حتمية شمولية أجندة التنمية   
الخميس 21/1/1436 هـ - الموافق 13/11/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:33 (مكة المكرمة)، 10:33 (غرينتش)

محمود محيي الدين-ماريا بياتريس أورلاندو

وعي بالأهمية البالغة للشمولية
نظام لتحويل الأهداف إلى تدابير
نماذج للشمولية في التنمية

لقد أحرز العالم تقدماً كبيراً نحو تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية منذ بدء العمل بها في عام 2000. ولكن من المؤسف أن العديد من البلدان ما تزال بعيدة عن تحقيق هذه الأهداف، وحتى في البلدان التي حققت تقدماً كبيرا فإن هناك بعض المجموعات التي أغفلت بشكل مستمر، بما في ذلك السكان الأصليون وسكان الأحياء الفقيرة أو المناطق النائية، والأقليات الدينية والمعاقون.

يؤكد تقرير حديث صادر عن البنك الدولي أن فهم الأسباب وراء ذلك أمر بالغ الأهمية لضمان المزيد من الفعالية والشمول في جهود التنمية في المستقبل.

إن الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي ليس مشكلة أخلاقية فحسب، بل هو أيضاً مكلف للغاية. إذ يشير تقرير صادر عن البنك الدولي في عام 2010 إلى أن استبعاد الغجر من المنظومة التعليمية والاقتصادية في أوروبا نتج عنه خسائر سنوية في الإنتاجية تقدر بما لا يقل عن 172 مليون دولار في صربيا، و273 مليون دولار في التشيك، و660 مليون دولار في رومانيا (باستخدام أسعار الصرف في أبريل/نيسان 2010).

وتعكس هذه الخسائر العواقب البعيدة المدى المترتبة على الاستبعاد. وقد وجدت منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي أن احتمالات التحاق الأطفال من ذوي الإعاقة بالمدرسة أقل من أقرانهم من الأطفال الأصحاء، ومعدلات بقائهم في المدرسة أيضاً أقل.

ففي إندونيسيا هناك تفاوت بنسبة 60% بين حصة الأطفال المعاقين ونظرائهم الأصحاء الملتحقين بالمدارس الابتدائية، وتفاوت بنسبة 58% للمدارس الثانوية. ومن الممكن أن تؤدي المشاعر الناتجة عن الإقصاء والتغريب إلى تقويض التماسك الاجتماعي، بل وقد تؤدي إلى الاضطرابات والصراع.

تقرير الفريق الرفيع المستوى من الشخصيات البارزة بشأن أجندة ما بعد 2015 على الشمولية أشار إلى أنه ينبغي ألا يحرم أي أحد من حقوق الإنسان العالمية والفرص الاقتصادية الأساسية، بصرف النظر عن العرق والجنس والجغرافيا والإعاقة وغيرها

وعي بالأهمية البالغة للشمولية
وتعكس أجندة التنمية الناشئة التي ستأتي خلفاً للأهداف الإنمائية للألفية وعياً أكثر فِطنة بالأهمية البالغة للشمولية. وقد أكد الفريق الرفيع المستوى من الشخصيات البارزة في تقريره بشأن أجندة ما بعد 2015 على الشمولية، مشيراً إلى أن "ينبغي ألا يحرم أي أحد من حقوق الإنسان العالمية والفرص الاقتصادية الأساسية، بصرف النظر عن العرق والجنس والجغرافيا والإعاقة وغيرها".

وشدد التقرير على أن الأجندة التالية للتنمية لا بد أن تنصب على "إنهاء التمييز" و"معالجة أسباب الفقر والإقصاء وعدم المساواة".

وعلى هذا الأساس، فليس من المستغرب أن تكون الشمولية حجر الزاوية في الاقتراح الجديد الطموح للأجندة التي ستحل محل الأهداف الإنمائية للألفية، أو أهداف التنمية المستدامة بدءاً بعملية انتقاء الأهداف، حيث تلعب البلدان النامية دوراً رئيساً.

إن تحقيق أهداف الشمول الاجتماعي والاقتصادي لن يكون بالمهمة السهلة. فلا بد أن تكون الأهداف محددة بوضوح، وقابلة للقياس وللتنفيذ، ولا بد أيضاً أن تحظى بالدعم من خلال المراقبة الفعالة والتقييم والأطر المشتركة للمساءلة والمحاسبة.

نظام لتحويل الأهداف إلى تدابير
وعلاوة على ذلك، لا بد من إنشاء نظام لمساعدة البلدان في تحويل الأهداف العالمية المتفق عليها في الأمم المتحدة إلى تدابير ملموسة تتناسب مع الظروف الاقتصادية والأعراف الاجتماعية الخاصة التي تطبق فيها.

ولتحقيق هذه الغاية استضافت حكومة المكسيك سلسلة من الحلقات الدراسية الحرة هذا العام، والتي شارك فيها ممثلون من الحكومات، وهيئات الأمم المتحدة، وبنوك التنمية المتعددة الأطراف، والأوساط الأكاديمية لتبادل الرؤى وأفضل الممارسات والمنهجيات لتنفيذ وقياس ومراقبة الأهداف الشاملة والمستدامة. وقد استنارت هذه المناقشات بالتزام المجتمع الدولي بمعالجة الأسباب البنيوية للفقر والتفاوت والتدهور البيئي.

ويكمن الشمول الاجتماعي والاقتصادي في صلب أهداف مجموعة البنك الدولي المتمثلة في القضاء على الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك. ففي نهاية المطاف لا يمكن تحقيق هذه الأهداف ما لم يستفد الجميع من الاستثمار في التنمية، وضمان هذا الأمر يتطلب التركيز على المجموعات التي كانت مهمشة على نحو مستمر.

الشمول الاجتماعي والاقتصادي يقع في صلب أهداف مجموعة البنك الدولي المتمثلة في القضاء على الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك. ففي نهاية المطاف لا يمكن تحقيق هذه الأهداف ما لم يستفد الجميع من الاستثمار في التنمية

ولهذا السبب، كان البنك الدولي حريصاً على إقرار المساواة باعتبارها موضوعاً رئيساً للاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي هذا العام.

نماذج للشمولية في التنمية
إن السياسات والبرامج التي تسعى إلى معالجة قضية الشمول الاجتماعي لا تفعل ما يزيد على غيرها بالضرورة، بل إنها تقوم بما تقوم به بطريقة مختلفة. وباتباع هذا النهج، نجحت جنوب أفريقيا في تحقيق تقدم كبير، بحيث انتقل من الفصل العنصري المؤسسي إلى الفكرة المثالية (أمة قوس قزح) في غضون عقدين.

وعلى نحو مماثل عززت بنغلاديش من الشمول والدمج من خلال توسيع المشاركة في نظام العدالة المحلية غير الرسمي (الشاليش) الذي كان ذات يوم إقصائياً. كما أبرز مشروع الحد من الفقر في الجبال الشمالية في فيتنام، والذي تأسس بغرض توفير الخدمات الاجتماعية المُحسنة، والبنية الأساسية المستدامة للقرويين الفقراء في المنطقة، الدور الحيوي الذي من الممكن أن يضطلع به أعضاء مجتمع الأقليات العرقية في مبادرات التنمية.

وأخيرا، استهدف مشروع التعليم التعويضي الشامل لتنمية الطفولة المبكرة العمل الوثيق مع المجموعات المستبعدة لتحديد حاجياتها الخاصة، ويركز المشروع على توسيع القدرة على الوصول إلى خدمات تنمية الطفولة المبكرة وتحسين نتائج التعلم في البلديات الأكثر تهميشا.

وعلى سبيل المثال، عمل البرنامج على توفير التعليم الثنائي اللغة، نزولاً عند طلب الآباء من السكان الأصليين.

ولا شك أن تصميم أجندة تنمية شاملة لفترة ما بعد العام 2015 ليس سوى خطوة أولى، وسيستلزم تنفيذها بنجاح انتهاج سياسات جريئة، فضلاً عن التعاون العالمي المعزز الذي يعالج تأثير الإقصاء والأسباب الكامنة من ورائه.

وفضلا عن ذلك، يتعين على زعماء العالم أن يستفيدوا من الدروس الرئيسة من تنفيذ الأهداف الإنمائية للألفية، فالأهداف الواضحة والتمويل الكافي والبيانات المُحسنة من العناصر التي تشكل ضرورة أساسية لدعم السياسة التي تستند إلى الأدلة، ومراقبة فعاليتها. وبتبني هذا النهج يصبح بوسع أجندة التنمية القادمة أن تضمن أخيراً المكسب لكل المجموعات من حيث الفرصة الاقتصادية والتقدم الاجتماعي.
ـــــــــــــ
محمود محيي الدين: مبعوث رئيس البنك الدولي الخاص لشؤون الأهداف الإنمائية للألفية.
ماريا بياتريس أورلاندو: كبيرة خبراء التنمية الاجتماعية لدى مجموعة البنك الدولي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة