فقراء العرب يحتاجون لديمقراطية تنصفهم   
الثلاثاء 6/8/1435 هـ - الموافق 3/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:57 (مكة المكرمة)، 12:57 (غرينتش)

عبد الحافظ الصاوي-القاهرة

التجارب العربية الديمقراطية
تجربة الربيع العربي
تباين مؤشرات الفقر العربية

التجارب العربية الديمقراطية
الديمقراطية هي واحدة من الآليات التي تعلق بها الناس لإخراجهم من الديكتاتورية وتسلط الحكام، وهي منتج للحضارة الغربية بامتياز. والديمقراطية مفردة نقلت إلينا من الحضارة الغربية، لكن للأسف فحزمة ما نقل عن الحضارة الغربية نقل ممسوخا، وأفقده أصحاب العروش الموروثة ومستبدو السلطة في الجمهوريات المزعومة جوهره وحقيقته.

فأتت تجاربنا الديمقراطية في العالم العربي لترسخ الكثير من النتائج البغيضة على كل الصعد ومنها الصعيد الاقتصادي حيث التخلف التنموي، وانتشار الفقر وشيوع البطالة والتخلف العلمي، وتكريس الاعتماد على الخارج، وتركز الثروة.

أتت التجارب  الديمقراطية في العالم العربي لترسخ الكثير من النتائج البغيضة على كل الصعد ومنها الصعيد الاقتصادي حيث التخلف التنموي، وانتشار الفقر وشيوع البطالة والتخلف العلمي، وتكريس الاعتماد على الخارج، وتركز الثروة

على العكس من ذلك كانت تجارب شعوب أخرى، ففي الهند ومنذ استقلالها في العام 1947 استمرت التجربة الديمقراطية رغم خوض الهند الحرب مع باكستان منذ أول أيام استقلالها، وما زال النزاع مستمرا بين البلدين حول كشمير.

كما تعرضت الهند لهزيمة نتيجة حربها على الحدود مع الصين في بداية ستينيات القرن العشرين، وتعرض العديد من زعمائها وقيادتها الروحية للاغتيالات.

ومع ذلك ظلت الديمقراطية آلية محترمة لتداول لسلطة في الهند، ولم تحدث انقلابات عسكرية هناك، لذلك استطاعت الهند في النهاية أن تصل لمعدلات أكثر إيجابية في مجملها من التجربة العربية من حيث درجة الاستقلال الاقتصادي، وامتلاك السلاح النووي وتصنيع السلاح، وكذلك احترامها كقوة إقليمية يعتد بها في معادلة الحسابات الدولية، وامتلاكها لقاعدة صلبة في مجال البحث العلمي.

أما على الصعيد الاقتصادي فقد استطاعت الهند أن تخفض عدد الفقراء بنحو 50% عما كان عليه الوضع في سبعينيات القرن العشرين.

ومما يلفت إلى اهتمام الحكومات الهندية بقضايا الفقر على الصعيد العملي، وليس من خلال المؤتمرات بالفنادق الفارهة، ما اتخذه رئيس الوزراء الجديد نارندرا مودي الذي تولى السلطة منذ أيام، واعتبر أول قراراته، تكوين هيئة للبحث عن "الأموال السوداء" لأثرياء الهند. والمقصود بالأموال السوداء تلك الأموال التي هربها أثرياء الهند للخارج خوفا من الضرائب، وتقدر هذه الأموال بنحو 500 مليار دولار.

القضية تشغل الرأي العام الهندي، وتعاونت مؤسسات أخرى للحد من ظاهرة تهرب الأثرياء من الضرائب، فالبنك المركزي الهندي أعلن عن تغيير العملة المحلية بداية من يناير/كانون الثاني 2014، واستبدال أخرى منها، لكي يتم الوقوف على حجم ثروة الأغنياء وتحصيل الضرائب عليها.

والمتمم لقرار رئيس الوزراء الهندي الجديد "مودي"، أن أسند الإدارة العليا لهذه الهيئة لقضاة، وليس لزعماء سياسيين أو قادة عسكريين. وكذلك ما صدر هناك من توبيخ من قبل المحكمة العليا لحكومة حزب المؤتمر لتقاعسها في تعقب "الأموال السوداء" وأصحابها.

تجربة الربيع العربي
وعلى خلاف للنموذج الهندي، أتى النموذج العربي. ودون الغوص كثيرا تاريخيا لرصد سلبيات التجربة العربية سنشير إلى تجربة دول الربيع العربي، وكيف أُهدرت آمال الفقراء في الحصول على ثروات الحكام التي أطاحت بهم الثورات العربية، وكذلك كبار المسؤولين ورجال الأعمال الفاسدون الذين صاحبوا الطغاة في حكم الدول العربية.

لم تتحرك حكومات المراحل الانتقالية، حتى إن بعضها ومنها مصر، فوتت الفترات الزمنية التي يحق لها أن تطالب فيها باسترداد أموال مبارك ورجاله.

وما ينطبق على مبارك ينطبق على علي عبد الله صالح في اليمن، وعلى زين العابدين في تونس، وكذلك القذافي في ليبيا. وكان الله في عون السوريين، الذين تمزقهم الحرب بالوكالة لقوى إقليمية ودولية، تجعل التفكير في ثروة بشار الأسد ورفاقه أمرا مؤجلا.
إن كل السياسات الاقتصادية التي طبقتها دول الربيع العربي بعد الثورة هي تلك السياسات الرأسمالية التي تؤدي إلى هروب الأموال للخارج، وتعمل على تكريس عدم عدالة توزيع الدخل وتركز الثروة في يد الأغنياء

ويضاف إلى ذلك أن كل السياسات الاقتصادية التي طبقتها دول الربيع العربي بعد الثورة هي تلك السياسات الرأسمالية المتوحشة، التي تؤدي إلى هروب الأموال للخارج، وتعمل على تكريس عدم عدالة توزيع الدخل وتركز الثروة في يد الأغنياء.

ويمكننا الإشارة إلى ما تم بقوانين الضرائب في مصر مثلا. فاليد المرتعشة لم تستطع أن تفرض ضرائب على المتعاملين بالبورصة، في حين استطاعت بكل سهولة رفع أسعار الغاز الطبيعي للمنازل وللاستخدامات التجارية، وكذلك المياه، والعديد من رسوم الخدمات. وفي الطريق رفع دعم الطاقة، وغيره من بنود تخص معيشة الفقراء، مثل تخفيض مخصصات دعم الإسكان الاجتماعي والعلاج بالتأمين الصحي.

ما تم في مصر تم في اليمن، ففي بلد يصنف على أنه ضمن قائمة الدول الأشد فقرا تتبنى الحكومة سياسة لرفع دعم الطاقة ويعجز الفقراء عن توفير السولار لحصد محاصيلهم الزراعية، مما يعرض تلك المحاصيل للتلف، فضلا عن انقطاع خدمات الكهرباء عن العديد من المناطق اليمنية.

ولم تكن تونس ببعيد عن تبني مفردات أجندة صندوق النقد الدولي، الذي تصورت الحكومة التونسية خطأ أن الحصول على قرض الصندوق هو طوق النجاة.

فبدلا من تبني سياسات تدعم النشاط الإنتاجي ما زالت التوجهات الاقتصادية هي تشجيع الاقتصاد الريعي والخدمي، الذي يكرس لتبعية الاقتصاد التونسي للخارج، فحديث الحكومة الذي لا ينقطع هو دعم قطاع السياحة، وضرورة رفع دعم المحروقات، وتحريك دعم السلع الغذائية.

تباين مؤشرات الفقر العربية
من سلبيات الإحصاءات وآلية المتوسطات أنها تظهر المنطقة العربية على أنها تعد من أقل مناطق العالم فقرا، لكن الواقع يشير إلى غير ذلك، فلدينا 7 دول عربية تصنف بأنها من الدول الأشد فقرا (اليمن، والسودان، وموريتانيا، والصومال، وجيبوتي، وجزر القمر، والسلطة الفلسطينية). أي ما يعادل نسبة 33% من عدد الدول العربية.

التقرير الاقتصادي العربي الموحد للعام 2013، يشير إلى تصنيف الدول العربية إلى أربع مجموعات من حيث ما يعرف بفقر الدخل. الأولى يصل فيها الفقر إلى أقل من 10%، وهي (دول الخليج ما عدا البحرين ولبنان والجزائر والمغرب).

والثانية هي التي تتراوح فيها نسبة الفقر بين 10%  و20%، وهي ( البحرين وسوريا والأردن وتونس).

والثالثة التي تتراوح فيها نسبة الفقر بين 20% و40%، وهي (فلسطين ومصر والعراق).

والرابعة وهي التي تتراوح فيها نسبة الفقر بين 38% و46.5%، وهي (اليمن وموريتانيا وجيبوتي والصومال وجزر القمر والسودان). ويضيف التقرير أن الفقر في المنطقة العربية يأخذ طابعا ريفيا.

لكن التقرير يؤكد على حقيقة، مفادها أن أحدث البيانات لديه عن الفقر تقتصر على العام 2010، باستثناء اليمن، فإحصاءات فقره تخص عام 2012.

كما أكد التقرير أن الأحداث السياسية التي تعيشها المنطقة، خاصة دول الربيع العربي، وبعض دول الجوار، قد تأثر مستوى المعيشة بها سلبيا، مما أدى لزيادة معدلات الفقر.

وهذا ما تؤكده بيانات رسمية من بعض الدول العربية، مثل مصر التي تجاوزت نسبة الفقر فيها حاجز الـ40%، وفي سوريا حسب تقرير أممي تجاوز الفقر فيها نحو 73% من السكان.

كما أن البيانات الخاصة بدول الخليج تعوزها الدقة، حيث لا تنشر هذه الدول بياناتها الخاصة بمؤشر الفقر. فعلى سبيل المثال هناك بعض التقديرات بأن نسبة الفقر في السعودية تصل إلى 30 %، وهي دولة ذات عوائد نفطية عالية، وتعد أكبر مصدر للنفط على مستوى العالم.

من شأن وجود تجربة ديمقراطية حقيقية في الدول العربية أن يحصل الفقراء على ما فاتهم من حقوق، وعلى تغيير أوضاعهم الاجتماعية، خاصة، والمجتمع ككل بشكل عام.

إن ما ينتظره الفقراء العرب ليس فقط التخلص من الفقر، وتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، ولكن ما يؤول إليه الوضع من حراك اجتماعي، يمكن للفقراء من التواجد في معاقل صناعة القرار في المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية

فمن شأن الديمقراطية أن تحمل الفقراء وممثليهم بالبرلمانات، حيث المساءلة والشفافية في إعداد وتنفيذ الموازنات العامة، فيعاد تخصيص الإنفاق لصالح الفقراء، وقضاياهم الاجتماعية والاقتصادية.

وكذلك محاسبة الحكومات السابقة منذ استقلال هذه الدول على ما أهدر من موارد وثروات، واسترجاع ما نهبها الطغاة والحكام المستبدون من ثروات هذه الشعوب.

وتجارب الدول التي نالت استقلالها بشكل صحيح وعاشت تجارب ديمقراطية حقيقية اتخذت هذا الاتجاه، ولعل ما أشير إليهم في بداية هذه السطور يؤكد ذلك، من خلال التجربة الهندية.

إن ما ينتظره الفقراء العرب ليس فقط التخلص من الفقر، وتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، ولكن ما يؤول إليه الوضع من حراك اجتماعي يمكن للفقراء من التواجد في معاقل صناعة القرار في المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتوجيه صحيح لوضع مؤسسة الجيش التي تطغى على دور الكثير من مؤسسات المجتمع في عالمنا العربي.

إن وجود تجربة ديمقراطية صحيحة في المنطقة العربية من شأنه أن يعيد النظر في مقولات حق يراد بها باطل، من أن الشعب أو المجتمع الفلاني العربي "طلاب حق وليسوا طلاب سلطة" وكأن الحق والسلطة يتعارضان، ولا يجوز الجمع بينهما.

ولا يعني ذلك أن حصول الفقراء على حقوقهم وأبسطها، إقصاء الأغنياء ولكنه يعني أن يتم التعامل مع ثروة المجتمع في إطار من العدالة الاجتماعية التي تمكن الجميع من المساواة في الفرص، والتمكين من ذلك، واستدامته. 
ـــــــــــــــ
كاتب صحفي مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة