نجاح وإخفاق التمويل الخارجي لمصر   
الخميس 1435/4/28 هـ - الموافق 27/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 5:55 (مكة المكرمة)، 2:55 (غرينتش)



حافظ الصاوي

التوسع في الديون المحلية
الحزمة الغربية الخليجية
أسباب النجاح
أسباب الإخفاق
استشراف المستقبل

عاشت مصر أزمتها التمويلية الأولى عقب هزيمة 1967، وفي القمة العربية التي أعقبت الهزيمة التزمت الدول العربية النفطية بتقديم الدعم المالي لمصر، الذي قدر بنحو 36 مليار دولار منذ العام 1967 وحتى 1979، حيث أبرمت القاهرة اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني برعاية أميركية.

وفور المقاطعة العربية لمصر في عام 1979 كثفت أميركا من برامج معوناتها لمصر، والتي لا تزال مستمرة وإن كانت تقلصت بشكل كبير لتنحسر سنوياً في مليار دولار عبارة عن معونة عسكرية ونحو 250 مليون دولار لدعم برامح مساعدة اقتصادية، إلا أن دراسات تقدر المعونات الأميركية لمصر على مدار الفترة من السبعينيات وحتى بداية الألفية الثالثة بثلاثين مليار دولار.

وعرفت مصر أزمات تمويلية غير ما مرة في العقود الأربعة الماضية، وكان التمويل الخارجي هو المخرج لمصر من تلك الأزمات، ولكن الحلول الخارجية لم تكن في تلك المرات من رحم حلول اقتصادية، أو جذب استثمارات أجنبية، ولكن السياسة كانت دائماً وراء إفلات مصر من أزماتها التمويلية
.

في ثمانينيات القرن العشرين ألمت بمصر أزمة ديون خارجية، شأنها في ذلك شأن العديد من الدول النامية، إذ كانت هذه الأزمة هي القضية الاقتصادية العالمية

ففي ثمانينيات القرن العشرين ألمت بمصر أزمة ديون خارجية شأنها في ذلك شأن العديد من الدول النامية، إذ كانت هذه الأزمة هي القضية الاقتصادية العالمية، كما عاشت مصر أزمة سيولة حادة في نهاية التسعينيات، بسبب توسع حكومة كمال الجنزوري في تمويل المشروعات القومية الكبرى مثل توشكى وشرق العوينات والوادي الجديد.

التوسع في الديون المحلية
ومنذ وقوع الأزمة المالية العالمية في عام 2008 والبلاد تعيش أزمة تمويل، كان المهرب منها التوسع المفرط في الدين العام المحلي والاقتراض من البنوك بشكل كبير، ثم أتت ثورة 25 يناير ليزداد الوضع المالي لمصر سوءاً فبلغ الدين العام المحلي 1.5 تريليون جنيه (214 مليار دولار) في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2013، وبلغ الدين العام الخارجي 47.2 مليار دولار.

وفاقم حدة الأزمة التمويلية حالة الاسترضاء السياسي التي مارستها حكومات ما بعد الثورة بالاستجابة للعديد من المطالب الفئوية، مما ساعد على تفاقم عجز الموازنة ليصل في العام المالي 2012-2013 إلى 13.5%.

ولم تتبن حكومات ما بعد الثورة سياسات وبرامج من شأنها الحد من تفاقم عجز الموازنة، الذي شكل مع الدين العام حلقة مفرغة، حيث تزداد حاجات الحكومة المالية، وما من سبيل لها سوى الاقتراض المحلي، وهو ما يعني زيادة أعباء الدين وبالتالي العجز وهكذا دواليك.

لكن انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 استجلب دعماً خليجياً بلغ 12 مليار دولار في الشهور الستة الأخيرة من العام 2013، واستتبع بالإعلان عن حزمة تمويلية أخرى تبلغ 5.4 مليارات دولار تستحقها مصر في العام 2014، ومع ذلك ما زالت الأزمة التمويلية لمصر كما هي ولم يُجد معها الدعم الخليجي نفعاً.

فلماذا نجحت مصر في الإفلات من أزماتها التمويلية عبر الاستفادة من التمويل الخارجي في المرات السابقة بغض النظر عن مصدره، وفشلت في الشهور الماضية عقب الانقلاب العسكري؟

عقب مشاركة القاهرة دول التحالف في الحرب على العراق في عام 1990 أُسقطت ديون عسكرية على مصر قدرت بسبعة مليارات دولار تقريباً، كما أسقطت دول الخليج مبلغًا مماثلا هو ديون مستحقة

الحزمة الغربية الخليجية
عقب قبول القاهرة بمشاركة دول التحالف في الحرب على العراق في عام 1990 أُسقطت ديون عسكرية على مصر قدرت بسبعة مليارات دولار تقريباً، كما أسقطت دول الخليج مبلغًا مماثلا هو ديون مستحقة، وسمح لمصر بتوقيع خطاب النوايا مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ليتم إسقاط 50 % من ديون مصر الخارجية، فكان إجمالي ما استفادت منه مصر من تلك الحزم التمويلية نحو 39 مليار دولار.

وفي أعقاب زلزال 1992 قدمت دول الخليج مساعدات نقدية لمصر قدرت بتسعة مليارات دولار احتفظت بها مصر طيلة الفترة الماضية كمدخرات حكومية، إلا أن حكومة حازم الببلاوي استخدمتها في تمويل عجز الموازنة، وحزمة التحفيز الأولى.

بعد أزمة السيولة الحادة التي عانت منها مصر في نهاية التسعينيات، ودعوتها إلى عقد مؤتمر مانحين بمدينة شرم الشيخ إبان تولي حكومة عاطف عبيد، أعلن وقتها عن حصول البلاد على منح ومساعدات تقدر بنحو 10 مليارات دولار.

وكان الموقف المصري الداعم للتحالف الغربي الأميركي ضد العراق سبباً في هذه المعونات الغربية، وكذلك في تحريك تعاون اقتصادي مصري خليجي تمثل في زيادة الاستثمارات الخليجية وفتح سوق العمل الخليجي للعمالة المصرية بشكل أفضل مما كان عليه الوضع من قبل
.

أسباب النجاح
نجحت مصر في الاستفادة من التمويل بداية التسعينيات، وفي العقد الأول من الألفية الثالثة لمجموعة من الأسباب منها:

أولاً أن الحزمة الأميركية الخليجية الأولى أسقطت مبلغاً كبيراً من الديون الخارجية المصرية، مما حسّن من الوضع المالي للبلاد ومكنها من توفير أعباء هذه الديون، وبالتالي كانت كافة المؤشرات الاقتصادية المتعلقة بخدمة الدين في وضع أفضل، مثل نسبة خدمة الدين لإجمالي الموازنة العامة أو كنسبة من إجمالي الصادرات.

ثانياً أن اتفاق صندوق النقد الدولي ساعد الحكومة على التخفيف من كثير من التزاماتها الاقتصادية والاجتماعية، وتمت إعادة تحميل هذه الأعباء للمواطنين، مما مكن الموازنة العامة من الوصول لمعدلات عجز مقبولة في حدود 3% تقريباً، ورفعت الدولة يدها عن الدعم بشكل كبير وأدخلت نظم استرداد تكلفة الخدمة في خدمات حكومية عديدة كانت تقدم مجانا في السابق.

ثالثاً اتجهت سياسة الدولة الضريبية في التوسع، سواء من حيث الشرائح التي تخضع للضرائب، أو رفع قيمة الضرائب بمختلف أنواعها، وهو ما حسن لحد ما من الإيرادات العامة.

رابعاً استطاع النظام الدكتاتوري لـحسني مبارك فرض أجواء التخويف، وتصدير قضايا محلية مثل محاربة الإرهاب لإقناع الرأي العام بترك أمور تدبير التمويل للدولة، لكي تنجح في محاربة عنف الجماعات الإسلامية، ومحاربة ما سماه النظام في ذلك الوقت بالتطرف، وهو ما واكب اتجاها عالميا منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة
.

حكومة الببلاوي نالت أكبر دعم خارجي قدم لحكومات ما بعد ثورة 25 يناير، حيث تلقت 12 مليار دولار من دول الخليج في ستة أشهر فقط، ومع ذلك استمرت الأزمة التمويلية دون انفراج

أسباب الإخفاق
يمكن القول إن حكومة حازم الببلاوي نالت أكبر دعم خارجي قدم لحكومات ما بعد ثورة 25 يناير، حيث تلقت 12 مليار دولار من دول الخليج في ستة أشهر فقط، ووعدت بنحو 5.4 مليارات دولار أخرى في عام 2014. ومع ذلك استمرت الأزمة التمويلية ولم يلح في الأفق انفراج قريب، ويرجع ذلك من وجهة نظرنا لأسباب هي:

أولاً أن حكومة الانقلاب لم تنجح في إقناع المؤسسات الدولية، وبخاصة النقد الدولي، بأن لها صفة شرعية، مما صعب من مهمة حصول هذه الحكومة على تمويل لفجوتها التمويلية التي قدرت بنحو 20 مليار دولار.

كما أن الخطاب السياسي المعلن من وزراء مثل وزير التخطيط أشرف العربي بأن مصر لا تحتاج إلى قرض الصندوق وأن التمويل الخليجي يكفي صعّب من مهمة فتح باب للتفاوض مع صندوق النقد، وبالتالي ستظل أبواب المؤسسات الدولية والإقليمية موصدة في وجه القاهرة ما لم تحصل على خطاب حسن النوايا من خلال الصندوق.

ثانياً لم تتبن حكومات ما بعد ثورة 25 يناير أي برامج أو سياسات من شأنها السيطرة على عجز الموازنة، أو الدين العام بشقيه الداخلي والخارجي، مما ساعد على بقاء عجز الموازنة كما هو، ومن جهة أخرى ساهمت حالة عدم مصارحة الحكومة للشعب في جعل الأوضاع المالية أكثر صعوبة وفي تصدير خطاب تفاؤلي من لدن حكومة الانقلاب مع استمرار حركات المطالب الفئوية.

ثالثاً ستظل قضية الطاقة أزمة مؤرقة لم يوضع لها حساب، وبخاصة في ظل الاتفاقيات المكبلة للحكومة، والتي وقعتها حكومات مبارك مع شركات البترول الأجنبية، أو مع الشركات العاملة في الاقتصاد المصري، فالحكومة ملزمة بتلك العقود ولم تستفد من الوضع الثوري وتسعى إلى فسخها في ظل شبهات فساد تحوم حولها.

وستكون الحكومة المصرية في حالة عوز دائم ما لم تصل لحلول جذرية لأزمة الطاقة، وتوفيرها للاستهلاك المحلي، والتغلب على معضلة دعم الطاقة، بما فيها تحميل الصناعات المختلفة التي تستهلك 80% من حاجات مصر من الطاقة بتكلفتها الحقيقية، وهو ما سيخلق مشكلات اقتصادية عديدة.

رابعاً أساءت حكومة الانقلاب التقدير للوضع السياسي والأمني، فلم يكن في حسبانها استمرار مظاهرات المعارضين للانقلاب بهذه الصورة، وهو ما أثر على حالة الاستقرار السياسي والأمني، الذي جنت منه مصر أضرارا تمثلت في تراجع مخيف في عوائد السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وكذلك تحويلات المغتربين
.

استشراف المستقبل
قد يكون الحل داخلياً عبر فرض حالة من النظام أكثر دكتاتورية، مع سيطرة الدولة على العديد من الأنشطة الاقتصادية والخدمية، وتوفير متطلبات الأفراد من خلال الدولة، وتقليص دور القطاع الخاص، وأن تضع مصر مجموعة من السياسات والبرامج التي تتعامل بجدية مع عجز الموازنة والدين العام المحلي، وتبني إجراءات تقشف شديدة داخل مؤسسات وأجهزة الدولة.

كما قد يأتي الحل من الخارج كما تعودت مصر، ولكن هذا يرتبط بوجود تغير جوهري في موقف العالم الخارجي تجاه الانقلاب العسكري، وتجاوز صندوق النقد الدولي لشرط التعامل مع حكومات منتخبة وشرعية، أو أن تقوم دول الخليج بالتنازل عن ودائعها بالبنك المركزي، وتسقط ديونا أخرى.

ـــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة