هل يخسر صندوق النقد الدولي أوكرانيا؟   
السبت 1435/5/15 هـ - الموافق 15/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:57 (مكة المكرمة)، 12:57 (غرينتش)

 

الحكومة الأوكرانية الجديدة والتقشف
سياسات صندوق النقد الدولي
فرصة لالتقاط الأنفاس
 

الحكومة الأوكرانية الجديدة والتقشف
إن من البديهي أن يكون حفز النمو الاقتصادي هو الهدف الذي تسعى إليه أي حكومة تريد الفوز في انتخابات عامة في ظل ركود اقتصادي، فهذا أحد أهم المبادئ الأساسية في السياسة الحديثة.

ورغم هذا فإن الغرب -الذي يريد مساعدة حلفائه في حكومة أوكرانيا المؤقتة في الفوز بالانتخابات العامة في 25 مايو/أيار- يبدو وكأنه قد نسي هذه الحقيقة.

فبدلاً من ذلك، يجري الآن الإعداد لخطط تفرض على أوكرانيا أكبر حزمة تقشف في أوروبا الشرقية على الإطلاق. وبالطبع، ليست هذه الوسيلة الناجعة للفوز بالأصوات.

فبعد الفوضى التي فرضتها روسيا، يخطط صندوق النقد الدولي لفرض فوضاه الخاصة على أوكرانيا.

بعض الإصلاحات التي حاول صندوق النقد الدولي حمل أوكرانيا على تبنيها في وقت سابق، مثل خصخصة معاشات التقاعد، جُرِّبَت قبل ذلك في بلدان أخرى ولم تنجح, فصندوق النقد الدولي لا يتقن عمله دوما

وأظن أن الوقت حان لتذكير صندوق النقد الدولي بأن الأولوية القصوى لابد أن تكون للاستقرار السياسي، وليس مجموعة من الإصلاحات الطارئة المثيرة للجدال.

لقد سعى صندوق النقد الدولي طويلاً لفرض مجموعة من "الإصلاحات" الاقتصادية على أوكرانيا. والحق أن بعض هذه الإصلاحات معقول، لكن بعضها الآخر ليس كذلك، وسجل أعمال الصندوق في أوكرانيا سجل ضعيف.

سياسات صندوق النقد الدولي
 فبعض الإصلاحات التي حاول صندوق النقد الدولي حمل أوكرانيا على تبنيها في وقت سابق، مثل خصخصة معاشات التقاعد، جُرِّبَت قبل ذلك في بلدان أخرى ولم تنجح. فصندوق النقد الدولي لا يتقن عمله دوما. واليوم تتمثل الأمور الخافية على صندوق النقد في تعامله مع أوكرانيا بإعانات دعم المستهلك وبالمدفوعات والتحويلات الحكومية للأوكرانيين.

صحيح أن الأسر الأوكرانية لابد أن تُفطَم عن إعانات دعم الطاقة الضخمة إلى حد العبث، والتي بلغت 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2012، لكن في دولة ذات طقس بارد يحتاج أغلب سكانها إلى إعانات دعم التدفئة حتى يتمكنوا من البقاء والاستمرار.

كذلك فإن هناك استثمارات ضخمة مطلوبة لزيادة كفاءة استخدام الطاقة. ويعتبر سحب الدعم المقدم للأسر فكرة غير قابلة للتطبيق من الناحية السياسية, كذلك لن يُكتَب البقاء لأي حكومة تقطع إعانات التدفئة بشكل مفاجئ. فلابد من تقليص إعانات الدعم بشكل تدريجي والتعويض عنها بإعانات نقدية موجهة.

ووفقاً لتقديرات الحكومة الأوكرانية فإن إصلاح سياسة الطاقة سوف يتكلف مائة مليار يورو (139 مليار دولار أميركي) ولابد من الشروع في هذه الإصلاحات بعد الانتخابات المقبلة.

وبالإضافة إلى هذا، فإن ثلث الدخل الرسمي في أوكرانيا يأتي من مدفوعات "تحويل" حكومية من مختلف الأشكال، ولكنها في الأساس معاشات تقاعد تُدفَع لنساء عجائز، لأن الرجال في البلاد نادراً ما يستمرون على قيد الحياة لفترة طويلة بعد سن التقاعد الرسمي.

وغالباً تستخدم النساء معاشات تقاعدهن لدعم أبنائهن وأحفادهن. ونتيجة لهذا فإن غالبية سكان البلاد يستفيدون من مدفوعات التحويل الحكومية، ولا تستطيع أسر كثيرة أن تستغني عن هذه المدفوعات.

ورغم هذا فإن خفضها قبيل الانتخابات -أو الإعلان عن تخفيضات حادة- هو على وجه التحديد ما يريده صندوق النقد الدولي وما تخطط له الحكومة الأوكرانية المؤقتة.

وعلى حد تعبير رئيس الوزراء أرسيني ياتسينيوك "فليس لدينا أي خيارات أخرى".

وقد يكون ياتسينيوك على استعداد للتخلي عن مستقبله السياسي، ولكن لا ينبغي للغرب أن يسمح له بالقيام بذلك. ليس الآن.

فرصة لالتقاط الأنفاس
ينبغي لصندوق النقد الدولي والحكومات الغربية منح أوكرانيا فرصة لالتقاط الأنفاس.

ففي السنوات السابقة لاندلاع الأزمة المالية العالمية كان اقتصاد أوكرانيا ينمو بسرعة، مدفوعاً بالصادرات من السلع الصناعية الأساسية، مثل الصلب.

وأي حزمة مالية طارئة لابد أن تمكن الحكومة من البقاء إلى نهاية انتخابات مايو/أيار، وإظهار الإشارات الدالة على التزامها بإحياء النمو الاقتصادي.

ويتعين على المؤسسات المالية الدولية حينئذ أن تحول انتباهها إلى صياغة حزمة مساعدات لا تتطلب ضبط الميزانية على حساب الفقراء.

فبدلاً من خفض إعانات دعم الاستهلاك، يستطيع صندوق النقد الدولي أن يساعد أوكرانيا لتحسين عملية تحصيل الضرائب. ذلك أن أكثر من نصف الاقتصاد هناك غير رسمي وغير خاضع للضرائب.

لابد أن تتلخص إستراتيجية الغرب في التعامل مع أوكرانيا في تحفيز الاقتصاد الأوكراني حتى انتخابات مايو/أيار ثم التفاوض على حزمة إصلاحات مع الحكومة التي ستأتي بها الانتخابات

ومن الممكن مطالبة الحكومات المحلية بالمساهمة في أي برنامج كشرط لدعم مناطقها أو صناعاتها. كما يستطيع صندوق النقد الدولي أن يبتكر أساليب ذكية لتشجيع كفاءة استخدام الطاقة، على سبيل المثال، من خلال تصميم ائتمان ضريبي للأسر التي تشتري أجهزة تدفئة عالية الجودة.

لم يحدث من قبل قط أن طولبت حكومة ناجحة في أوروبا الشرقية بفرض برنامج تقشف وإصلاح مفاجئ ومثير للجدال قبيل انتخابات ديمقراطية، ومن قبيل الحماقة المطلقة أن يبدأ أمر كهذا الآن.

ففي بولندا التي هي في طليعة المنطقة في مجال الإصلاح، وفي أماكن أخرى من أوروبا ما بعد الشيوعية، لم يُطلَب من المواطنين بذل التضحيات التي يتطلبها الإصلاح الاقتصادي إلا بعد اكتساب الحكومة لتفويض شعبي.

ولا تزال أوكرانيا على بُعد خطوة من تحقيق هذه الغاية سياسيا. وإذا أصر صندوق النقد الدولي على حمل الحكومة الأوكرانية المؤقتة على فرض تدابير التقشف على الفور، فإن البلاد سوف تضطر إلى سبر أغوار جديدة  في وقت يتسم بالخطورة.

باختصار، لابد أن تتلخص إستراتيجية الغرب في التعامل مع أوكرانيا في تحفيز الاقتصاد الأوكراني حتى انتخابات مايو/أيار، ثم التفاوض على حزمة إصلاحات مع الحكومة التي ستأتي بها الانتخابات.

فبوسع الإصلاحات الاقتصادية الطارئة أن تنتظر شهرين؛ أما وحدة أوكرانيا واستقرارها فلا يمكنهما الانتظار.
_____________________________
أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة نورث إيسترن، وشريك بمركز ميندا دي جونزبرغ للدراسات الأوروبية ومركز ديفيز للدراسات الروسية والأوراسية بجامعة هارفارد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة