يزال يشق طريقه بصعوبة نحو التحول الاجتماعي، حيث يعلن أن "الأرض ملك للوطن. كل موريتاني، بلا أي تفرقة كانت، يمكنه مع احترام القانون، أن يصبح مالكا لجزء منها"، و"الأرض الموات ملك الدولة"، و"الأرض لمن أحياها" وغير ذلك من المبادئ التي من شأنها –إن طبقت في جوّ من القبول– أن تشكل أرضية للمساواة والسلم الأهلي والعدالة الاجتماعية.

 

غير أن طبقية المجتمع التقليدي وتراتبيته لا تزال تلقي بظلالها على الواقع وتكرس إرثا يتميز بحرمان الكثيرين من النفاذ إلى الملكية العقارية، أو على الأقل صعوبة النفاذ إليها خاصة فيما يخص شريحة "الحراطين" أو الأرقاء السابقين.

 

وليس ذلك إلا نموذجا جزئيا للانعكاسات الناجمة عن أنظمة عتيقة لا تزال تتطلب المزيد من الدراسة، وهي أنظمة ذات علاقة وثيقة بالهيكلة الاجتماعية التقليدية، مرتبطة إلى حد كبير بخصائص الحياة الاقتصادية المحلية، ومصطبغة "بصبغة سياسية". وتُترجم أيضا ميزانا للتوزيع ترجح فيه كفة أو أخرى.

 

ولذلك فإن معالجة المسألة ينبغي أن تتم من مختلف أبعادها، دون بترها من أيّ بعد، تاريخيا كان أو اجتماعيا، أو اقتصاديا، أو سياسيا، أو قانونيا.

 

البعد السياسي للمسألة العقارية

وهو الدولة والقبيلة أو النزاع الخفي على السيادة.

 

ولا يزال شيء من التعارض قائما بين السيادة العتيقة للقبائل البدويّة على الأرض، وبين سيادة "الدولة المركزية الحديثة".

 

فإذا نحن تأملنا أي نزاع عادي بين قبيلتين حول ملكية الأرض، خاصة في القرى والمناطق الريفية، فإننا سنجد أطرافا ثلاثة: القبيلتان المتنازعتان، بالإضافة للطرف الثالث الذي هو "الدولة الوطنية". والأخيرة –رغم أنها تعتبر نفسها صاحبة السيادة على سائر "التراب الوطني"– تبدو وكأنها عنصر غريب يتسلل بين هذين الطرفين التقليديين إذ غالبا ما تبقى سيادتها على الأرض تجريدية واعتبارية.

  

أما الأطراف التقليدية، ولو أن كل واحد منها يعطي الأصالة والأولوية لسيادته على "أرضه" فوق سيادة "الدولة" فإنه عند الحاجة، يعترف بـ"الدولة" ويلجأ إليها، من خلال السلطة الإدارية التي تمثلها.

 

وهكذا لا تجد الدولة العصرية غالبا إلا أن تستسلم للعب هذا الدور البرّاق والمحدود، ألا وهو دور الحكم بين طرفين تقليديين، هذا في حال كونهما لا يكادان يعترفان بها في العمق، بل وفي حال كونها هي بالذات طرفا واقعيا في النزاع على السيادة.

 

ولتوضيح طبيعة ملكية الأرض، وبأخذ قرى الداخل في مناطق تجمعات "البيضان" (أو العرب) مثالا لتسليط الضوء على البعد السياسي للملكية العقارية يمكن القول إن القرية بمساكنها تنعقد عليها ملكية مركبة: الملكية الشخصية، أي ملكية الأفراد، ولكن هذه الملكية تندرج تحت ملكية أشمل أي أنها تدخل في نطاق شكل من الملكية الجماعية، هي ملكية القبيلة وسيادتها على هذه الأرض.

 

أما خارج المساكن، فإن الملكية المنعقدة على الأرض هي أساسا ملكية القبيلة،إلا ما عرف بانعقاد ملكية فردية عليه. ذلك أن القبائل كانت في الواقع كيانات سياسية شتى لكل منها السيادة على أراض ما، وهذه السيادة لا تزال قائمة ضمنيا حتى الآن، ولو بشكل جزئي.

 

وبهذا المعنى، بدَت "الدولة الوطنية" المعاصرة خصمًا ضمنيا لكل واحدة من هذه القبائل. وارتباك الدولة في هذا المجال إن لم نقل حيرتها وعجزها عن توضيح دورها، أمر ملحوظ. هذا فضلا عن الفشل في إقناع القبائل بجدوى هذا الدور وبما يمكن أن يعود به من نفع عام على الجميع.

 

ولعل ذلك يفسر فشلا آخر أشمل، في أن تقدم "الدولة الوطنية" نفسها بديلا تنصهر فيه سائر المجموعات والقبائل، وتتلاشى سيادة كل منها لتفسح المجال أمام سيادة الدولة باعتبارها كيانا سياسيا مركزيا موحدا.

 

وكما قلنا سابقا، فإن النزاعات القبلية أو العشائرية على الأرض مهما خبت حينا فهي قابلة للطفو من جديد على السطح.

  

فكم مرّة ينشأ خلاف في بقعة ما من الحوض، أو العصابة أو البراكنة، أو غيرها من المناطق، بين قبيلتين كانتا في تعايش وحسن جوار، وذلك على سبيل المثال، لأن أفرادا من أحدى القبيلتين شرعوا في حفر بئر أو نشطوا من أجل بناء سد عند ملتقى بعض الأودية وحصلوا على تمويل لهذا الغرض. وهنا تعترض القبيلة الأخرى على هذا الاستثمار مؤكدة أن الأرض ملك لها، وأن حفر تلك البئر أو بناء ذلك السد مساس بسيادتها وبالتالي فهو مرفوض.

 

أما "الدولة" فلربما تظل تتفرج على الخلاف حتى يؤول الأمر إلى نشوب نزاع، وعند ما تقرر أن تتدخل فإن المسؤولين نادرا ما يكونون كاملي الوعي بالدور الذي يلزم أن يضطلعوا به، أما التجرد من كل انحياز فأمر نادر.

 

بل والأدهى من ذلك أن استغلال النفوذ وشراء الذمم كثيرا ما يدخلان على الخط، ولذلك فإن القضية نادرا ما تحسم، ولا تستقر على شيء حيث يشكو الكثيرون من أن من أعطى أكثر يمكن أن يقلب الوضع لصالحه ممّا يخلق سببا متجددا للنزاع، يتغذى تلقائيا بما يشكل مصدر ارتزاق لبعض المرتشين في السلطة الإدارية.

 

المسألة العقارية والتحول الاجتماعي

بعد مضي أكثر من نصف قرن على تأسيس الدولة الحديثة وإعلان استقلالها، لا تزال الأنظمة العتيقة تخيم على الحياة الاجتماعية.

 

ولم تستطع الدولة الموريتانية أن تؤمن لمواطنيها العبور إلى حياة عصرية كتلك التي تكفل بموجبها "الدولة الحديثة" للمواطن الحماية والرعاية وغيرها من مقومات المواطنة التي تضم في أبسط صورها، التمكين من حقوق التملك بما فيها حق النفاذ إلى الملكية العقارية دون تمييز.

 

ويتجلى ما سبق بشكل صارخ في العاصمة نواكشوط التي تشهد نموا مشوها يجسد مستوى غير مسبوق من الفوارق الاجتماعية وأشكالا من المظالم جديدة على المجتمع.

 

وتعاني نواكشوط، على الرغم من توسعها الأفقي، من اكتظاظ سكاني يغذيه نزوح جماعي متواصل بسبب جملة من العوامل من بينها موجات الجفاف المتكررة وتفاقم الفقر في المناطق الريفية.

 

ومع مرور السنين تفككت أنظمة الإنتاج العتيقة، وترك الناس الكثير من الأنشطة التي كانوا يزاولونها، وشيئا فشيئا هجروا قراهم منجذبين إلى سراب العاصمة حيث تتركز السلطة ووسائل الدولة الحديثة، أملا أن ينالوا من شيئا رغد العيش في كنفها.

 

ولكي نعطي فكرة عن النمو المشوه للعاصمة، يكفي أن نستحضر أن عدد سكانها قفز من بضع مئات فقط لدى نشأتها قبل خمسين عاما إلى ما يزيد على ربع سكان البلد، دون أن يصحب ذلك إنجاز البنى التحتية والمرافق التي تتطلبها مثل هذه الكثافة السكانية.

 

وكما هو معلوم فقد تم النزوح المذكور بشكل فوضوي يترجم العقلية السائدة والتباطؤ المشهود في حصول التحول الاجتماعي، كما يشي بفشل الدولة ونخبها في تجسيد عقد اجتماعي جدير بهذه التسمية.

 

فلا تزال رواسب البداوة وتراتبية المجتمع التقليدي حاضرة إن لم نقل مهيمنة، وتمتزج في نفس الوقت مع بعض مظاهر المدنية الحديثة -خاصة السلبي منها- لتولد أنساقا مشوهة مبتورة لا هي بالأنساق التقليدية ولا هي بالأنساق العصرية.

 

ونتيجة لغياب التخطيط في السياسات (بما في ذلك سياسات الإسكان وفقدان أبسط متطلبات التخطيط العمراني) وما ترتب عليه من صعوبة النفاذ إلى الملكية العقارية، خاصة بالنسبة للشرائح الضعيفة من المواطنين، تنامت ظاهرة السكن العشوائي أو ما يسمى "الكزرة" التي بدت كأنها رد شعبي عفوي على الصعوبات الجمة التي تعترض عشرات الآلاف من المواطنين ممن وجدوا الأبواب موصدة أمام توقهم المشروع إلى المسكن اللائق.

 

وقد نجد توصيفا مثيرا للاهتمام فيما جاء على لسان رئيس البلاد نفسه في مقابلة له مؤخرا مع صحيفة محلية، حيث علق على احتكار الأثرياء للأراضي في نواكشوط ومبالغتهم في تكديس العقارات والمضاربة بها قائلا: "إنه سخيف وهو في نفس الوقت غير عادل ما نشهده في رجال أعمالنا ممن لديهم إقطاعات ريفية تزيد على 20 ألف هكتار في نواكشوط في نفس الوقت الذي يعاني فيه المواطنون من الاكتظاظ والتكوم في الكزرات على أمل الحصول على أقل من 200 متر مربع. وعندما يحصل هؤلاء المواطنون على قطع يأتي الأثرياء لشرائها".

 

ولعل ظاهرة "الكزرة" المذكورة وإن كانت بدأت في أول أمرها كإبداع شعبي جاء تعبيرا عن التمرد على الوضع القائم وعلى تعقيدات القانون العقاري وأسلوب تطبيقه الذي لا يخدم العدالة الاجتماعية، فإنه يبدو أيضا أن بعض المنتمين للطبقة الوسطى من الميسورين نسبيا وحتى من الأقلية الثرية ذات الباع الطويل، لم تتردد هي الأخرى في استخدام أسلوب "الكزرة" وقلبه لصالحها على نطاق واسع من أجل الاستحواذ على مزيد من العقارات.

 

كل ذلك جعل البلد في ظل "الدولة الحديثة"، يفتقد منظومة عادلة ومفتوحة لتوزيع الأرض والنفاذ إلى ملكيتها. ويتعارض هذا الواقع الجديد برمته مع المسلمات الثقافية المتعارف عليها لدى الناس إلى وقت قريب، حيث لم يزل يُنظر إلى ملكية قطعة من الأرض للبناء على أنه حق بسيط لا يستساغ الحرمان منه.

 

خاصة في عالَم الصحراء الشاسعة وثقافة الأريحية البدوية كما يجد ذلك سنده في الأثر أيضا مما رواه الشافعي في كتابه "الأم" أنّه "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أقطع الناس الدور فقال حيّ من بني زهرة نكب عنّا ابن أمّ عبد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلم ابتعثني الله إذًا؟ إن الله لا يقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقّه".

 

لقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن تتحرر الذهنية من ضيق العشائرية والقبلية إلى رحابة الأمة والوطن المنتظم في عقد اجتماعي جديد يسمو على الانتماءات التقليدية. وقد استدلّ الشافعي بالحديث المذكور، على أنّ ما قارب العمران وكان بين ظهرانيه ممّا لا مالك له، فيتعين على السلطان إقطاعه لمن سأله من المحتاجين.

 

وفي المحصلة، نظرا لصعوبة النفاذ للملكية العقارية بالنسبة للشرائح الضعيفة، شهدت العاصمة نواكشوط تكاثرا فوضويا لأحياء الصفيح في مختلف أطرافها، وبلغت -مثل الفطريات- حدا من الانتشار لا يطاق، واتسم وجهها بطابع من البشاعة يُجسده صفيحها غير اللائق وأزقتها الضيقة الملوثة بالأوساخ والماء الآسن، والمحفوفة أحيانا بمخاطر الأسلاك الكهربائية الممدّدة بإهمال على الأرض، فأصبحت مدينة تنعدم فيها أبسط المقومات الحضرية، وتزدحم فيها بكثافة المساكن غير الملائمة وغير المرخصة.

 

وعلى الرغم من التمويلات الدولية الكبيرة لمشاريع التأهيل لهذه الأحياء التي أنشئت من أجلها وكالة التنمية الحضرية أواخر التسعينيات فقد فشلت الدولة في إنجاز ما وعدت به في هذا المجال وفى إنهاء الممارسات الفوضوية المتمثلة في ظاهرة "الكزرة".

 

إعادة هيكلة الأحياء العشوائية

تسارعت الإجراءات الحكومية خلال الأشهر الأخيرة -ربما محاولة لتدارك بعض ما فات- من أجل إعادة هيكلة هذه الأحياء والعمل على تأهيلها. وتم الشروع في عملية إحصاء ساكنتها وإعادة التخطيط ليسهل شملها بالمرافق التي ظلت مفقودة.

 

وتشمل العملية أيضا تشريع القطع التي لا تتعارض مع متطلبات التأهيل، وإجراءات الترحيل لمن لم يحالفهم الحظ كأن تكون مساكنهم على قارعة الطرقات الجديدة، أو أن تتعارض مع المرافق المبرمجة.

 

ومن الطريف ملاحظة السلوك الجماعي الذي تلا انطلاق هذه العملية، حيث أصبح السعي للحصول على أوصال تشريع القطع الأرضية هو الشغل اليومي للكثيرين، وهرع السكان من كل حدب وصوب ليس من مختلف مقاطعات العاصمة فحسب بل من مختلف ولايات الداخل فيما يشبه الهيستيريا الجماعية لحيازة نصيب من تشريع القطع الأرضية، في إطار عملية التخطيط العمراني الجديد ووعود التأهيل لهذه الأحياء.

 

ولئن كان بعض هؤلاء العائدين يسكنون فعليا في أحياء الصفيح ممن سافروا لبعض مهامهم أو لقضاء عطلهم في الداخل وسارعوا إلى العودة خشية الإقصاء من العملية، فإنه يُخشى من أن المئات -إن لم نقل الآلاف- من هؤلاء هم في الواقع من المتحايلين وفدوا لمزاحمة القاطنين الفعليين.

 

وخلال الفترة التي انطلقت فيها عملية الهيكلة ارتفعت أسعار النقل إلى العاصمة، وازداد الطلب بشكل محموم على ألواح الخشب المستعمل لما يمكنه من تمويه أعرشة رثة تُنصب على عجل، وارتفعت أسعارها لتتجاوز سعر الخشب الجديد.

 

وأظهرت لعبة القط والفأر بين السلطات وبين المتطلعين إلى أوصال التشريع، بل حتى المشاكسات التي وصلت أحيانا إلى حد التصادم بين الطرفين، أظهرت تعقيد وحساسية العملية.

 

وحسب التقارير الصحفية فقد عاش السكان، طيلة أشهر عديدة من التربص، حالة من الضغط النفسي بين متوجس من فقدان مسكنه المتواضع ومتفائل بالنفاذ أخيرا إلى ملكية شرعية.

 

ولم تسلم مجريات العملية من الطعون، حيث اتهم بعض المواطنين لجان التخطيط بعدم الشفافية ومطاطية المعايير وحتى التلاعب في تطبيقها بحيث يحدُث أن تتساهل مع بعض الأعرشة المؤقتة، في حين يتم التعامل بتشدد مع بعض أصحاب الأبنية الخرسانية، وكذلك الاتهام بمحاباة بعض المتنفذين من ذوى الإغراءات.

 

كما شكا بعضهم تشديد المعايير بعد أن بدأت العملية وفق معايير معينة، مما أثار التساؤل هل كان ذلك "تغييرا لقواعد اللعبة بعد أن قضى واضعوها وطرهم"؟ في حين تقول السلطات إنها اضطرت لتشديد المعايير بحجة أنه تم استغلال النظام القديم من قبل الكثيرين للحصول على قطع أرضية غير مستحقة، مما أحدث اختلالات كبيرة وبدا أن القطع المتوفرة للتوزيع لن تكفي الأسر التي تم إحصاؤها.

 

أما لجان التخطيط فترمي من جهتها باتهامات مضادة: تحايل العديد من المواطنين حيث تفنن بعضهم في أساليب التحايل لينال قطع أرض متعددة بأسماء مختلفة، وغير ذلك من العراقيل التي تعترض مهمتها.

 

ويجب أن لا نغفل أيضا الجدل السياسي بين السلطة والمعارضة حول العملية ومجرياتها. وهو ما يسمح أيضا بتسليط الضوء على زاوية أخرى من رهانات المسألة العقارية حيث نددت أحزاب معارضة بالترحيل القسري، ووَصَم بعضها العملية برمتها بأنها فوضى عارمة، منتقدا الأسلوب المتبع بأنه متعجرف وتم أحيانا بشكل عنيف مع هدم المساكن دون تعويض يذكر.

 

بالإضافة إلى أن منطقة الترحيل معزولة وتفتقر لأبسط الخدمات بما في ذلك الإنارة على الرغم من وعود الحكومة بشأن توفير الكهرباء وسائر الخدمات الأساسية.

 

ولنا أن نتفاءل لعل ذلك الجدل كله وحيوية النقاش الدائر حول المسألة، يشكل إرهاصات للتوجه الحتمي نحو التحول الاجتماعي المأمول، الذي بموجبه تعبُر البلاد من ضيق الانتماء القبلي إلى رحابة المواطنة ودولة القانون التي يكرسها التطبيق المؤسسي للقوانين وبشكل عادل على الجميع.

_______________

كاتب موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة