"النقد" الفلسطينية.. نجاح تنظيمي وإخفاق تنموي   
الأربعاء 1436/10/13 هـ - الموافق 29/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:03 (مكة المكرمة)، 16:03 (غرينتش)

بكر ياسين إشتية

الأداء التنظيمي
التوظيفات الخارجية والائتمان المصرفي
الكلفة والمخاطرة
سياسة الحد الأدنى لرأس المال

تأسست سلطة النقد الفلسطينية وتسلمت صلاحياتها من الجانب الإسرائيلي عام 1995 بناء على نص المادة الرابعة من بروتوكول باريس الاقتصادي، إذ منحت سلطة النقد وفق البروتوكول كافة صلاحيات ترخيص وتنظيم ورقابة أداء المصارف في الأراضي الفلسطينية، دون حق إصدار عملة فلسطينية، الأمر الذي قيّد قدرتها على التحكم بالسياسات النقدية المرتبطة عادة بوجود نقد وطني، وبالتالي التأثر المباشر بالسياسات النقدية للشيكل الإسرائيلي لكونه عملة التداول المعتمدة في الأراضي الفلسطينية.

من هنا وبعد عشرين عاما على تأسيسها، تبرز الحاجة إلى تقييم الدورين التنظيمي والتنموي لسلطة النقد باعتبارها المؤسسة النقدية الممهدة للتحول إلى مصرف مركزي.

الأداء التنظيمي
المتتبع للأداء التنظيمي لسلطة النقد من حيث سلامة الأداء المالي للقطاع المصرفي وحماية حقوق المودعين وتعظيم ربحية المساهمين، يجد أنها من أكثر المؤسسات الفلسطينية كفاءة في أدائها المالي والإداري. فمن جهة نجد أن سياسات هذه المؤسسة ضمنت للقطاع المصرفي نموا سريعا في صافي الأرباح، إذ انتقل من 78 مليون دولار عام 2007 إلى 145 مليونا عام 2014، أي بزيادة نسبتها 86%.

الجهاز المصرفي الفلسطيني أظهر قدرة عالية على امتصاص الصدمات كالانقطاع المتكرر لرواتب الموظفين وما صاحبها من أزمة سيولة، والحرب الأخيرة على قطاع غزة، وهو ما أظهرته اختبارات فحص التحمل الأخيرة التي أجريت للقطاع المصرفي

ويكفي أن نعلم أن معدل العائد على حقوق الملكية (ربحية المصرف نسبة لما يملكه المساهمون فيه) بلغ لدى البنك العربي 19.5%، بينما لم تتجاوز تلك النسبة 8.27% في مصرف ليئومي، أكبر المصارف الإسرائيلية.

أما من حيث سلامة الأداء المالي، فرغم بعض التراجعات الطفيفة عام 2014 في مؤشرات كل من معدل كفاية رأس المال، والعائد على معدل الأصول، والعائد على معدل حقوق الملكية، فإن الجهاز المصرفي الفلسطيني أظهر قدرة عالية على امتصاص الصدمات، كالانقطاع المتكرر لرواتب الموظفين وما صاحبها من أزمة سيولة، والحرب الأخيرة على قطاع غزة، وهو ما أظهرته اختبارات فحص التحمل الأخيرة التي أجريت للقطاع المصرفي.

يضاف إلى ذلك العديد من الأنظمة والتعليمات الصادرة عن سلطة النقد الفلسطينية الناظمة لأداء الجهاز المصرفي، بما يضمن حماية حقوق المودعين، وتقليل مخاطر الائتمان، وتطوير الأنظمة المصرفية.

لكن السؤال الأبرز في هذا السياق يتمحور حول مدى نجاعة الأداء التنظيمي المتميز لسلطة النقد في أخذ زمام المبادرة لإحداث التنمية الاقتصادية المرجوة، الأمر الذي سيقودنا إلى تحليل وفهم العديد من المؤشرات التنموية المرتبطة بكل من أدوات الأداء المصرفي والسياسات النقدية لسلطة النقد.

التوظيفات الخارجية والائتمان المصرفي
تعبّر التوظيفات الخارجية عن مجموع ما يخرج من ودائع الفلسطينيين في المصارف المحلية على شكل إعادة إيداع أو استثمار في المصارف والمؤسسات الأجنبية خارج المناطق الفلسطينية، وهي تشكل تسربا نقديا يحرم الاقتصاد المحلي من فوائض مدخراته، لكنه من وجهة نظر المصارف الفلسطينية يعتبر ملاذا آمنا للتقليل من درجة المخاطر الائتمانية.

ورغم أن سلطة النقد أقرت عام 2009 خفض سقف التوظيفات الخارجية من 65 إلى 55%، فإن حجم تلك التوظيفات ارتفع من 3.413 مليارات دولار عام 2009 إلى 3.829 مليارات عام 2014، في حين ارتفعت التسهيلات المقدمة (القروض) للقطاع الخاص من 25.4 إلى 40.9% من مجموع ودائع العملاء في الفترة المذكورة، علما بأن نسبة التوظيفات الخارجية إلى إجمالي الودائع انخفضت من 54.2 إلى 42.8% بين عامي 2009 و2014، لكن الانخفاض في تلك النسبة جاء لصالح التسهيلات الائتمانية الاستهلاكية على حساب نظيرتها الإنتاجية.

وأدت سياسات خفض الائتمان والتوسع في الإقراض إلى زيادة حجم الإقراض المحلي تحت بندي إقراض استهلاكي وتمويل شراء سيارات خاصة، من 110 ملايين دولار عام 2008 (6% من مجموع التسهيلات الائتمانية) إلى 1.09 مليار دولار عام 2014 (22% من مجموع التسهيلات)، أي بزيادة قدرها 980% في ست سنوات.

أما الإقراض الصناعي، فقد تراجعت حصته من 8.4 إلى 5.3% من مجموع التسهيلات الائتمانية في الفترة ذاتها، وكذلك هو الحال في الإقراض الزراعي الذي تراجعت حصته من 1.9 إلى 1%.

وتؤشر هذه النسبة على أن سياسة خفض سقف التوظيفات الخارجية لم يصاحبها أي سياسة مكملة تدعم وتعزز من قدرة ورغبة المصارف الفلسطينية في توسيع قاعدة الإقراض لديها، نظرا لغياب أي رؤية باتجاه صياغة تنموية لمصارف متخصصة تتنافس على المقترض الصناعي والزراعي والاستثماري، مما أدى إلى رفع درجة منافسة المصارف الفلسطينية على التسهيلات الائتمانية متمثلة في القروض الاستهلاكية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن القطاع المصرفي الفلسطيني يخلو من أي مصرف إقراض متخصص في المجالات الاستثمارية والإنتاجية، وتقتصر قاعدة الإقراض فيه على الجانب الاستهلاكي.

مع إدراكنا محدودية الأدوات النقدية المتاحة لسلطة النقد، فإن الهامش المتفق عليه مع الجانب الإسرائيلي يتيح لها شيئا من الحركة والمناورة لقيادة دفة تنمية الاقتصاد الفلسطيني بما لا يتجاوز حدود إمكانياتها

الكلفة والمخاطرة
مع إدراكنا محدودية الأدوات النقدية المتاحة لسلطة النقد، فإن الهامش المتفق عليه مع الجانب الإسرائيلي يتيح لها شيئا من الحركة والمناورة لقيادة دفة تنمية الاقتصاد الفلسطيني بما لا يتجاوز حدود إمكانياتها.

غير أن هذا الدور التنموي المطلوب للجهاز المصرفي الفلسطيني يصطدم بجدلية الكلفة والمخاطرة، فانخفاض نسبة التسهيلات الائتمانية المقدمة لقطاعات الاستثمار والإنتاج ترجع في المقام الأول إلى ارتفاع معدلات الفائدة على الإقراض، والتي تصل بالمتوسط إلى 9.5%، الأمر الذي يمكن إرجاعه إلى ارتفاع درجة المخاطرة على الائتمان المصرفي.

ناهيك عن ارتفاع قدرة المصارف الفلسطينية على إعادة الإيداع في مصارف أجنبية، مما يحد من حاجتها إلى تقليل معدلات الفائدة على الإقراض ضمن سعيها للتخلص من فائض السيولة لديها.

يضاف إلى العاملين المذكورين ارتفاع كلفة الإقراض نتيجة وجود عدد كبير من المصارف نسبة إلى حجم السوق الفلسطينية (17 مصرفا و242 مكتبا وفرعا و5 مؤسسات إقراض متخصصة)، مما يعني أن التكاليف التشغيلية من ترخيص ومقرات وفروع ومكاتب وموظفين وضرائب ودعاية وعروض لا تتناسب وحجم الخدمات المصرفية المقدمة محليا.

إذن كيف يمكن لسلطة النقد قيادة المؤسسات المصرفية باتجاه تقليل الكلفة والمخاطرة، وبالتالي تقليل معدلات الفائدة على الإقراض؟

سياسة الحد الأدنى لرأس المال
بداية لا بد من إدراك حقيقة أن الحد الأدنى المطلوب لرأس مال المصرف يشكل الأداة الأبرز للبنوك المركزية في مسعاها لتحديد عدد المصارف العاملة وفق احتياجات أسواقها، وهي سياسة متاحة لسلطة النقد أدّعي أنها أساءت استخدامها بكثرة التدرجات في رفعه، فمن 35 مليون دولار إلى 50 مليونا، وصولا إلى 75 مليونا، والحديث جار عن مائة مليون.

وسوء الاستخدام لم يكن في مبدأ الرفع نفسه، فنحن بحاجة إلى رفع فوري للحد الأدنى دونما تدرج، وذلك لإجبار المصارف الصغيرة على الاندماج أو الاستحواذ لتجنب كلفة وكثرة العمليات القيصرية التي يعانيها القطاع المصرفي بعد كل عملية اندماج.

ولا شك أن التوسع في قاعدة رأس مال المصرف سيعمل على الاستفادة من وفورات الحجم، وبالتالي تقليل كلفة العمليات المصرفية على البنوك العاملة، ولن يصاحب هذا الانخفاض في التكاليف انخفاض في معدلات الفائدة على الإقراض إلا بعد خفض سقف التوظيفات الخارجية إلى النسبة التي تجبر المصارف الفلسطينية -في مسعاها للتخلص من فائض السيولة- على اتباع سياستي تنويع قاعدة الإقراض وعدم الاكتفاء بالتمويل الاستهلاكي من جهة، وخفض معدلات الفائدة من جهة أخرى.
ـــــــــــــ
محاضر بقسم الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية بفلسطين ورئيس القسم سابقا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة