لماذا أنقذت واشنطن مؤسسات مالية كبرى؟   
الأربعاء 1430/7/2 هـ - الموافق 24/6/2009 م (آخر تحديث) الساعة 17:59 (مكة المكرمة)، 14:59 (غرينتش)

رد السوق على إفلاس ليمان برذرز كان سيئا جدا (الفرنسية-أرشيف)


مع كشف إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عن خططها من أجل سن تشريعات مالية كبيرة, يبقى السؤال الذي لم يجد إجابة صريحة عليه وهو سر اهتمام واشنطن بإنقاذ المؤسسات المالية الكبيرة في السنتين الماضيتين.

 

فقد رأى الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي) في أغسطس/آب 2007 الاضطرابات التي تسببت فيها أزمة الإسكان بأنها أزمة سيولة، لكنها في جوهرها بسبب فقدان الثقة بين البنوك نفسها نظرا لعدم معرفة كميات الأصول المتعثرة المدونة في سجلاتها. ولذلك أقدم الاحتياطي الاتحادي على ضخ المزيد من السيولة النقدية في النظام للحيلولة دون تأزم الوضع.

 

أين المشكلة؟

ولكن ومع حلول مارس/ آذار 2008 تبين أن المشكلة ليست مشكلة سيولة ولكنها كانت مشكلة سداد الديون. وعليه قررت وزارة الخزانة إنقاذ بنك بير ستيرنز الاستثماري المتعثر مجبرة إياه على الاندماج مع جيه بي مورغان تشيس الذي كلف دافع الضرائب مبلغ 30 مليار دولار مهرا لهذا الزواج ولإتمام الصفقة.

 

ثم وفي صيف 2008 كانت هناك مؤسستان ماليتان كبيرتان عرضة للانهيار وهما فاني ماي وفريدي ماك، وهما مؤسستان من قطاع الرهن العقاري وهما مكفولتان من قبل الحكومة ومعها حملة الأسهم من القطاع الخاص ما اضطر وزارة الخزانة في سبتمبر/ أيلول إلى التحرك نحو إنقاذهما.

 

وبعد فترة وجيزة سمح المسؤولون الحكوميون بإجبار ليمان برذرز على إعلان إفلاسه. لكن رد السوق على ذلك كان سيئا جدا. ثم كان إنقاذ مجموعة شركة التأمين الأميركية بالتعاون بين الخزانة والاحتياطي الاتحادي والطلب من الكونغرس الموافقة على برنامج لإنقاذ المؤسسات المالية المتعثرة ومن ثم تم التخطيط لشراء الأصول المتعثرة من المؤسسات المالية.

 

لكن هذا الاتجاه تعرض لتدخلات سياسية من أجل تجنب تقديم خدمات لصالح مسؤولي الشركات، ما دفع وزير الخزانة السابق هنري بولسون إلى وقف هذا التحرك وبدأ بضخ الأموال مباشرة في المؤسسات المالية.

 

كما أن الدعم للقطاع الخاص امتد ليشمل قطاع العقارات التجاري وضمان القروض الصغيرة. وفي نهاية الأمر وسعت المؤسسة الاتحادية للتأمين على الودائع عملها ليشمل كل ودائع البنوك وكذلك السندات التابعة لمؤسسات الودائع.

 

وبينما كان العديد من المراقبين يرون ضرورة عدم التدخل وترك البنوك الكبيرة والمؤسسات المالية تواجه مصيرها وإجبارها على إعادة هيكلتها, قبل آخرون مبدأ الإنقاذ خشية من تداعيات سياسة عدم التدخل، ولكنهم دافعوا عن التأميم نظرا لمسؤولية الحكومة تجاه ضرورة استمرار عمل الشركات المتعثرة.

 

نقاط تم تجنبها

وأثار المعارضون لخطط الإنقاذ عددا من النقاط المهمة التي تحاشى صناع السياسة مواجهتها مباشرة. ومن هذه:

 

- تحمل المخاطر من جانب البنوك الكبرى، إذ يحتاج الاقتصاد الأميركي من يأخذ على عاتقه المخاطرة من أجل توفير الخدمات المالية لغالبية المواطنين ورجال الأعمال.

 

- الصفقات المالية الكبرى للبنوك الكبيرة، إذ تحتاج الاتفاقيات والاستحواذات الكبرى وكذلك التحويلات المالية إلى صفقات تبرم مسبقا بسرية تامة علاوة على أن تقديم الاستشارة لهذا الجانب أو ذاك بخصوص صفقة كبرى يحتاج إلى الخبرة في مجال القوانين التي تحكم ذلك, وكذلك الاستشارات القانونية والتنظيمية والمحاسبية والعلاقات الحكومية والإعلامية، وهو ما لا يستطيع توفيره سوى البنوك الكبيرة.

 

-البنوك الكبرى يمكنها المتاجرة، لا تستطيع البنوك الصغرى والمتوسطة مجاراة الوضع في أسواق المال العالمية, ولكن البنوك الكبرى وحدها هي القادرة على ذلك.

 

-البنوك الكبيرة وليست الصغيرة أو المتوسطة هي التي تدعم المصالح التجارية، إذ لديها ما يكفي من إمكانات عمق التحقيق والتحري فيما يتعلق بالشركاء التجاريين، وهذا لا يمكن توفيره سوى عبر البنوك الكبيرة.

 

-البنوك الكبيرة تتوفر لديها تقنية المعلومات الكبيرة،

وتتوفر لدى البنوك الكبيرة تحليلات معلوماتية دقيقة بخصوص كل النشاطات التجارية من بطاقات الائتمان أو خدمات الرهن، وهو ما لا يتوفر سوى في حفنة من البنوك الصغيرة.

 

أنقذت الحكومة الأميركية شركتي التأمين فاني ماي وفريدي ماك من الإفلاس (الفرنسية-أرشيف)

 

وتفسر تلك النقاط سر نمو المؤسسات المالية بحجم كبير وكذلك مدى أهميتها وفائدتها للاقتصاد ككل.  

 

في الحقيقة هناك مشاكل كبرى فيما يتعلق بخطط الإنقاذ الشاملة الكبيرة خاصة الخشية من خلق مشاكل أخلاقية وخلق دوافع تجعل تلك المؤسسات تتصرف بعدم مبالاة في المستقبل على افتراض أن الحكومة ستتحمل أوزار الخسائر في حالة حدوث أخطاء.

 

ومهما ركزت إدارة أوباما على الإصلاحات التنظيمية, فإن عليها عدم تضييع الوقت والجهد في محاولتها للحد من حجم المؤسسات المالية، فيعد النظر الثاقب والإدارة الحكيمة أهم من ذلك كثيرا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة