أبعاد السياسة المصرية لخفض فجوة الغذاء   
الأربعاء 1431/12/17 هـ - الموافق 24/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 23:40 (مكة المكرمة)، 20:40 (غرينتش)
 


شهدت السياسة المصرية في تطوير مصادر المياه جدلاً واسعاً خلال السنوات الماضية، وذلك بعد التحركات الدولية بشأن إعادة النظر في الأوضاع القانونية لنهر النيل، وتكمن أهمية مصادر مياه النيل في ارتباطها المباشر والأصيل بقضايا التنمية الاقتصادية وكل شؤون الحياة في مصر، ومن ثم يعد من الأهمية مناقشة السياسات المائية المصرية في ضوء تطور القطاعات المرتبطة بالمياه وخاصة قطاع الزراعة وفي ضوء الخلافات السياسية حول تقاسم مياه النيل.
 
السياقات السياسية للمياه
وقد بدأ الجدل حول تقسيم مياه النيل في منتصف الثمانينيات، حيث بدأ النقاش حول تخصيص المياه لأغراض الري، في إطار سياسة كلية لتطوير موارد النهر من خلال وضع صيغة جماعية لتوزيع مياه النيل، ومنذ تلك الفترة طرحت عدة صيغ لتطوير استخدامات المياه، ومنها سياسة التخزين القرني في البحيرات العظمى وتحسين المجارى المائية في منابع النيل وأيضاً مشروع "التيكو نايل 2000".
 
 وقد تواكبت هذه السياسة مع محاولات للتكامل الاقتصادي بين مصر والسودان، تضمنت تحسين المجاري المائية في جنوب السودان، لكنها توقفت بسبب الحرب الأهلية والخلافات بين الحكومة المصرية والحكومات السودانية خلال الفترة ما بين 1986–1997، وتتماثل المشكلات التي واجهت مشاريع التكامل مع السودان مع مشكلات دول حوض النيل الأخرى، حيث يسود عدم الاستقرار السياسي في بلدان المنابع والنقص الشديد في الخبرات الفنية، بحيث أدت لتوقف غالبية المشروعات وذلك باستثناء التنسيق في إدارة مياه النيل، فيما ظلت الخلافات المتعلقة بتوزيع المياه تدور في حلقة مفرغة، نظراً لتعدد المعايير وتباين المواقف بشأنها.

 وقد شهد الإطار القانوني لنهر النيل تطورات على مدى ما يقرب من مائة عام أدت لحصول مصر على ما تعتبره حقوقاً مكتسبة وتتمثل في عدم قيام أي دولة بأعمال على النهر دون الإخطار المسبق.
 
 وقد جاء توقيع أربع دول على إطار "عنتيبي" ، كمبادرة جديدة لدول حوض النيل، بمثابة تحد للسياسة المصرية التي تقوم على فكرة الحقوق التاريخية المكتسبة، ورغم أن صياغة إطار " عنتيبي" في 10 مايو/أيار 2010 تقوم على التضامن الجماعي في الاستفادة من موارد النهر، فإن ظهوره في سياق الخلاف على معايير قسمة المياه وتعددها يهز المصالح المصرية، وذلك لسببين، الأول أنه يدخل في حسابات قسمة المياه مناطق لا تعتمد على مياه النهر وإنما تعتمد على الزراعة المطرية، أما الثاني فهو ما يتعلق بزيادة التدخل الأجنبي في الدول الأفريقية.

وبشكل عام، ترتب على الأطر القانونية حصول مصر على حصة مقدارها 55.5 مليار متر مكعب عند السد العالي، وبإضافة مياه الآبار الجوفية (الصرف الزراعي والصناعي والصحي) والأمطار يبلغ إجمالي الموارد المائية المصرية من المياه العذبة نحو 69 مليار متر مكعب سنويا.
 
ويقدر نصيب الفرد من المياه العذبة سنويا بحدود 860 متراً مكعباً، وذلك بغض النظر عن كفاءة إعادة استخدام مياه الصرف بأنواعها المختلفة.
 
 ومع ثبات هذه الحصة انخفض نصيب الفرد من مياه النيل إلى 700‏ متر مكعب سنويا في عام 2010، وذلك في مقابل 2700 متر مكعب في عام 1950، وتتوقع تقارير مجلس الوزراء للمعلومات انخفاضه إلى 534 متراً مكعباً في عام 2030، وهو معدل أقل من حد الندرة المقدر بألف متر مكعب سنويا، وهو ما يثير الجدل حول تفاقم العجز المائي في السنوات القادمة، وإذا ما أضفنا انخفاض كفاءة نظم الري وسوء استخدام المياه، فإن متوسط نصيب الفرد الحقيقي يصل إلى أقل من هذا بكثير.‏
"
يرجع جزء كبير من مشكلة الغذاء في مصر إلى انخفاض معدلات نمو الإنتاج الزراعي التي تصل إلى نحو 3% سنوياً، وتراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 14.1% سنوياً

"

وهناك جدل حول العلاقة بين الزيادة السكانية وتزايد الفجوة الغذائية، حيث تميل السياسات الحكومية لتفسير نقص الإنتاج والفجوة الغذائية لتزايد حجم السكان.
 
ويرتبط هذا التفسير بالعلاقة المباشرة بين الإنتاج والاستهلاك، ولكنه لا يأخذ في الاعتبار المتغيرات الوسيطة، كسياسات الإنتاج والتدريب واتجاهات تطور النظام الاقتصادي وتناسق السياسات الزراعية.
 
 وبشكل عام يمكن القول إن ما تشهده مصر هو فجوة في الإنتاج، فالسياسات الزراعية والصناعية ساهمت بقدر كبير في زيادة فجوة الغذاء بنحو 50% من السلع الغذائية الضرورية، وقد تزايدت الفجوة بسبب شدة الميل للتوسع في الواردات بدلاً من تطوير سياسات الري والزراعة، وفي ظل ضعف تنافسية القطاع الزراعي المصري أدى التوسع في الواردات الزراعية لتحول النشاط نحو المحاصيل النقدية وتشتت التركيب المحصولي.

ويرجع جزء كبير من مشكلة الغذاء في مصر إلى انخفاض معدلات نمو الإنتاج الزراعي التي تصل إلى نحو 3% سنوياً، وتراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 14.1% سنوياً، فيما يرتفع الطلب على الاستهلاك على المنتجات الغذائية، مما أدى لتزايد الاعتماد على الواردات.
 
وفيما يتعلق بتوقع تزايد إنتاج المحاصيل الغذائية، تذهب الدراسات الأكثر تفاؤلاً إلى احتمال زيادتها بمعدل 2.8% حتى عام 2030، حيث يتوقع أن تصل إلى أكثر من 11 مليون طن من الحبوب، ونحو 13 مليون طن من المنتجات الحيوانية، وبهذا المعنى تظل دون مستوى الفجوة الغذائية.

ويعكس تباطؤ معدل النمو الاقتصادي الجانب الآخر لمشكلة نقص الغذاء، فإنه رغم استقرار معدل النمو بمتوسط 7% خلال الفترة 2005–2009، فإنه اتجه للانخفاض مع الأزمة الاقتصادية بنهاية عام 2008 ليبلغ 5%، وهو ما يعكس شدة تأثر الاقتصاد المصري بالعوامل الخارجية، وهذا ما يثير التساؤلات حول القدرة على تبني سياسة توسعية داخل أو خارج مصر، وخاصة في ظل تراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية وانخفاض الإنفاق العام.
 
كما أن ثمة قيوداً أخرى يفرضها النظام الاقتصادي على التنمية، تتمثل في انخفاض مرونة القطاعات الاقتصادية وضعف الاعتماد المتبادل فيما بينها وخاصة الصناعات الغذائية والاعتماد بشكل أساسي على الواردات.
 
سياسات خفض العجز المائي
ولتغطية العجز المائي اتخذت مصر عدداً من السياسات لخفض الفجوة الغذائية وزيادة تأمين الاستخدامات الأخرى للمياه، وفي هذا السياق يمكن التمييز بين مجموعتين من السياسات تتركزان في:

السياسات الداخلية: ولمواجهة الفجوة الغذائية وضعت الدولة سياسة تقوم على ثلاثة محاور يتم تطبيقها خلال الفترة 2010–2030، وهي التوسع الأفقي لاستصلاح‏ 2.3 مليون فدان، وتطوير التركيب المحصولي، ورفع الكفاءة الإنتاجية للموارد الزراعية ‏( الأرض والمياه‏).

1- ومع حدوث التحول الاقتصادي، تراجعت مساهمة الشركات العامة في النشاط الاقتصادي، فعلى مستوى قطاع استصلاح الأراضي ومنذ صدور قانون ‏89‏ لعام ‏1998‏ الخاص بلائحة المناقصات والمزايدات، انخفض حجم الأعمال المنفذة لشركات استصلاح الأراضي الخمس بنسبة 50%‏ من واقع ميزانية عام‏ 2009‏/2010 مقارنة بالسنوات السابقة‏، فيما تزايدت أعمال الشركات الخاصة.
 
وهذا النمط من النشاط الاقتصادي أدى إلى وجود تشوهات في البنى الاقتصادية الجديدة، فمن ناحية تعطلت المشروعات التنموية لاستيعاب خريجي الجامعات والمدارس الفنية في مشروعات القطاع الزراعي، ومن ناحية أخرى أدى لوجود ملكيات واسعة، فيما تشكل الحيازات الصغيرة النمط المهيمن على الملكية في مصر.

2- كما تدخلت الدولة في التوجيه لزراعة المحاصيل قليلة الاستهلاك للمياه، وقللت من مساحة زراعة الأرز دون وضوح سياسة لتوفير السلع البديلة، وعملت على زيادة أسعار الذرة لخفض مساحات الأرز.
 
غير أن هذه السياسات لم تحقق أهدافها، حيث حظرت التوسع في زراعة الأرز ولم يحدث توسع في زراعة الذرة أو القمح، ورغم الانتقادات التي وجهت للتركيب المحصولي قبل التسعينيات من القرن الماضي، بسبب هيمنة محصول القطن على المحاصيل الزراعية، فإن السياسة الزراعية الحالية ساهمت في تشتت التركيب المحصولي منذ بداية التسعينيات فشهد تنوعاً كبيراً، لكنه ساهم في انخفاض المخزون من السلع الإستراتيجية، وخاصة ما يتعلق بتدهور المساهمة الاقتصادية للقطن.

وتحاول الدولة وضع صيغة تعاقدية لشراء المحاصيل من صغار المزارعين، لتشجيع التسويق المحلي للمحاصيل وتنشيط دورة الإنتاج الزراعي، ولكن القيود التي تواجه هذه السياسة تتمثل في تشتت التركيب المحصولي وعدم وضوح السياسة الزراعية وصغر الحيازات الزراعية، وهي أوضاع تقلل الجدوى الاقتصادية لدخول الشركات لتسويق المحصولات الزراعية، خاصة أن غالبية الإنتاج يستخدم لتغطية الاستهلاك المحلي، وقد شهدت السنوات الماضية تراجع دور شركات تسويق وتصدير المحصولات الزراعية.

وبشكل عام، اتجهت مصر للاعتماد على الواردات الزراعية وخاصة من الحبوب، ومع تزايد الاعتماد على الواردات صارت البلاد تمثل ثاني دولة في العالم تستورد القمح منذ عام 2005، حيث وصل حجم الواردات إلى 12.2 مليون طن، فيما بلغ حجم إنتاجه 7.4 ملايين طن، وهو ما يمثل حوالي 40% من حجم الاستهلاك العام، وهذا ما ينطبق على كثير من السلع الغذائية الأخرى، وهذه السياسة تعبر عن الاختلال الهيكلي في سياسات الإنتاج .

3- التوسع في مشروعات تحلية المياه: وقد تبنت وزارة الموارد المائية سياسة للتوسع في مصادر المياه لرفع نصيب الفرد إلى 1000 متر مكعب سنوياً، وتسعى هذه السياسة للخروج من خط الفقر المائي، وذلك بزيادة الموارد من المياه الجوفية وتحلية مياه البحر وتعزيز التعاون مع دول حوض النيل.‏

التوسع الخارجي: وتقوم فلسفة التوسع الخارجي على الحصول على المياه في صورة منتجات زراعية أو حيوانية، وفي هذا السياق، اتجهت السياسة المصرية لتعويض النقص في حصة المياه وانخفاض المساحة الزراعية، بالتوسع في الزراعة في دول حوض النيل، وخاصة زراعة محاصيل الحبوب، وتحدثت وزارة الزراعة عن زراعة مليوني فدان على الحدود المصرية/السودانية، وتطوير التعاون الزراعي في منطقة الجزيرة، وزراعة القمح في أوغندا والتبغ في إثيوبيا.

وتسعى السياسة المصرية تجاه دول حوض النيل لتدعيم الاعتماد المتبادل، حيث تقوم السياسة تجاه إثيوبيا على تطوير التعاون في مجال الثروة الحيوانية باستثمارات تصل إلى 100 مليون دولار، لسد النقص في الاحتياجات المحلية من اللحوم، وتطوير نظم الري، وذلك بقروض من البنك الدولي وصندوق التنمية الزراعية تصل إلى 84 مليون دولار.

وفي سياق تداعيات الأزمة السياسية مع دول حوض النيل، اتجهت السياسة المصرية لتحسين العلاقات مع إريتريا، ليس باعتبارها واحدة من دول الحوض، ولكن لموازنة الدور الإثيوبي، وقد اقتربت السياسة المصرية تجاه إريتريا بعد أزمة بيان دول حوض النيل في شرم الشيخ في مايو/أيار 2010، من مستوى العلاقات العامة، حيث اقتصرت على الرغبة في تحسين العلاقات دون وضوح سياسات محددة للتعاون بين البلدين، وذلك على خلاف تناول العلاقة مع دول الحوض الأخرى، فالسياسة تتناول مشروعات للتكامل الاقتصادي والتعاون في بعض الجوانب الثقافية.
 
غير أنه من الملاحظ أن السياسة المصرية تجاه دول القرن الأفريقي، لا تتسم بالوضوح أو التناسق، حيث يتضح أنه بينما تتزايد كثافة العلاقة مع إثيوبيا ينخفض مستوى التفاعل مع إريتريا، وقد يرجع ذلك جزئياً إلى صعوبة الجمع بين علاقات نشطة مع كل من البلدين في نفس الوقت، ولذلك تتجه السياسة المصرية للمفاضلة ما بين العلاقة مع إثيوبيا والعلاقة مع إريتريا، كما أن تكرار إثارة مشكلة مثلث حلايب تقلل من فاعلية الاعتماد المتبادل مع السودان، وهذا الوضع يعكس أحد جوانب اهتزاز الرؤية السياسية تجاه الدول الأفريقية.
 
القيود على سياسات خفض الفجوة الغذائية
يواجه السياسة المصرية لخفض الفجوة الغذائية عدد من القيود أو المحددات، تتمثل في محورين:

1- أن المشكلات الخاصة بتقاسم مياه النيل لا تعد البعد الأكثر أهمية بالنسبة للسياسة الزراعية، حيث إنه من خلال الخصائص الهيدروليكية لنهر النيل، تمكن قراءة السياسات المائية لدول المنابع في ضوء اتجاه انحدار القارة الأفريقية نحو الشمال ونظم الري المطرية في غالبية هذه الدول، وهو ما يمثل صعوبة فنية في التأثير على توزيع حصص المياه، كما أنها لا تتبنى سياسة زراعية توسعية تقوم على الري الدائم، فمن الناحية التاريخية لا توجد سياسات أدت لتحويل مياه النيل عن مسارها الطبيعي.

"
اتجهت مصر للاعتماد على الواردات الزراعية وخاصة من الحبوب، ومع تزايد الاعتماد على الواردات أصبحت البلاد تمثل ثاني أكبر مستورد للقمح في العالم منذ  عام 2005، حيث وصل حجم الواردات إلى 12.2 مليون طن، فيما بلغ حجم إنتاجه 7.4 ملايين طن.

"


غير أن المشكلة التي تواجه السياسة المصرية، هي أنه بغض النظر عن هشاشة العلاقات الاقتصادية، فإن السياسة المصرية تواجه تحدي عدم الاستقرار السياسي في تلك البلدان، وتزايد احتمالات العودة للحرب الأهلية في ظل تصاعد المطالبة بتقرير المصير في إثيوبيا والسودان، وتزايد احتمالات انفصال جنوب السودان، وهو ما يؤدي لدورة جديدة من عدم الاستقرار السياسي.
 
ومن ثم فإن اتجاه السياسة المصرية نحو تغطية الفجوة الغذائية بالاستثمار الزراعي في دول حوض النيل يعمل في بيئة تتسم بارتفاع المخاطرة، خاصة في ظل ضعف أدوات التأثير التي لدى السياسة الخارجية المصرية، وتغلغل الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات في كل دول شرق أفريقيا، وبروز منافسين آخرين كإيران وإسرائيل ومجموعة دول شرق آسيا.

2-  انخفاض مستوى التكنولوجيا وهو ما يؤدي لانخفاض كفاءة القطاع الزراعي بنسبة 25–30%، وهذه الجوانب تتعلق بطرق الزراعة والتخزين والتسويق، وفي هذا السياق يمكن القول إن نظام الري يعاني من مشكلتين: الأولى غياب سياسة تنفيذية لتطوير وسائل الري وحماية المجاري المائية من التلوث والتعدي عليها حتى صارت لا تقوم بتوصيل المياه بشكل يغطي الحاجات الزراعية، أما المشكلة الثانية، فهي أن التوسع في زراعة الأراضي الصحراوية لم يرافقه تحسن في شبكة الري بسبب تراجع صلاحيات وزارة الري.
 
 وقد ترتب على هذا الوضع حدوث تباطؤ في معدل استصلاح الأراضي الزراعية وري الأراضي الصحراوية في غرب الدلتا من حصة مياه وسط وشرق الدلتا، وبشكل أدى للإضرار بالمحاصيل الصيفية في صيف 2010، وهذه المسألة وإن كانت توضح مخاطر العجز المائي وتشوه توزيع المياه، فإنها تكشف في ذات الوقت عن شبكات النفوذ السياسي وتغليب المصالح الخاصة على المصالح العامة، فخلال الصيف الماضي تم تحويل جزء كبير من مياه النيل لري الأراضي الصحراوية دون مراعاة حاجات المحاصيل في كثير من المناطق الخصبة.

ويرجع انخفاض تكنولوجيا الري والزراعة إلى انخفاض الإنفاق على البحوث العلمية الذي يقدر بـ25 مليون دولار ينفق غالبها على الأجور والمرتبات، وهو ما يلقي بظلال على إمكانية تطوير مشروعات تتلاءم مع طبيعة القطاع الزراعي وحاجات السكان، وخاصة في  ظل صغر الحيازات الزراعية، وقد أدى انخفاض مخصصات البحوث إلى الاعتماد في سياسة التقاوي والبذور على الواردات، مما أدى لارتباط قطاع الزراعة بتكنولوجيا زراعية لا تلائم البيئة المحلية.

ومن وجهة الاقتصاد السياسي، تعكس سياسات خفض الفجوة الغذائية الجوانب المتناقضة في السياسات العامة للدولة، فرغم أن القطاع الزراعي يشكل الجانب الرئيسي في النظام الاقتصادي، فقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة تشوهاً تجاه حماية الأراضي الزراعية وصيانة الموارد المائية، فإنه بينما يتزايد حجم السكان، فإن المساحة المزروعة تتناقص في الوادي والدلتا.
 
 وهذا التناقص لا يرجع لعوامل طبيعية، ولكنه يرتبط بمصالح النخبة السياسية، ويتضح ذلك في تسهيل البناء على الأراضي الزراعية لأغراض الانتخابات، مما أدى للبناء على مليون فدان خلال الفترة 1970-2008 وفقا لتقرير البنك الدولي، تمثلت في منشآت ومساكن كان من الممكن بناؤها في الصحراء، وهي مساحة لا تغطيها المساحات المستصلحة على مدى أربعين عاماً، كما يساهم انخفاض الاستثمارات الزراعية في هجرة الأيدي العاملة إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى وزيادة الفاقد في النشاط الاقتصادي.
ـــــــــــــــ
 

 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة