مخاطر غياب المال العربي بجنوب السودان   
الأربعاء 1433/6/10 هـ - الموافق 2/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 21:19 (مكة المكرمة)، 18:19 (غرينتش)

                                                                               عبدالحافظ الصاوي

دور المانحين
اقتصاديات جنوب السودان
إمكانية المساهمة العربية
مخاطر الغياب العربي

دولة جنوب السودان هي أحدث دول العالم من حيث النشأة، وإذا كانت الحقيقية المرة أنها انتزعت من خريطة السودان بشكل خاص، ومن الجسد العربي بشكل عام، وبغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى هذا الأمر، فإننا اليوم أمام واقع جديد، تتجه فيه دولة جنوب السودان إلى بلورة توجهها الاقتصادي والسياسي.

ونظرًا لكونها من البلدان الأقل نموًّا، حسب التصنيف العالمي، فإنها سوف تلجأ إلى غيرها من الدول لبناء بنيتها الأساسية، وتنميتها الاقتصادية.

دور المانحين
وفي هذا الإطار أُعلن خلال الأيام الماضية عن قرض من الصين لصالح جنوب السودان بنحو 8 مليارات دولار على مدار سنتين، كما أن صندوق النقد الدولي سوف يدعو إلى مؤتمر مانحين لدعم جنوب السودان خلال الأيام القليلة القادمة للحصول على نحو 11 مليار دولار، وتأي دول الاتحاد الأوروبي في مقدمة الدول التي وعدت بتقديم الجزء الأكبر من هذا التمويل.

واللافت للنظر أن تتم هذه الوعود وسط غياب عربي تجاه دولة جنوب السودان، على الرغم من خطورة هذا الغياب الذي لوحظ منذ بدت أزمة الانفصال.

ويرجع التقصير العربي في هذه القضية إلى غياب التحرك الجماعي للدول العربية. فهناك بعض الاستثمارات العربية وبخاصة من قبل بعض المستثمرين المصريين، لكنهم يتصرفون أفرادًا بعيدًا عن توجه الدولة المصرية. وكذلك الحال بالنسبة لبعض المستثمرين العرب من دول أخرى.

ويلاحظ أن الوجود العربي للاستثمار في المجال الزراعي في السودان وجنوب السودان يعكس احتياج الدول العربية لهذا النوع من الاستثمار لتغطية احتياجاتها من الغذاء في الأجل المتوسط والطويل، وليس من قبيل بناء اقتصاديات الدولتين.

فدولة جنوب السودان على وجه التحديد تحتاج إلى مشروعات قوية للبنية الأساسية وإلى الطاقة في مجالي الصناعة والزراعة، وهي المجالات التي أسرعت الصين لتسهم فيها عبر قرضها المقدر بنحو 8 مليارات دولار.

يرجع التقصير العربي في قضية جنوب السودان إلى غياب التحرك الجماعي للدول العربية

اقتصاديات جنوب السودان
أُعلن عن انفصال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011. وتبلغ مساحة البلد الجديد  نحو 600 ألف كيلومتر مربع منها نحو مليوني هكتار صالح للزراعة. وتشغل الغابات نحو 29% من المساحة الكلية، وتقدر الثروة الحيوانية بنحو ثمانية ملايين رأس. ويبلغ عدد السكان نحو تسعة ملايين، إلا أن 80% منهم يعملون بالزراعة. وتبلغ نسبة الفقر بين العاملين في قطاع الزراعة 90%.

وتعتمد دولة جنوب السودان بشكل أساسي على عوائد النفط الذي يشكل نحو 98% من الناتج المحلي. وتعتمد البلاد في معظم تجارتها الخارجية على التعامل مع أوغندا وكينيا.

وقد تأثر اقتصاد جنوب السودان بالأحداث الأخيرة للنزاع مع السودان في منطقة هيجليج، حيث تراجعت إيراداته من النفط، مما أثر على معدلات التضخم بالارتفاع، وانخفاض سعر الصرف لعملة جنوب السودان، وانخفاض احتياطياته من النقد الأجنبي، مما استدعى فرض ضرائب  بمعدل 20% على مشروعات أجنبية، هي في الأصل معفاة من الضرائب مدة عشر سنوات.

ومن غير المناسب دخول جنوب السودان في حروب في هذه الفترة، حتى لا تتبدد موارده المحدودة في الحروب، ويظل بلدا فقيرا.

ومن القضايا الشائكة التي تعتبر محل خلاف بين السودان وجنوب السودان مقدار رسوم مرور نفط جنوب السودان عبر خط الأنابيب الموجود في السودان. فجنوب السودان يقدر هذه الرسوم بنحو دولار واحد للبرميل، في حين يرى السودان أن من حقه أن يحصل على 36 دولارا للبرميل.

ومن الأمور المؤثرة في اقتصاديات جنوب السودان عدم استقرار الأمن الداخلي بنسبة 100%، فلا تزال هناك نزاعات بين فصائل الجنوب، كما يعاني جنوب السودان من وجود معدلات فساد عالية في الإدارة الحكومية الوليدة.

إمكانية المساهمة العربية
قد يكون المدخل الخطأ لدى بعض المؤسسات أو الأفراد بالدول العربية التفكير في إقامة مشروعات استثمارية، ولو على سبيل المشاركة، وهو أمر ضروري لصالح دولة جنوب السودان.

ولكن مجال الحاجة الآن لدى دولة جنوب السودان الفقيرة -يمثل النفط المورد الوحيد المدر للدخل- هو العون العربي لتمويل مشروعات البنية الأساسية الصلبة أو المعرفية.

وإذا كانت دولة جنوب السودان ليست دولة عربية، فإن على الدول العربية أن تعي الدرس بأن دولة جنوب السودان حديثة عهد بالانفصال عن السودان، وبها عشرات الآلاف من خريجي الجامعات المصرية والسودانية والعربية، وتنتشر بها اللغة العربية، ويمكن توطيد علاقة الدولة الوليدة بالعالم العربي من خلال المصالح الاقتصادية. فالتجارب التاريخية تعكس مدى تأثر البلدان النامية بثقافة الدول التي قدمت إليها يد العون إبان استقلالها، وتلك التي ساهمت في بناء مشروعاتها القومية، كما هو الحال في التجربة المصرية تجاه الاتحاد السوفياتي الذي ساهم بقوة في تمويل وبناء السد العالي.

إن حاجة دولة جنوب السودان إلى بعض المليارات ليس بالأمر المعضل بالنسبة للدول العربية، فحجم الاستثمارات العربية بالخارج اقترب من تريليونَي دولار. وعلى العرب أن يعوا أن الحضور الغربي الصيني ليس إلا انعكاسا للمصالح الاقتصادية للحصول على الموارد الطبيعية من دولة جنوب السودان مدة طويلة وفي ظل شروط أقل كلفة، مقارنة بالمصادر الأخرى، فضلًا عن المصالح السياسية، والصراع بين الطرفين على مناطق النفوذ.

ويمكننا قراءة مصالح الصين ودول الاتحاد الأوروبي في دولة جنوب السودان، من خلال مقارنتها مع وضع مصر التي تحتاج إلى نحو 11 مليار دولار ولم تحصل على شيء منها حتى الآن بسبب شروط المانحين وصندوق النقد الدولي، على الرغم من أن حجم مصر مع الصين مثلا يصل إلى نحو خمسة مليارات دولار، ومع الاتحاد الأوروبي يبلغ نحو ستة مليارات. وكان الأولى أن يُقدم القرض إلى مصر، ولكن الثروات الطبيعية من نفط وغيره في جنوب السودان هي محط نظر المانحين الأوروبيين والصين.

حاجة دولة جنوب السودان إلى بعض المليارات ليس بالأمر المعضل بالنسبة للدول العربية، فحجم الاستثمارات العربية بالخارج اقترب من تريليونَي دولار

وتشير بيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2011 إلى أن العون العربي في عام 2010 بلغ 4.3 مليارات دولار، فضلا عن 7.5 مليارات قدمتها مؤسسات التمويل العربية في نفس العام.

ولا تقتصر الاستفادة من هذه الأموال على الدول العربية فقط، بل تذهب أيضًا إلى بلدان أخرى، فطبقًا للإحصاءات كانت استفادة الدول خلال الفترة من 1962 إلى 2010 من هذه الأموال على النحو التالي: الدول العربية 60%، دول آسيوية 22.1%، دول أفريقية 14.7%، دول أميركا اللاتينية 1.5%، أخرى 0.8%.

ومن هنا نجد أن لدى الدول العربية ما تقدمه لتمويل مشروعات البنية الأساسية في جنوب السودان، بما يؤدي إلى توطيد أواصر العلاقات الاقتصادية والسياسية لهذه الدولة بالدول العربية.

مخاطر الغياب العربي
•           بطبيعة الحال فإن تقديم التمويل من قبل الصين أو دول الاتحاد الأوروبي، يجعل  تنفيذ مشروعات البنية الأساسية وغيرها، بجنوب السودان لصالح شركات من الدول الممولة، وهو ما يضيع الفرصة على شركات عربية لها خبرات كبيرة في أعمال البنية الأساسية مثل "المقاولون العرب" المصرية، أو حتى في مجال الزراعة حيث تمتلك مصر مراكز بحثية لديها خبرات متقدمة في مجال الزراعة، ولديها خبرة أكبر بالوضع في جنوب السودان باعتبار العلاقات القديمة القائمة في إطار ملف الري ومياه النيل.

  • بحكم الانفصال الذي بموجبه أنشئت دولة جنوب السودان فإنها تفتقد إلى وجود موانئ بحرية ومن المفترض أن يمر النفط المنتج بها عبر أنابيب موجودة بأراضي السودان، إلا أن دولة جنوب السودان تفكر في إنشاء خطوط أنابيب بديلة تتجه بها نحو كينيا وإثيوبيا وجيبوتي.

ومن خسائر وجود هذا البديل أنه تكلفة من حيث المبدأ على دولة جنوب السودان وأن تنفيذه سوف يستغرق بعض الوقت، وهو الأمر الذي من شأنه أن يوقف إيرادات دولة جنوب السودان، إذا لم تتفق مع السودان على الرسوم المقدرة لمرور نفط جنوب السودان عبر خط أنابيب النفط الموجود بالسودان.

وأيًا كان الزمن المقدر للخط البديل عبر كينيا أو إثيوبيا وجيبوتي فإن اقتصاد جنوب السودان لا يتحمل وقف ضخ النفط حتى يستكمل خط الأنابيب البديل. كما أنه يقطع طريق المصالح الاقتصادية على السودان الذي يمكن التفاوض معه على استمرار تدفق النفط من دولة جنوب السودان نظير رسوم أو حصة من النفط.

كثيرة هي المحطات التي اختبر فيها الدور السياسي للمال العربي ولم يوفق، ودفعت الدول العربية ثمنًا باهظًا، مما نتج عنه هذا الدور المتواضع في إدارة النظام العالمي
  • يمثل الأداء الاقتصادي العالمي، نوعا من صراع المصالح. فتلك الاستثمارات العربية الموجودة في جنوب السودان قد تجد نفسها بعد فترة مُضيقًا عليها لصالح استثمارات الدول الممولة لمشروعات البنية الأساسية. ولا يعد ذلك افتقادًا لفرص استثمار فقط، ولكن عملية مطاردة في مجال الغذاء الذي تمثل فيه الاستثمارات العربية الجانب الأكبر، وبالتالي ستجد الدول العربية أنها تتحمل تكلفة عالية لوارداتها من الغذاء.
  • لا يخفى على أحد أن إسرائيل كانت من أول الدول التي سارعت بإنشاء سفارة لها في جنوب السودان. وقام رئيس جنوب السودان بزيارتها وطلب المساعدة منها في مجال الزراعة والاتصالات وهو الأمر الذي يؤثر على كثير من المصالح العربية سواء في مجال الاستثمار أو الأمن أو المياه، أو إدارة الصراع السياسي في قضية الشرق الأوسط الأولى وهي قضية فلسطين.
  • سوف يؤدي الوجود غير العربي إلى التركيز على تحسين الأوضاع الاقتصادية في جنوب السودان، في ظل تدهور واضح في السودان، وهو ما سيجعل المقارنة لصالح جنوب السودان اقتصاديًّا، وسيعزى تخلف جمهورية السودان وفقرها إلى كونها عربية إسلامية، في حين سيُرجع تحسن الوضع في دولة جنوب السودان لكونها أفريقية علمانية. ومن شأن هذه المقارنة أن تفتت السودان إلى مجموعة من الدويلات.

كثيرة هي المحطات التي اختبر فيها الدور السياسي للمال العربي ولم يوفق، ودفعت الدول العربية ثمنًا باهظًا، مما نتج عنه هذا الدور المتواضع في إدارة النظام العالمي.

فالعرب هم محط أنظار العالم باعتبارهم ممولين على أن يكونوا بعيدين عن دائرة اتخاذ القرار، على النقيض تمامًا من الدول الصاعدة (الهند والصين والبرازيل)، فهي تروض الغرب الآن، وتعلن صراحة عن الثمن الذي سوف تحصل عليه نظير تمويلها لسندات الدين الأوروبية والأميركية، أو دورها في مؤسسات التمويل الدولية مقابل حصتها في مجالس إدارة هذه المؤسسات، وإعادة خريطة سياساتها واتخاذ القرار داخلها.
ــــــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة