التوجهات الاقتصادية ودورها في عزل مرسي   
الأربعاء 1434/9/17 هـ - الموافق 24/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 5:52 (مكة المكرمة)، 2:52 (غرينتش)

عبد الحافظ الصاوي

- العلاقات الخارجية
- فساد رجال الأعمال
- الاعتماد على الذات
- شفافية الموازنة

ما زلنا في الأيام الأولى لما ترتب عن عزل الجيش المصري لأول رئيس مصري مدني منتخب، وستظهر الأيام الكثير من أسباب ودواعي هذا العزل الذي يرى فيه أنصار محمد مرسي انقلاباً على الشرعية. ولكن يمكننا أن نرصد التوجهات الاقتصادية لنظام الرئيس المعزول والتي أدت إلى تحالف لوبي المصالح في الداخل والخارج، ممن سعوا في مؤازرة هذا العزل على الجانب الاقتصادي، وهم من رأوا في بقاء نظام مرسي خطرا على مصالحهم.

لقد ظل الاقتصاد المصري منذ فترات طويلة اقتصاداً ريعياً يعتمد على الخارج في تدبير الكثير من احتياجاته، رغم تمتع مصر بالعديد من الموارد التي تؤهلها لأن يكون لديها اقتصاد مستقل يعتمد على ذاته في تدبير احتياجاته بشكل كبير، بل ويستطيع أن يصدر للآخرين، ولكن الأمر يتعلق بخريطة مرسومة لتحجيم الدور الإقليمي والدولي لمصر.

لم يبق الرئيس مرسي أكثر من عام في سدة الحكم، وإن كان عاماً غير عادي، فقد رتبت له المعوقات في الداخل ولم يتفاعل معه العالم الخارجي بالشكل المطلوب، بل حتى في إطار ما أعلن من مساعدات من دول عربية وأوروبية، كما استمرت مراوغات صندوق النقد الدولي للحيلولة دون حصول مصر على قرض بقيمة 4.8 مليارات دولار.

ومن وجهة نظرنا فإن التوجهات الاقتصادية لمرسي كانت تستهدف إعادة بناء الاقتصاد المصري ليستقيم مع أداء دور جديد لمصر إقليمياً وعالمياً. وينبغي ألا ينظر للفترة القصيرة التي قضاها مرسي في السلطة على أنها كافية لتقييم أداء الرجل في حل مشكلات الاقتصاد التي يعاني منها منذ أكثر من 60 عاماً.

 هناك بعض التوجهات الاقتصادية التي تعتبر من وجهة نظرنا سبباً كافياً لما يسمى الانقلاب العسكري على نظام الرئيس مرسي، وخلقت تعاوناً ملحوظاً بين أصحاب المصالح الاقتصادية والعسكر في مصر

لقد أمكن رصد بعض التوجهات الاقتصادية التي تعتبر من وجهة نظرنا سبباً كافياً لما يسمى الانقلاب العسكري على نظام الرئيس مرسي، وخلقت تعاوناً ملحوظاً بين أصحاب المصالح الاقتصادية والعسكر في مصر. وهذه التوجهات هي:

العلاقات الخارجية
تركزت العلاقات الاقتصادية الخارجية لمصر على مدار العقود الأربعة الماضية على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي رغم علاقاتها الممتدة أفريقياً وآسيوياً ومع بعض دول أميركا اللاتينية. وقد لوحظ أن الرئيس مرسي أراد أن يكسر هذا الحاجز، وأن تتنوع العلاقات الاقتصادية لمصر مع العديد من الدول، ولا تخضع لما تمليه العلاقات مع واشنطن والغرب عموما.

ففي الوقت الذي انتهى فيه مرسي من زيارته للصين، كانت مصر تستقبل أكبر وفد من رجال الأعمال الأميركيين ليعرض على القاهرة خدماته في مجالات الاستثمار والتجارة، وذلك على عكس ما كان معمولا به في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك من تنظيم زيارة سنوية لبعض المؤسسات المصرية ورجال الأعمال تحت عنوان حملة "طرق الأبواب" والتي كانت تزور أميركا لمدة شهر وترجع خاوية الوفاض.

كما زار مرسي بزيارة كافة دول مجموعة بريكس (البرازيل وروسيا والصين والهند وجنوب أفريقيا) وغيرها من الدول، مما أعطى انطباعاً لدى الخارج بأن السوق المصري لم يعد حكراً على أميركا وأوروبا على صعيد العلاقات التجارية أو الاستثمارية، ولكنه مفتوح لمن يستطيع أن يخلق مصالح مشتركة مع مصر.

ولم يكن هذا التوجه الجديد في مجال العلاقات الاقتصادية الدولية لمصر ليريح أميركا والغرب، ولذلك وجدنا هذا الموقف غير الواضح من إدانة عزل الجيش لمصر من قبل هاتين الجهتين.

فساد رجال الأعمال
في خطاب مرسي باحتفالات 6 أكتوبر/تشرين الثاني 2012 أكد إصراره على ملاحقة الفساد، وفتح الرجل ملفات فساد بعض كبار رجال الأعمال، وعلى رأسهم اثنان من رموز عهد حسني مبارك: الملف الأول لرجل الأعمال نجيب ساويرس وتهربه الضريبي من صفقة بيع إحدى شركاته بالبورصة، والتي انتهت بدخول ساويرس في مصالحة مع مصلحة الضرائب المصرية ودفعه مبلغ 7.1 مليارات جنيه (أكثر من مليار دولار)، وكذلك رجل الأعمال أحمد بهجت المَدين للبنك الأهلي المصري بنحو 3.5 مليارات جنيه (قرابة 500 مليون دولار) عبر أحكام نهائية من التحكيم التجاري.

وكان في الطريق أيضاً قضايا تهرب ضريبي أخرى تخص رجل الأعمال محمد الأمين صاحب مجموعة من الفضائيات التي عملت طيلة فترة رئاسة محمد مرسي على التشويه الدائم لأي أعمال تستهدف الإصلاح الاقتصادي أو السياسي وغيره في البلاد. وكان من الإجراءات الأولى المتخذة عقب عزل مرسي، رفع اسم رجل الأعمال محمد الأمين من قائمة الممنوعين من السفر.

لم يكن توجه مرسي في مواجهة الفساد مريحاً لرجال الأعمال المحسوبين على نظام الرئيس المخلوع مبارك، وتوقعوا أن يتم فتح جميع الملفات، لذلك تمترسوا خلف المؤسسات الإعلامية التي يمتلكونها

لم يكن توجه مرسي في مواجهة الفساد مريحاً لرجال الأعمال المحسوبين على نظام الرئيس المخلوع مبارك، وتوقعوا أن يتم فتح جميع الملفات، لذلك تمترسوا خلف المؤسسات الإعلامية التي يمتلكونها أو تلك التي أنشؤوها في الفترة الأخيرة، ودفعوا بثقلهم خلف مظاهرات شعبية استند إليها الجيش في عزل مرسي.

الاعتماد على الذات
صرح مرسي غير مرة بأن مصر في عهده تسعى لإنتاج احتياجاتها من الغذاء والدواء والسلاح، وهي الثلاثية التي تمثل منجم الذهب للشركات المتعددة الجنسيات، ولبعض الحكومات التي تعتبر مصر أحد أسواقها الرئيسية.

فمصر تعتبر من الدول المستوردة بشكل كبير للغذاء والدواء والسلاح في السوق العالمي، حيث تستورد نحو 60% من احتياجاتها الغذائية، وتعتمد على المعونة العسكرية الأميركية التي تقدر سنوياً بنحو 1.2 مليار دولار، كما تنتج كميات كبيرة من الدواء، ولكنها تفتقد إلى البحوث والتطوير التي تعتبر عماد صناعة الدواء.

ولذلك وجدنا روسيا تسارع فور عزل مرسي إلى الدعوة لتقديم معونات قمحية لمصر، وليس ذلك حباً فيها ولكنه ترسيخ لعودتها إلى السوق العالمي كأكبر مستورد للقمح في العالم بكميات تقدر بنحو 7 ملايين طن سنويا.

الجدير بالذكر أن وزارة التموين والزراعة في عهد مرسي كانتا تستهدفان تحقيق اكتفاء ذاتي نسبي من القمح، وكانت خطة العام القادم 2013/2014 أن تنخفض واردات البلاد من القمح إلى نحو 4.5 ملايين طن فقط.

والمُطلع على التاريخ الاقتصادي لمصر منذ عهد محمد علي وحتى الآن يجد حرص القوى العظمى على أن تظل مصر دولة منتجة للمواد الأولية وصاحبة اقتصاد ريع، ولا تُمكّن من بناء قاعدة إنتاجية قوية تساعدها في تحقيق أمنها الاقتصادي، ولهذا وجدنا خلال الأيام الأولى أن حكومة حازم الببلاوي أعلنت عزمها فتح باب استيراد القمح من الأسواق الدولية بعدما كان مقرراً له أن يبدأ في نهاية ديسمبر/كانون الأول المقبل نظراً لتوافر احتياجات مصر من القمح المحلي طيلة هذه الفترة.

شفافية الموازنة
كانت الموازنة العامة الوحيدة التي حظيت بمناقشة واعتماد البرلمان منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 هي موازنة العام المالي 2013/2014. وتميزت مناقشة هذه الموازنة بعدة نقاط، منها أنه لأول مرة في تاريخ مصر تناقش موازنة رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، ويعلم الشعب المصري راتب رئيس الجمهورية وأنه بحدود 29 ألف جنيه (4141 دولار).

الموازنة الوحيدة التي حظيت بمناقشة واعتماد البرلمان منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 هي موازنة 2013/2014، وناقشت لأول مرة موازنة رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء

والأمر الثاني أن الموازنة كشفت حجم فساد كبير في الهيئات الاقتصادية وشركات قطاع الأعمال العام وسعت لتحجيم هذا الفساد. كما قصرت موازنة السطر الواحد على القوات المسلحة (دون الدخول في تفاصيل موازنة الجيش)، وألزمت جهات أخرى بتقديم موازناتها التفصيلية للمجالس النيابية، وهذه الجهات هي القضاء ومجلسا الشعب والشورى والجهاز المركزي للمحاسبات.

وكان قانون الموازنة يمكّن المؤسسات المذكورة في السابق من تقديم موازناتها في رقم إجمالي ودون أية تفاصيل، مما يؤدي إلى عدم الشفافية والمحاسبة لهذه الجهات الرقابية التي ينبغي أن تكون أول من يفصح عن بياناتها.

لذلك لم يرق لتلك المؤسسات الرقابية أن يستمر نظام مرسي الذي يقلص من مزاياها غير القانونية والتي تجعل منها مؤسسات رقابية مستقلة. وينطبق الأمر نفسه على باقي مؤسسات الجهاز الإداري للدولة، إذ استطاع مجلس الشورى من خلال الموازنة أن يرشد من نفقاته بنحو 2.8 مليار جنيه (قرابة 400 مليون دولار).

ومما يدلل على عدم قبول هذا الجهاز الإداري لبقاء نظام يتسم بالشفافية والمراقبة ووجود موازنة حقيقية لا شكلية، أن وزير التخطيط أشرف العربي في أول تصريح له ذكر أنه ستتم مراجعة موازنة العام المالي 2013/2014 التي اعتمدها مجلس الشورى المنتخب والرئيس المدني المنتخب، وحسب الإعلان الدستوري الذي أصدره عدلي منصور فإن أمر الموازنة من اختصاص الرئيس المؤقت.

إن المتابع للشأن المصري بعد عزل مرسي يجد أن هناك ردة عن كل الخطوات الإصلاحية التي تمت في عهد الرئيس المعزول، حتى أن بعض من أيدوا وباركوا خطوة المؤسسة العسكرية من النخبة المصرية مثل الإعلامي حمدي قنديل استفسر الببلاوي عن السر في أن تتضمن حكومته وزيراً متهماً في قضايا فساد.

في الختام قد لا أكون متسرعاً إذا ما قلت إن قضية ما يسمى الانقلاب العسكري في مصر ليست متعلقة بشخص الرئيس المعزول محمد مرسي، بقدر ما كانت تستهدف منهجاً ونظاماً أراد أن يكوّن لمصر اقتصاداً مستقلاً يعتمد على الذات في بناء قدرته، والندية وتبادل المصالح في علاقاته مع الخارج.
____________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة