سوق النفط واتفاق إيران النووي   
الأحد 9/10/1436 هـ - الموافق 26/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:32 (مكة المكرمة)، 10:32 (غرينتش)

سعد الله الفتحي

تعاني السوق النفطية من ضعف شديد كما يستدل من حركة الأسعار، فسلة أوبك من النفط وصلت 53.04 دولارا للبرميل في 23 يوليو/تموز الجاري بعد أن انحدرت تدريجيا من 64.96 دولارا للبرميل في 6 مايو/أيار 2015، أما نفط برنت فقد وصل إلى55.27 هبوطا من 69.63 دولارا للبرميل في المدة ذاتها.

من أسباب هذا الضعف زيادة العرض عن الطلب بما لا يقل عن مليوني برميل باليوم.  

ضغوط على الأسعار
آثار اتفاق إيران على السوق
إنتاج إيران 
 

ضغوط على الأسعار
فإنتاج أوبك حاليا 31.7 مليون برميل يوميا بحسب وكالة الطاقة الدولية و31.4 مليون برميل بحسب إحصاءات أوبك بعد زيادة إنتاج السعودية والإمارات والعراق، أي بزيادة عن سقف الإنتاج الذي حددته بثلاثين مليون برميل يوميا.

أضف إلى ذلك مخاطر الأزمة اليونانية على النمو في أوروبا وتباطؤ النمو في الصين وقوة الدولار تجاه العملات الأخرى، مما يجعل النفط أكثر كلفة للدول غير الولايات المتحدة.

وبالنسبة للتوقعات تقول الوكالة ان "نمو الطلب العالمي سينخفض بمقدار 1.2 مليون برميل يوميا في 2016 من واقع 1.4 متوقعة في هذه السنة"، إلا أن تقرير أوبك الشهري عمد إلى زيادة توقعات النمو هذه السنة بمقدار 0.1 مليون برميل يوميا، وقال "إن توقعات نمو الطلب في 2016 سترتفع إلى 1.34 مليون برميل يوميا"، غير أن المنظمتين تقتربان بحساب الطلب على نفط خام أوبك حيث تقدران ذلك بين ثلاثين وثلاثمئة ألف، وثلاثين ومئة ألف مليون برميل يوميا بالنسبة للوكالة وأوبك على التوالي.

وعلى الرغم من أن معظم المحللين يتوقعون استمرار الضعف في السوق فإن بعض البنوك تتوقع العكس، فعلى سبيل المثال "جي بي مورغان يتوقع ارتفاع سعر نفط برنت إلى 65 دولارا للبرميل في الربع الثالث وإلى 67 دولارا للبرميل في الربع الرابع من هذه السنة" بسبب موسم السياحة والسفر وموسم البرد الذي يليه.

آثار اتفاق إيران على السوق
المفاوضات بين إيران ومجموعة 5+1 من القوى الدولية والتي تمخضت عن الاتفاق النووي بدأت في 2013, واكتسبت زخما عندما انضم إليها كل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وكان لا بد أن تنتهي بنتيجة ما.

في حال سارت الأمور كما يجب بالنسبة للاتفاق النووي -وهو أمر مشكوك فيه- فإن إيران لن تتمكن من تصدير كميات إضافية من النفط قبل نهاية 2015

كما اكتسبت زخما آخر بعد صدور قرار من مجلس الأمن يؤكد أن الاتفاق يكون نافذا بعد تسعين يوما، مما أشعل المعارضة في الكونغرس الأميركي باعتباره التفافا على المناقشات الدائرة فيه بشأن إقرار الاتفاقية أو رفضها، حيث يسعى الجمهوريون وبعض الديمقراطيين لإسقاطها.

لكن حتى لو نجح المعارضون في العملية الطويلة المطلوبة وحصلوا على ثلثي أصوات المجلسين فليس من الواضح أين سيترك ذلك الولايات المتحدة تجاه حلفائها في أوروبا وتجاه روسيا والصين، وكلها صادقت على الاتفاق.

وفي إيران من الواضح أن من يوصفون بالمتشددين سيحاولون إسقاط الاتفاق أو على الأقل عرقلة تنفيذه، حيث صرح قائد الحرس الثوري محمد الجعفري بأنهم "لن يقبلوا الاتفاق"، وكذلك التصريحات الأخيرة لعلي ولايتي مستشار خامنئي بأن إيران لن تسمح بتفتيش مواقعها العسكرية تحت أي ذريعة.

إن الطريق ليست سالكة تماما، لكن ما أثر الاتفاق على سوق النفط؟

لقد أحدث الاتفاق الذي وصف "بالتاريخي البارز" ردة فعل سريعة حيث انخفضت الأسعار في يوم إعلانها دولارا للبرميل، إلا أن السوق استعادته بعد ساعات وارتفع بنفس المقدار، مما يدل على أنها لم تهتم بعد أن تبين أنه ليس هناك خطر عاجل من إنتاج إيران كميات كبيرة تؤثر سلبا على سوق متخمة بالنفط أصلا. 

ولم تحصل إيران على ما كانت تطالب به من رفع العقوبات بمجرد توقيع الاتفاق، إذ على الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تقوم أولا بالتحقق من تنفيذ إيران كافة المتطلبات الأولية من تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي إلى تصدير اليورانيوم المخصب فوق حد معين إلى تحوير مفاعل أراك ومركز فوردو ووضع أجهزة المراقبة والإجابة عن ما يتعلق بمشروع عسكري تشك الوكالة الذرية بوجوده وأن تقدم تقريرا في منتصف يناير/كانون الأول المقبل.

إنتاج إيران
إذاً حتى لو تم كل شيء دون تأخير -وهو ما مشكوك به- فإن إيران لن تتمكن من تصدير كميات إضافية من النفط قبل نهاية 2015.

فالوكالة تقول إن بإمكان إيران زيادة إنتاجها بين 0.6 و 0.8 مليون برميل يوميا خلال أشهر من رفع العقوبات، أما وزير النفط الإيراني زنغنة فقد صرح في فيينا أثناء انعقاد مؤتمر أوبك في حزيران بأن بلاده ستضخ مليون برميل يوميا زيادة خلال أشهر من رفع العقوبات، بينما قال في وقت سابق إن إيران ستزيد إنتاجها 0.5 مليون برميل يوميا بمجرد رفع العقوبات وبمثل هذه الكمية في الأشهر الستة اللاحقة.

المحلل من فلوريدا ريموند جيمس قال "من غير الواقعي أن نتوقع زيادة في إنتاج إيران حتى بعض الوقت في 2016"، و"نؤكد رأينا بأنه حتى في المدى المتوسط (12 إلى 18 شهرا) فلن يكون هناك أكثر من 0.5 مليون برميل يوميا إنتاجا إضافيا (الذي يعادل 0.6% من الإنتاج العالمي)، إنه ليس كثيرا ولكن ليس بوسعه أن يغير اللعبة".

ويشير المراقبون إلى وجود ما بين ثلاثين وأربعين مليون برميل من النفط الإيراني المخزن في ناقلات وستحاول إيران بيعه أولا عند رفع العقوبات، ويعتمد تأثيره على الأسعار بموجب سرعة بيعه، إذ ذكر أن بعض الناقلات توجهت إلى الأسواق لتكون قريبة من المستهلكين.

تعول إيران على إفساح المجال لها من قبل أوبك، لكن ليس من المتوقع أن تقوم المنظمة بأي إجراء قبل أن يتبين حجم الزيادة في الإنتاج الإيراني وقدرة السوق على استيعابه

ومن الملفت للنظر أن كثيرا من المحللين يقولون إن إيران لا يمكنها رفع إنتاجها بشكل كبير دون الاستعانة باستثمارات من الشركات العالمية.

ولست متأكدا إن كان ذلك حقيقة أم أنه دعوة إلى إيران لفتح حقولها للاستثمار الأجنبي كما حدث في العراق، لكن المؤكد أن بعض الشركات العالمية تتفاوض مع الإيرانيين بشأن قضايا معلقة أو بشأن استثمارات جديدة، وحتى لو تحقق ذلك فإنه سيستغرق وقتا طويلا قبل أن يؤثر على إنتاج إيران.

وتعول إيران على إفساح المجال لها من قبل أوبك، لكن ليس من المتوقع أن تقوم المنظمة بأي إجراء قبل أن يتبين حجم الزيادة في الإنتاج الإيراني ويتمكن السوق من استيعابها حتى لو كان ذلك بتأثير محدود على الأسعار.

 ويرى آخرون أن الزيادة في إنتاج إيران قد تساعد سياسة السعودية على الضغط على المنتجين، خاصة في الولايات المتحدة.

ويبدو أن أمين عام أوبك عبد الله البدري سيجتمع مع وزير الطاقة الروسي ألكساندر نوفاك في 30 يوليو/تموز الجاري في موسكو لبحث أوضاع سوق النفط.

وقد سبق للوزير أن صرح بأن "سعر النفط سيتقرر بموجب كلفة استخراج النفط الصخري" وهذا يعني أنه ليس في نية روسيا تخفيض إنتاجها كما اتفقت سابقا مع السعودية على نفس المبدأ، مما سيثير حفيظة إيران.

واذا ذهبنا إلى الاعتقاد أن الاتفاق مع إيران قد ضمن للغرب كل ما يريده فإنه لم يستطع أن يضمن أي شيء للدول العربية من حيث احتمال زيادة تدخلات إيران في شؤونها بالعراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين خاصة أن التصريحات العدائية قد ازدادت في الفترة الأخيرة، وأن أي تحسن في موارد إيران المالية قد يدفعها إلى زيادة في العبث بأمن المنطقة، إننا نتجه لتطورات مثيرة في المنطقة وليس في سوق النفط فحسب.
ـــــــــــــــ
خبير نفط عراقي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة