اعتراف متأخر للنقد الدولي   
الأربعاء 1434/4/23 هـ - الموافق 6/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 22:38 (مكة المكرمة)، 19:38 (غرينتش)

فشل الوصفات التقليدية في معالجة الأزمة
تدابير التقشف والإصلاحات الداخلية ليست كافية

الحاجة لصفقة عالمية جديدة

فشل الوصفات التقليدية في معالجة الأزمة
إن اعتراف صندوق النقد الدولي، الذي جاء متأخرا، بأنه استخف كثيرا بحجم الضرر الذي قد يلحقه التقشف بمعدلات نمو الاتحاد الأوروبي يسلط الضوء على الطبيعة المدمرة للذات التي اتسمت بها الوصفات "التقليدية" في معالجة الأسباب التي أدت إلى اندلاع أزمة الديون التي أعقبت الانهيار المالي في 2008-2009.

وتقترح النظرية التقليدية أن أي دولة منفردة أو مجموعة من الدول تسعى إلى تعزيز مواردها المالية يمكنها أن تسير في طريق خفض أسعار الفائدة، وإضعاف العملة وأن تتوقع تحسنا لوضعها التجاري.

لكن لأن هذا من غير الممكن أن يحدث في كل الاقتصادات الرئيسية في وقت واحد -ذلك أن التقشف في دولة ما أو مجموعة من الدول يعني ضمنا تراجع الطلب على منتجات دول أخرى- فإن مثل هذه السياسات تؤدي في نهاية المطاف إلى تدابير تسفر عن إفقار الجيران. والواقع أن هذه الديناميكية -التي حاربها جون ماينارد كينز- هي التي جعلت أزمة الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن العشرين بالغة الضراوة.

وتتفاقم مشاكل اليوم بسبب الافتقار إلى القدر الكافي من الطلب الخاص -خاصة الاستهلاك الأسري- في الاقتصادات المتقدمة للتعويض عن الخسائر في الطلب الناجمة عن التقشف. ففي العقدين الأخيرين قاد الاستهلاك النمو الاقتصادي في هذه البلدان فبلغ نسبا غير مسبوقة تاريخيا من الناتج المحلي الإجمالي.

وعلاوة على ذلك، تواجه الاقتصادات المتقدمة الرئيسية، مثل الولايات المتحدة وألمانيا واليابان، مشاكل مالية أطول أمدا في هيئة شيخوخة سكانية أو أنظمة الرفاهة الاجتماعية الكبيرة الحجم، مما يحد من قدرتها على المساهمة في إدارة الطلب. وكانت التحركات الأخيرة لتخفيف قيود السياسة النقدية خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنها حتى الآن لم تثبت قدرتها على تبديل الحال.

بات من الواضح تماما الآن أن تدابير التقشف والإصلاحات الداخلية ليست كافية لانتشال دول منطقة اليورو الضعيفة من الركود

ولكي يعمل الطلب المحلي محركا للنمو، لا بد أن تعمل السياسات على تحويل الموارد من الاستثمار إلى الاستهلاك. ورغم أن الأحجام المطلوبة هائلة، فإن الوصول إليها أمر ضروري إذا كان لنا أن نتجنب فترة مطولة من النمو المنخفض، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع المستويات المعيشية بين الأكثر فقرا على مستوى العالم.

ولا بد من تعزيز عملية تنسيق السياسة الاقتصادية بشكل كبير من أجل التعامل بشكل فعال مع تغيرات بهذا الحجم.

تدابير التقشف والإصلاحات الداخلية ليست كافية
ولنبدأ هنا بأوروبا. لقد بات من الواضح تماما الآن أن تدابير التقشف والإصلاحات الداخلية ليست كافية لانتشال دول منطقة اليورو الضعيفة من الركود. والواقع أن الإدراك المتزايد لفشل السياسات الحالية يفضي إلى قدر كبير من السخط الاجتماعي، والاضطرابات المدنية، وعدم الاستقرار السياسي، كما يتبين لنا من الانتخابات الإيطالية التي انتهت للتو والمقاومة الشعبية المتنامية لجهود الإصلاح في اليونان.

إن إعادة اقتصادات الدول الضعيفة في منطقة اليورو إلى مسار النمو يتطلب ما هو أكثر من الإصلاحات البنيوية وضبط الأوضاع المالية. بل إن الأمر يتطلب أيضا إصلاحا واسع النطاق لنظام الإدارة الاقتصادية في الاتحاد النقدي، يهدف إلى استعادة الاستقرار المالي وخفض تكاليف الاقتراض، فضلا عن تعزيز الطلب الخارجي من أجل التعويض عن التأثيرات المترتبة على التقشف.

ويعني إصلاح الإدارة إحراز تقدم ملموس في اتجاه التوحيد الاقتصادي، إضفاء الطابع المركزي على الديون الأوروبية من خلال إصدار سندات اليورو، وتعبئة القدر الكافي من الأموال المخصصة للإنقاذ، والسماح للبنك المركزي الأوروبي بالتدخل في أسواق السندات الأولية، وإنشاء اتحاد مالي وآخر مصرفي.

والواقع أنه هدف صعب المنال، نظرا لإحجام أغلب دول الاتحاد الأوروبي عن التنازل عن الصلاحيات للمؤسسات الأوروبية. ولكن يتعين على أوروبا أن تتحرك بشكل أكثر حسما في هذا الاتجاه، وإلا فإن المضاربة على الديون الوطنية للدول الأعضاء سوف تستمر، وهو ما يعني إبقاء تكاليف الاقتراض عند مستويات تتناقض مع الظروف اللازمة لدعم التعافي الاقتصادي.

وإذا تحدثنا عن الطلب الخارجي، فإن تقديم المساعدات داخل أوروبا على شكل سياسات التحفيز النقدي في الاقتصادات الأكثر قوة من غير المرجح أن يكون كافيا، نظرا للظروف المالية والسياسية السائدة في ألمانيا في الأساس. وقد يكون البديل لهذا تنفيذ مبادرة على غرار خطة مارشال من خلال تعبئة موارد ميزانية الاتحاد الأوروبي وتوفير الإقراض الإضافي من قِبَل بنك الاستثمار الأوروبي لتمويل الاستثمار في الدول الأضعف، ولكن هذا البديل يفتقر إلى الدعم السياسي.

وعلى نطاق عالمي، فلا الولايات المتحدة ولا اليابان في موقف يسمح لها بتوفير الحافز الخارجي المطلوب. الواقع أن الاقتصادات الناشئة والنامية في آسيا هي فقط القادرة على المساهمة بشكل فعّال في زيادة الطلب العالمي من خلال جهود منسقة رامية إلى تعزيز الاستهلاك المحلي، والكفيلة بدورها بتحفيز الاستثمار الإضافي. وتشير تجربة صندوق النقد الدولي الحديثة إلى إمكانية تعبئة الصناديق الخاصة، من خلال التنسيق المناسب، لإقامة مشاريع الشراكة الكبرى بين القطاعين الخاص والعام التي تربط توسع الطلب بالاستثمار في البنية الأساسية.

الحاجة لصفقة عالمية جديدة
ونستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن الأمر يتطلب عقد "صفقة جديدة" عالمية تجمع بين سياسات مصممة لإعادة تنظيم الاستهلاك والاستثمار في مختلف أنحاء العالم. ويتعين على الاقتصادات المتقدمة أن تشجع الإصلاحات البنيوية المعززة للإنتاجية بقدر متجدد من القوة والنشاط, وأن تعمل منطقة اليورو على تعزيز قوة اتحادها النقدي. كما يجب على الاقتصادات الناشئة والنامية أن تدعم مصادر النمو المحلية.

الأمر يتطلب عقد "صفقة جديدة" عالمية تجمع بين سياسات مصممة لإعادة تنظيم الاستهلاك والاستثمار في مختلف أنحاء العالم

ولكي يصبح إبرام مثل هذه الصفقة أمرا ممكنا، فلا بد أولا من تلبية بعض الشروط المسبقة. وأولها أنه لا بد من إحكام عملية تنسيق السياسات الدولية من قِبَل مجموعة العشرين من خلال إنشاء أمانة دائمة لتقديم المقترحات الخاصة بالسياسات والتوصيات في ما يتصل بتطورات الاقتصاد الكلي والتطورات المالية. ويتعين على الأمانة أن تتعاون بقوة مع صندوق النقد الدولي من أجل الاستفادة من تحليلاته، خاصة في ما يتعلق بأسعار الصرف.

وثانيها أنه لا بد أن يتقدم الإصلاح المالي العالمي بوتيرة أسرع. إن القطاع المالي يتطلب فرض تنظيمات أكثر صرامة، وتعزيز عملية الإشراف، ووضع آليات حل متسقة دوليا لمعالجة المشاكل التي تفرضها المؤسسات العالمية الضخمة التي تعد أكبر من أن يسمح لها بالفشل. ويشكل هذا الإصلاح ضرورة أساسية إذا كان للنظام المالي الدولي أن يضطلع بدوره وسيطا لإجراء تحويلات الموارد الضخمة الحجم التي من شأنها أن تدعم التغييرات المطلوبة في بنية الطلب العالمي.

وأخيرا، يحتاج الأمر إلى اتفاقية تجارية جديدة -ربما في إطار جولة الدوحة- لضمان قدرة القوى التجارية الرئيسية على الوصول إلى الأسواق الخارجية. ويشكل هذا أهمية حاسمة لبث الثقة في الدول الآسيوية، والتي يمكن إقناعها بتفضيل مصادر الطلب الداخلي على الخارجي. وعلاوة على ذلك، فإن تحرير التجارة من شأنه أيضا أن يزيد من مستويات ثقة المستهلك في مختلف أنحاء العالم.

إن الوقت الآن مناسب لتسوية عالمية جديدة تستهدف النمو، وتعالج الظروف المتأزمة في أجزاء معينة من العالم، وتعيد التوازن إلى الاقتصاد العالمي بوضعه من جديد على مسار النمو القوي والمطرد.
ـــــــــــــــــــــــ
وزير الاقتصاد والمالية الأسبق في اليونان (1994-2001)، ورئيس مركز أبحاث السياسات التقدمية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة