هل عجزت أميركا عن مساعدة أوروبا؟   
الثلاثاء 22/7/1433 هـ - الموافق 12/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:23 (مكة المكرمة)، 10:23 (غرينتش)
لا يملك أوباما حاليا أمام الأزمة الأوروبية إلا القدرة على الإقناع (الفرنسية)
ارتدادات الأزمة الأوروبية الحالية تشبه إلى حد كبير تلك التي نتجت عن الأزمة المالية العالمية في 2008.

فأوروبا تشهد حاليا هروبا لرؤوس الأموال بحثا عن ملاذ آمن، وتضطر الحكومات فيها إلى إنقاذ أنظمة المصارف، وفي الوقت ذاته يبطؤ نمو الاقتصادات الكبرى في العالم في مؤشر على أن الاقتصاد العالمي قد ينتكس ويسقط في الركود مرة أخرى.

وتقول صحيفة واشنطن بوست إنه بالرغم من التشابه الكبير بين الأزمتين فإن هناك اختلافات هذه المرة.

ففي عام 2008 تركزت الأزمة في الولايات المتحدة بسبب انهيار سوق العقارات والتجاوزات في التعاملات المالية التي تركت النظام المصرفي على حافة الهاوية.

لكن الأزمة الحالية تتركز في أوروبا ومصدرها الإسراف والتبذير من قبل عدة حكومات أوروبية، يضاف إلى ذلك انهيارات البنوك وهبوط أسعار العقارات.

وقد انعكس ذلك على الاقتصاد الأميركي بصورة عامة، لكن وضع النظام المالي الأميركي حاليا أفضل مما كان عليه.

وفي حال تفاقم الوضع في أوروبا فإن صانعي القرار في واشنطن سيفتقدون المرونة التي تمتعوا بها قبل أربع سنوات.

فالكونغرس تقعده حاليا الخلافات الحزبية، كما أن جعبة مجلس الاحتياطي الاتحادي نفد آخر ما لديها من طلقات، يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي باراك أوباما لا يستطيع أن يجبر الأوروبيين على تسوية خلافاتهم.

يقول فنسنت راينهارت كبير اقتصاديي بنك مورغان ستانلي إن الولايات المتحدة تقف حاليا موقف المتفرج إزاء أزمة الديون والمصارف الأوروبية بعد أن أنهك طول الأزمة المالية الحكومة الأميركية

في نفس الوقت تعاني الولايات المتحدة من ارتفاع الدين القومي، مما يعني تقييد قدرة الحكومة على المزيد من الإنفاق لدعم النمو الاقتصادي. كما أن الاقتصادات الناشئة في العالم مثل الصين والهند أقل قدرة على المساعدة بسبب بطء نموها.

موقف المتفرج
ولذلك يقول فنسنت راينهارت كبير اقتصاديي بنك مورغان ستانلي إن الولايات المتحدة تقف حاليا موقف المتفرج إزاء أزمة الديون والمصارف الأوروبية.

ويضيف أنه يبدو أن الحكومة الأميركية أنهكت من طول الأزمة المالية التي عانت منها.

وقالت واشنطن بوست إن الأزمة في الولايات المتحدة احتاجت إلى عام لتصل إلى الذروة. وكانت المشكلة واضحة بعدما وصل النظام المصرفي إلى شفير الإفلاس وتبعه بعد ذلك الاقتصاد.

وتداركت حكومة جورج دبليو بوش الأمر ولم يكن بقي لها في السلطة سوى أشهر وقامت بتنفيذ حزمة إنقاذ للبنوك قوامها 700 مليار دولار. في نفس الوقت قام مجلس الاحتياطي الاتحادي، المستقل تماما، بخفض سعر الفائدة بصورة كبيرة وبضخ الأموال في النظام المصرفي.

وجاء بعده أوباما لينفذ أيضا خطة إنقاذ ضخمة من خلال تمريرها بالكونغرس الذي سيطر عليه حزبه.

لكن لا يملك أوباما حاليا أمام الأزمة الأوروبية إلا القدرة على الإقناع، وهذه القدرة محدودة بسبب الاختلافات التي تفرق الدول السبع عشرة الأعضاء في منطقة اليورو وهي اختلافات ليست فقط اقتصادية بل أيضا سياسية وقيمية.

ومحليا أصبح الاقتصاد الأميركي أكثر قوة وينطبق القول ذاته على النظام المصرفي الذي يتمتع حاليا برأسمال أكبر يساعده على تحمل الخسائر مما يجعله في وضع أفضل مما كان عليه قبل أربع سنوات، كما لا توجد فقاعة في قطاع العقارات الذي يتحسن وضعه حاليا بصورة مستمرة. أما الشركات فقد كانت حذرة إزاء زيادة عدد الموظفين.

ليس منيعا
وقالت واشنطن بوست إن كل ذلك يعني أن الاقتصاد الأميركي حاليا في حال أفضل لمقاومة الصدمات مما كان عليه عام 2008. لكنه في نفس الوقت ليس منيعا بصورة كاملة.

ويحاول الرئيس أوباما في وقت يسعى فيه للترشح للرئاسة مرة أخرى التوضيح بأنه استطاع تعزيز الاقتصاد لكنه في نفس الوقت يريد التأكيد على أن من الضروري اتخاذ إجراءات عاجلة لدعم النمو الاقتصادي.

على الجانب الآخر يخشى المشرعون أن مثل هذه الإجراءات ستزيد من الدين الحكومي الذي زاد بنسبة 50% بالمقارنة مع 2008.

وبالرغم من هبوط العائد على السندات الأميركية فإن الحكومة لا تستطيع حاليا الاستفادة من ذلك بصورة كاملة لأن الكونغرس يرفض إجراءات حفز جديدة.

أما مجلس الاحتياطي الاتحادي فيداه مقيدتان بعد أن استخدم كل ما لديه من سلاح رئيسي وهو السيطرة على معدل الفائدة لدى البنوك لتشجيع الاقتراض وحفز النشاط الاقتصادي عقب خفض الفائدة إلى أدنى مستوى ممكن. وقد قام بإجراءات أخرى غير عادية لتعزيز النمو.

ومنذ 2008 أتت معظم الضغوط على الاقتصاد الأميركي من الخارج.

في حال تفاقم الوضع في أوروبا فإن صانعي القرار في واشنطن سيفتقدون المرونة التي تمتعوا بها قبل أربع سنوات عند بدء الأزمة المالية

فقد هبطت مؤشرات النمو في الاقتصادات الناشئة الكبيرة في العالم مثل البرازيل والصين والهند وروسيا. وقد ساعد تسارع نمو تلك الاقتصادات، خاصة الصين، في دفع النمو الاقتصادي في العالم في السنوات الماضية  وساعدت الزيادة في نمو وارداتها في دفع الاقتصاد الأميركي.

ويقول فنسنت راينهارت إنه مع تعثر نمو الاقتصاد الأميركي ومع الركود الذي يعاني منه الاقتصاد الأوروبي فإن بطء الاقتصادات الناشئة بصورة أكبر سوف يشكل خطورة على وضع الاقتصاد العالمي برمته.

وقالت واشنطن بوست إن صناع السياسة في أوروبا يقدمون خطوتين نحو معالجة الأزمة ويؤخرون خطوة. فبعد فترة طويلة من التمنع وافقت إسبانيا على القبول بحزمة إنقاذ أوروبية لبنوكها لمنعها من الانهيار.

وفي اليونان سيقرر الناخبون الأسبوع القادم موقفهم من أحزاب تعارض الخطة الأوروبية لإنقاذ بلادهم، مما سيدخل أثينا في مرحلة خطيرة قد تضطرها إلى الخروج من منطقة اليورو.

وفي الأسبوع الماضي، وصفت كريستين لاغارد المدير العام لصندوق النقد الدولي الوضع في أوروبا بقولها "إنه أصبح دورة معروفة منذ بدء الأزمة مثل فيلم سينمائي رأيناه عدة مرات". وأضافت "أنه مع مرور كل دورة نصل إلى مستوى أعلى من عدم اليقين ومن ارتفاع المخاطر".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة