إنعاش الاستهلاك بالصين   
السبت 1435/1/27 هـ - الموافق 30/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:04 (مكة المكرمة)، 11:04 (غرينتش)

التحول إلى نمو قائم على الاستهلاك
تغيير معايير الأسر الصينية السلوكية
هل ترقى القيادة الجديدة إلى مستوى التحدي؟

التحول إلى نمو قائم على الاستهلاك
سيكون الحكم النهائي للتاريخ، لكن هناك سببا وجيها يجعلنا نعتقد أن الجلسة المكتملة الثالثة للحزب الشيوعي التي عقدت مؤخرا في الصين سوف تعد لحظة محورية في تنمية البلاد.

فبعد طول انتظار، أقر كبار القادة في البلاد مجموعة من الإصلاحات التي من الممكن أن تدفع التحول الاقتصادي من الاعتماد على الصادرات إلى نمو قائم على الاستهلاك.

وحتى الآن، كانت صياغة هذا التحول تتم في إطار أهداف وتطلعات واسعة. على سبيل المثال، وعدت الخطة الخمسية الثانية عشرة التي تم تبنيها في مارس/آذار 2011 بظهور اقتصاد يقوده المستهلك، ويستند إلى لبنات التوسع الحضري وتنمية قطاع الخدمات الوليد. ورغم أهمية هذه الالتزامات في إطلاق العنان لفرص الطبقة المتوسطة في الصين، فإنها تفتقر إلى عنصر بالغ الأهمية: تحفيز الأسر الصينية لتحويل دخلها الإضافي إلى استهلاك اختياري.
تركز الإصلاحات التي أقرها القادة الصينيون مؤخرا على الفجوة بين الدخل والاستهلاك، كما تقدم اقتراحات محددة تهدف إلى تغيير سلوك الأسر الصينية التي يتمكن منها الخوف

لكن على النقيض من ذلك، استحوذ عدم الشعور بالأمان المالي والاقتصادي على الأسر الصينية منذ "وعاء الأرز الحديدي" -الدعم من المهد إلى اللحد الذي قدمته الدولة الاشتراكية للعمال وأسرهم- وكان موضع تجاهل في أواخر تسعينيات القرن العشرين.

وخوفا على المستقبل، لجأت الأسر إلى اكتناز الدخل الإضافي بدلا من إنفاقه على السلع الاستهلاكية. ويطلق خبراء الاقتصاد على هذا وصف الادخار الوقائي أو الاحترازي. ويطلق عليه قادة الصين وصف السلوك المحبط.

وتركز الإصلاحات التي أقرها القادة الصينيون مؤخرا على هذه الفجوة بين الدخل والاستهلاك، كما تقدم اقتراحات محددة تهدف إلى تغيير سلوك الأسر الصينية التي يتمكن منها الخوف.

وكان الاقتراح بتوجيه 30% من أرباح الشركات المملوكة للدولة -التي تبلغ حاليا نحو 400 مليار دولار- إلى شبكة الأمان الاجتماعي التي تعاني من نقص التمويل إلى حد يرثى له،  مهماً بشكل خاص. فخطة التأمين الصحي الوطني في الصين على سبيل المثال تتباهى بتغطية شاملة تقريبا، ولكن المزايا التي تقدمها تكاد لا تذكر.

ويصدق نفس القول على نظام التقاعد في الصين: يبلغ معدل التحاق العاملين بقوة العمل نحو 50%، ولكن 600 دولار فقط من الأصول لكل عامل (في خطط التقاعد الخاصة والوطنية وعلى مستوى الحكومات المحلية مجتمعة) متاحة لتغطية استحقاقات التقاعد مدى الحياة.

تغيير معايير الأسر الصينية السلوكية
ومن غير المستغرب أن تلجأ الأسر الصينية، المتخوفة من هذا المستقبل غير الآمن، إلى ادخار المزيد من الأموال. والواقع أن شبكة أمان تمول بصورة كافية من الممكن أن تقطع شوطا طويلا في تخفيف الدوافع وراء هذا السلوك.

وتسعى تدابير أخرى عديدة اقترحت في اجتماع القادة الصينيين إلى تغيير معايير الأسر الصينية السلوكية.

وتشكل إعادة النظر في سياسة الطفل الواحد أهمية خاصة، نظرا للحاجة إلى تخفيف الضغوط الناجمة عن الانحدار الحتمي لسكان الصين في سن العمل. كما يشكل إصلاح نظام تصاريح السكن بحيث يسمح للمواطنين بنقل فوائد الضمان الاجتماعي من مدينة إلى أخرى أهمية بالغة في التعامل مع قوة عمل متزايدة المرونة والتي تضم الآن نحو 200 مليون عامل مهاجر.

وينبغي للمستهلكين الصينيين أيضا أن يستمدوا الشعور بالارتياح من الخطوة القادمة المؤملة لتحديد أسعار الفائدة على حساباتهم الادخارية استنادا إلى السوق، وهو ما من شأنه أن يعزز النمو التراكمي في الدخل من الأجور.

ويشكل هذا التحول الذي طال انتظاره عنصرا مهما في تعظيم القادة الصينيين لأهمية مبدأ التسعير القائم على السوق باعتباره الأسلوب "الحاسم" لتخصيص الموارد في الصين.

والواقع أن كلمة "حاسم" تنطوي على انعكاسات هامة للموارد الرئيسية -بما في ذلك الوقود ورأسمال التمويل، وبطبيعة الحال العملة- التي كانت خاضعة تاريخيا لعملية التسعير التي تديرها الدولة.

وكانت الصيغ البلاغية تشكل دوما إشارات هامة تدلل على تغيرات سياسية كبرى، ولنتذكر هنا خطة "الإصلاح والانفتاح" التي أقرها دنغ سياو بينغ في أواخر السبعينيات. ويُعَد استخدام اجتماع القادة لكلمة "حاسم" في وصف النهج القائم على السوق مناورة مماثلة.

وكل هذا يسلط ضوءا جديدا على إستراتيجية التنمية في الصين.

فبداية من دنغ سياو بينغ في أواخر السبعينيات، قام العلماء والمهندسون -المسؤولون التكنوقراط الذين تمتعوا بالعزيمة اللازمة لتحويل اقتصاد مختل موجه مركزيا إلى صرح هائل قائم على الاستثمار والتصدير- بصياغة وتنفيذ نموذج تنموي يتولى المنتج توجيهه.

واليوم تختلف المهمة المطروحة تمام الاختلاف، تحويل الإطار التكنوقراطي لنموذج المنتج إلى رؤية طموحة لمجتمع استهلاكي مزدهر.

هل ترقى الزعامة الصينية الجديدة إلى مستوى التحدي؟
وتثير الحاجة إلى توجيه هذا التحول أصعب التساؤلات على الإطلاق، فهل ترقى الزعامة الصينية الجديدة "من الجيل الخامس"، بقيادة الرئيس شي جين بينغ، إلى مستوى التحدي؟

هناك ثلاثة أسباب تجعلنا نعتقد أنها قادرة على التصدي لهذا التحدي.

مع تركيز قادة الصين الآن مباشرة على مواءمة القواعد السلوكية مع المرحلة التالية من التحول، فإن فكرة وضع دولة يقودها المستهلك تصبح أكثر إقناعا من أي وقت مضى

فأولا، بات دور التكنوقراط في القيادة العليا في الصين في طريقه إلى الزوال. ويكشف البحث الذي قام به شينغ لي من معهد بروكنغز عن أن نحو 15% فقط من الأعضاء الـ25 الحاليين في المكتب السياسي مهندسون وعلماء، بعد أن كانت النسبة 40% في العام 2007 ونحو 72% في العام 2002. ويشير تحليل لي إلى صعود كبار المسؤولين المخضرمين في القانون والعلوم الاجتماعية، وهو ما يعني توفير مجموعة من المهارات الأكثر تماشيا مع رؤية المجتمع الاستهلاكي.

وثانيا، أنشأ الاجتماع المكتمل للحزب الشيوعي منظمة جديدة رفيعة المستوى أو ما يسمى مجموعة القيادة المركزية للإصلاحات. وسوف تلعب هذه المجموعة الصغيرة، التي من المرجح أن يترأسها شي جين بينغ، دورا أساسيا في صياغة مبادئ توجيهية محددة لتنفيذ الإصلاحات التي اقترحها الاجتماع المكتمل، مما يهدد بتهميش التكنوقراط الذين هيمنوا لفترة طويلة على اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، وريثة لجنة تخطيط الدولة القديمة.

وأخيرا، من الواضح أن قاعدة السلطة التي يتمتع بها شي جين بينغ أوسع كثيرا من قاعدة سلفيه جيانغ تسه مين وهو جينتاو، اللذين أدار كل منهما تحولات هشة في السنوات الأولى من زعامتهم.

وعلى النقيض من جيانغ وهو جينتاو، فإن شي تولى سريعا قيادة الحزب الشيوعي الصيني والحكومة والمؤسسة العسكرية، كما تولى بكل كفاءة رعاية الإصلاحات التاريخية التي أقرها الاجتماع المكتمل.

وكما هي الحال دوما، فإن الدليل لن يتأتى إلا من خلال التنفيذ.

لكن مع تركيز قادة الصين الآن مباشرة على مواءمة القواعد السلوكية مع المرحلة التالية من التحول، فإن فكرة وضع دولة يقودها المستهلك تصبح أكثر إقناعا من أي وقت مضى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عضو هيئة التدريس في جامعة ييل، والرئيس السابق لمؤسسة مروغان ستانلي في آسيا، ومؤلف الكتاب الذي سيصدر قريبا بعنوان "العلاقة غير المتوازنة: الاعتماد المتبادل بين أميركا والصين".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة