ارتفاع البطالة واتساع القطاع غير المنظم بأسواق العمل العربية   
الخميس 1429/10/24 هـ - الموافق 23/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 11:45 (مكة المكرمة)، 8:45 (غرينتش)

 سمير رضوان: المطلوب التفاعل بشكل أفضل مع المشروعات الصغيرة والمتوسطة(الجزيرة نت)
                          
 

 أجرى الحوار: عبد الحافظ الصاوي-القاهرة  

 

تعيش البلدان العربية مشكلة بطالة منذ فترة، وكان أمل هذه البلدان من قبولها بمقترحات الإصلاح من قبل المؤسسات الدولية، أو من مروجي العولمة، أن تتمكن من تحسين أوضاعها التنموية بما يؤدي إلى رفع معدلات التشغيل بها، خاصة بين الداخلين الجدد لسوق العمل، وهم بطبيعتهم من الشباب.

 

وقدرت منظمة العمل العربية مؤشرات البطالة بين الشباب العربي بنحو 40%. وجاءت الأزمة المالية العالمية لتلقي بظلال سلبية متمثلة في الركود العالمي المنتظر والذي أعلنت بعض البلدان الأوروبية الدخول فيه. ومما لا شك فيه أنه سيكون لهذا الركود دلالته على أسواق العمل العربية.

 

وقد أجرت الجزيرة نت حوارا مع الدكتور سمير رضوان خبير اقتصادات سوق العمل، والمساعد السابق لمدير منظمة العمل الدولية، وعضو مجلس إدارة الهيئة العامة للاستثمار بمصر حالياً. 

 

وفيما يلي نص الحوار:

 

بسبب التداعيات السلبية المتوقعة من الأزمة المالية خلال الفترة القادمة، توقعت منظمة العمل الدولية أن يفقد نحو عشرين مليون فرد وظائفهم على مستوى العالم، فما هو انعكاس ذلك على أوضاع سوق العمل في البلدان العربية؟

 منظمة العمل الدولية بنت حساباتها لتقدير أعداد العاطلين بسبب آثار الأزمة المالية العالمية على تقديرات صندوق النقد الدولي حول انخفاض وتراجع معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي العالمي. فبعد أن كانت تقديرات الصندوق أن يصل هذا المؤشر إلى نحو 5.5% أو 5.6% خلال العام الحالي تراجعت هذه التوقعات إلى 4.6% ثم 3.2%. وهذا بدوره يجعلنا نتحدث عن مدى تأثر المنطقة العربية بالتداعيات السلبية للأزمة المالية العالمية لنحدد مدى تأثر أسواق العمل بها. والواقع أن المنطقة العربية إجمالاً تمثل جزءا صغيرا من منظومة الاقتصاد العالمي. هذه واحدة، والثانية أن درجة اندماج الاقتصادات العربية في الاقتصاد العالمي أو اقتصادات العولمة، كانت محدودة، ومن هنا يمكن أن تنطبق علينا الحكمة القائلة "رب ضارة نافعة". ولذلك فالآثار السلبية على المنطقة العربية اقتصادياً بشكل عام ستكون محدودة. ولكنها ستختلف من دولة لأخرى، لأن المنطقة العربية تضم ثلاث مجموعات من الدول، الأولى: الدول النفطية (السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، عمان، البحرين، ليبيا، الجزائر)، والثانية: الدول ذات الاقتصاد المتنوع (مصر، الأردن، سوريا، المغرب، تونس)، والدول الفقيرة (السودان، اليمن، موريتانيا، جيبوتي، الصومال، جزر القمر).

 

وتعتبر الدول الخليجية من أكثر الدول العربية تضرراً بالأزمة إذا ما أخذنا ما أصاب استثماراتها بالخارج في الولايات المتحدة وأوروبا في الاعتبار. فنحو نسبة 55% من الاستثمارات الخليجية تتوجه إلى الولايات المتحدة. ولكن سوف يخفف من آثار هذا الأمر استمرار التدفقات النفطية، إذا ما علمنا أن ما تتحصل عليه الدول الخليجية الست فقط من فروقات ارتفاع أسعار البترول خلال عام 2008 سوف يبلغ نحو 1.3 تريليون دولار. أما الاقتصادات المتنوعة فسوف تكون أضرارها أقل. ولكن بشكل عام ستكون معدلات البطالة في الدول العربية مرتفع عما كانت عليه قبل الأزمة بنحو من 1% - 2%.

 

 

ما هو تصوركم لخريطة البطالة في الدول العربية بعد وقوع الأزمة المالية العالمية؟

 

لابد أن نذكر في البداية أن مشكلة البطالة في العالم العربي من المشكلات الهيكلية، والمشكلة أيضاً تأخذ أبعادا مختلفة بين الدول الخليجية أو الاقتصادات المتنوعة أو البلدان الفقيرة.

 

ففي الخليج من المتوقع أن يكون هناك اتجاه أكبر بالاهتمام بمشروعات توطين العمالة، ثم الاحتفاظ بالعمالة الآسيوية نظراً لطبيعة وظروف عملها في الخليج من تدني الأجور وأمور أخرى، ويأتي الاحتفاظ بالعمالة العربية في المرتبة الآخيرة. وفي الاقتصادات المتنوعة سوف تتسع شريحة القطاع غير المنظم تأثراً بالركود العالمي المتوقع وتأثيره على هذه الاقتصادات، حيث من الصعب أن يتوسع القطاع المنظم في التشغيل في ظل هذه الظروف. ولكن المشكلة الأكبر هي في البلدان العربية الفقيرة حيث ستزداد حدة الفقر بها.

 

من جانب آخر نجد أنه من الضروري أن نلقي الضوء على مشكلة أسواق العمل في البلدان الخليجية، أو المتنوعة. فالمشكلة تتمثل في جانب العرض حيث أن الأيدي العاملة هناك لاتتوافر فيها الشروط المطلوبة لسوق العمل من حيث التعليم أو المهارة الفنية نظراً لطبيعة مخرجات نظم التعليم.

 

ففي السعودية مثلاً يقدر سوق العمل بنحو سبعة ملايين عامل منهم خمسة ملايين من الأجانب ومليونان فقط من الوافدين. وإذا مانظرنا لمثال أخر في مصر، فقد أشار تقرير التنافسية للاقتصاد المصري الأخير إلى أن كفاءة سوق العمل في مصر تأتي وفق مؤشر التنافسية في الترتيب 130 من بين 131 شملها المؤشر، وأتت بعد مصر ليبيا في المرتبة 131. أما مؤشر نوعية التعليم فقد أتى ترتيب مصر في هذا المؤشر في المرتبة 126 من بين 131 دولة. أما عن الفئات الأكثر تأثراً في سوق العمل بالأزمة فسيكون أولاً الداخلون الجدد لسوق العمل ثم الإناث، باعتبار الفئتين من الفئات الضعيفة والتي عادة ما تكون أكثر تأثراً بوقوع الأزمات.

 

 

طالب مدير منظمة العمل الدولية حكومات الدول المتضررة بأن تقدم المساعدات للأفراد وليس للبنوك، فما هو الدور المنوط بالحكومات العربية في ضوء هذا المطلب؟

 

المطلوب من الحكومات بشأن مساعدة الأفراد ليس تقديم مساعدات نقدية للأفراد أو ما شابه ذلك، ولكن المطلوب التفاعل بشكل أفضل مع أطروحة المشروعات الصغيرة والمتوسطة. ويلاحظ على التعامل العربي أنه يركز على الإشادة بهذه المشروعات وأهميتها ودورها في حل مشكلة البطالة وغيرها. ولكن التركيز العربي في التعامل مع هذه القضية مختلف عن التعامل الأوروبي.

 

فمن خلال تجربتي بالاطلاع على التجارب الأوروبية أو في أميركا اللاتينية نجد أنهم يركزون على تنمية الشخص المستفيد وليس المشروع كما هو موجود في الدول العربية، كما أن هذه المشروعات في البلاد العربية تعمل بشكل منفرد ومنفصل عن بعضها البعض، بينما في الدول الأوروبية وغيرها تعمل في إطار علاقات عنقودية.

 

وتتركز المساعدات الحكومية بشكل أساسي في التدريب بينما في البلدان العربية يكون التركيز على التمويل. فضلاً عن أن معظم المشروعات الصغيرة في البلدان العربية لأفراد ومعدلات التشغيل فيها منخفضة. فإذا ما أرادت الدول العربية مساعدة الأفراد لمواجهة الآثار السلبية للأزمة المالية فيكون من خلال المشروعات الصغيرة والمتوسطة بشرط وجود تغيير في منهجية التعامل مع هذه المشروعات.

 

فالدرس الذي تعلمه الجميع من الأزمة المالية التركيز بشكل جيد على الاقتصاد العيني، وأخذ الحذر في التوسع في الاقتصاد المالي بحدود ما يخدم الاقتصاد العيني، والتوجه نحو هذه السياسة من شأنه أن يخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.  

 

 

هل تتوافر في البلدان العربية نظم حماية اجتماعية لتغطية المتضررين في أسواق العمل من جراء الأزمة المالية؟

 

نظم الحماية الاجتماعية بأسواق العمل تشمل على ثلاثة مكونات رئيسية: هى حصول العامل على المعاش بعد بلوغه السن القانونية وتوفير التأمينات الاجتماعية والصحية والتأمين ضد البطالة.

 

والحقيقة أن الدول العربية فقيرة في هذا الجانب خاصة ما يتعلق بالتأمين ضد البطالة. وتكون مشكلة العاملين بالقطاع غير المنظم أكبر في مسألة الحماية الاجتماعية للعاملين. فمنشأت هذا القطاع ومشروعاته غير مسجلة أصلاً في مؤسسات الدولة، وبالتالي فلا يحظى العاملون به على أي نوع من الحماية الاجتماعية. وتظهر المشكلة بوضوح إذا ما علمنا أن هذا القطاع في بعض البلدان العربية يبلغ حجمه نحو 90% من حجم النشاط الاقتصادي، كما أنه في بعض البلدان يعد المشغل الأكبر في سوق العمل.

 

ولعل التجربة البريطانية التي طبقها رئيس الوزراء السابق في بريطانيا (توني بلير) بخصوص التأمين ضد البطالة مناسبة ويمكن الاستفادة منها في الدول العربية، حيث يتاح دخل للمتعطلين خلال فترة تسعة أشهر، وخلالها يتم توفير التدريب للعاطلين ويكلفون بالبحث عن فرص عمل خلال ستة أشهر، فإن لم يعثر على عمل يعرض عليه مكتب التشغيل قائمة بفرص العمل المتاحة لديه للاختيار من بينها، على أن تكون مناسبة لقدراته وظروفه الاجتماعية من حيث السكن، فإذا لم يستجب يحرم من إعانة البطالة.

 

 

تعهد كل من البنك والصندوق الدوليين بمساعدة الدول المتضررة من الأزمة، فهل تصلح أجندتهما في علاج الأزمات بعد تصدع النظام المالي العالمي، والمطالبة بإعادة النظر في دور المؤسستين؟

 

أولاً لابد أن نذكر أن المطالبة بتعديل الأدوار التي تؤديها المؤسستين تمت منذ سنوات في ضوء متغيرات العولمة وتداعياتها على اقتصادات الدول النامية، ولكن هذا لم يحدث. وبدلاً من وجود القيود المفروضة على حركة القوى العاملة من قبل المؤسسات الدولية والدول المتقدمة، كان الأولى وجود قيود على حركة رؤوس الأموال والتي قدرت بنحو ثلاثة تريليونات دولار يومياً، مما ساعد على وقوع  هذا الخلل في النظام المالي العالمي. والأولي أن تركز المؤسستين على القيام بمهمتهما الأساسية وهي إصلاح الخلل في موازين المدفوعات والتنمية في البلدان النامية.

 

 

هل تتوقع أن تزداد الضغوط على الخدمات العامة مثل التعليم والصحة في ظل التداعيات السلبية للأزمة؟

 

الدرس الذي تعلمته الدول النامية ومنها البلاد العربية أن هناك حدا أدني من تقديم هذه الخدمات لا يمكن أن تقل عنه، فضلاً عن أن الدول سوف تتجه نحو زيادة الإنفاق لتنشيط الطلب، من أجل تفادي الوقوع في الركود أو إطالة مدته، ومن ضمن ذلك زيادة الإنفاق على قطاعي التعليم والصحة. أما بخصوص سلوك الأفراد واتجاههم نحو الخدمات العامة بدلاً من الخاصة، فأظن أن هذا قد يكون حالات فردية وليس ظاهرة عامة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة