سياسات التهميش الإسرائيلية تفقر فلسطينيي 48   
الأحد 1435/3/26 هـ - الموافق 26/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:57 (مكة المكرمة)، 14:57 (غرينتش)

محمد محسن وتد-الناصرة

يعيش فلسطينيو 48 حالة من الفقر المدقع والتهميش الاقتصادي الاجتماعي، وذلك جراء سياسات الإفقار التي اعتمدتها المؤسسة الإسرائيلية ضد الاقتصاد الفلسطيني بالداخل منذ النكبة، لتبقي عليه رهين سياسات التمييز العنصري والقومي، ولتكريس حالة التبعية والإقصاء ولتوظيف الموارد والأراضي المصادرة لصالح المشروع الصهيوني.

وبينت الإحصائيات الإسرائيلية صورة قاتمة عن انتشار ظاهرة الفقر وتدني مستوى الدخل لفلسطينيي 48، إذ تعيش 54% من العائلات الفلسطينية تحت خط الفقر، وتعيش من دخل شهري لا يتجاوز ألف دولار مقابل 14% من العائلات الإسرائيلية الفقيرة.

ويهيمن شبح الفقر على شريحة الأطفال العرب وكبار السن لتتخطى الـ66% مقابل 21% من الأطفال بالمجتمع الإسرائيلي، مما ساهم في تعميق الفجوات الاقتصادية بين المجتمعين اليهودي والعربي.

وسط هذه التحديات وفي سبيل الخروج من دائرة التبعية ومظاهر الفقر التي تنعكس سلبا على مستقبل النشء والشباب، أقامت جمعية إعمار للتطوير الاقتصادي، بالتعاون مع مركز الدراسات المعاصرة ولجنة الزكاة القطرية، صندوقا للتكافل الاجتماعي ولتمويل المشاريع التنموية، وذلك في سياق مؤتمر احتضنته الناصرة بعنوان "سياسات الإفقار في الداخل الفلسطيني وسبل مواجهتها".

غريفات يولي أهمية بالغة لتعزيز دور أدوات التكافل الاجتماعي وثقافة التبرع (الجزيرة)

رهان وارتهان
وطرح الباحثون رؤى وتصورات عملية لمواجهة هذه السياسات والحفاظ على الهوية والسلم الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع الفلسطيني، ودعوا إلى الرهان على المبادرات الذاتية، وحثوا الفعاليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الفلسطينية على تكثيف نشاطاتها لبناء مجتمع عصامي، وتشجيع المشاريع التجارية والصناعية ودعم المبادرات الشبابية والأسرية للشرائح الفقيرة.

واستعرض مدير مركز الدراسات المعاصرة صالح لطفي سياسات الإفقار التي وظفتها المؤسسة الإسرائيلية ضد الداخل الفلسطيني وحولتها إلى وسيلة للسيطرة والاحتواء، ووصفها بنهج وثقافة المستعمر بسرقة موارد وخيرات الشعب الرازح تحت الاحتلال.

وقال لطفي في حديثه للجزيرة نت إن "تطلعات المؤتمر تأتي في سياق الأمن المعيشي والاجتماعي لفلسطينيي 48، بغية تفكيك سياسات الإفقار وطرح البدائل في سياق منظومة ذاتية لمجتمع يعتز بذاته وينتمي لشعبه وحامل لهويته، وذلك بقصد الخروج من شرنقة الفقر، ومواجهة التهميش والإقصاء بفعل سياسات إسرائيل الممنهجة التي دأبت منذ النكبة على ضرب الاقتصاد الفلسطيني".

وحذر من التداعيات والنتائج السلبية والإسقاطات على الحياة السياسية والمجتمعية لفلسطينيي 48 جراء نهج الفقر الممنهج والتهميش والإقصاء، داعيا إلى اعتماد البدائل والتأسيس لواقع ومتغيرات اقتصادية تسهم في التقليل من التبعية للسوق الإسرائيلي وتؤسس للنمو والتطور والازدهار.

بدوره، يولي مدير لجنة الزكاة القطرية باسم غريفات أهمية بالغة لتعزيز دور أدوات التكافل الاجتماعي وثقافة التبرع لطرح البدائل للتنمية والمبادرات الذاتية من خلال منظور مستقبلي يلزم بتفكيك علمي دقيق لحالة الفقر للانتقال إلى حقل العمل الميداني والخروج من دائرة الفقر وتدني المستوى المعيشي الاجتماعي والاقتصادي، والدفع بمكونات المجتمع الفلسطيني ولجان الزكاة وتوظيف أموالها لدعم مشاريع تجارية تمكن العائلات الفقيرة من الاعتماد على الذات والعيش الكريم.

ولفت في حديثه للجزيرة نت إلى أن لجنة الزكاة تكفل على مدار العام نحو 25 ألف عائلة من فلسطينيي 48 تعيش في فقر مدقع وتواجه تحديات اجتماعية، وعليه "لا يمكن إغفال أموال الزكاة أو التقليل من أهميتها ودورها في مواجهة سياسات الإفقار التي تعتمدها إسرائيل، إذ سيتم عبر إقامة صندوق استثماري خاص، لتتحول الزكاة كأداة تنموية عصرية للتكافل الاجتماعي والاستثمار في مشاريع تجارية للعائلات الفقيرة لتحقيق التنمية الاقتصادية والازدهار الاجتماعي".

عواودة: الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالداخل الفلسطيني ارتهن للوضعية السياسية وإستراتيجيات إسرائيل (الجزيرة)

تأهيل وترشيد
من جانبه، تطرق مدير جمعية إعمار للتنمية والتطوير الاقتصادي يوسف عواودة إلى الحلول الذاتية لمشكلة الفقر من خلال تأهيل العائلات الفقيرة لبناء مشاريع تجارية تمكنها من الكسب وتوفير لقمة العيش والمساهمة في البناء المجتمعي والخروج من دائرة الفقر والتقليل من تداعياته، عبر ترشيد الاستهلاك وتشجيع المنتج المحلي والاستثمار العربي في الإنتاج والتصنيع من خلال المشاريع الاقتصادية، مما يوفر فرص عمل تسهم في دعم السوق الفلسطينية.

وقال عواودة في حديثه للجزيرة نت إن "الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الداخل الفلسطيني ارتهن للوضعية السياسية وإستراتيجيات إسرائيل ونهج الحكومات المتعاقبة جراء التوزيع غير المتكافئ للموارد وتوظيف العوائق البنيوية المؤسساتية والحرمان من الميزانيات وغياب الاستثمار والتصنيع والتمييز في سوق العمل والأجور، وعليه لا نتوقع طرح حلول جذرية ممن تسبب في هذه الكارثة خاصة أن المبادرات الإسرائيلية قشور دون جوهر".

ويعتقد أن الداخل الفلسطيني على مفترق طرق وفي مرحلة حاسمة، بسبب سياسات تل أبيب الاقتصادية التي دأبت على خلق اقتصاد هلامي مشوه يعتمد على الاستهلاك والأسواق الإسرائيلية دون التصنيع أو الإنتاج الذاتي لمنع فك قيود التبعية والإبقاء على حالة الارتهان، وبالتالي لا بد من مبادرات مجتمعية وتضافر كافة الجهود والتشبيك بين مختلف الفعاليات لدعم وتشجيع الاستثمار المجتمعي الذاتي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة