الغذاء محرك خفي للسياسات الدولية   
الجمعة 1432/5/27 هـ - الموافق 29/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 18:04 (مكة المكرمة)، 15:04 (غرينتش)

 الأهمية الجيوسياسية للغذاء اتخذت أبعادا جديدة مع اندلاع الأزمات الغذائية (الجزيرة)

أهمية متصاعدة للمواد الغذائية

ازدياد ضغط الطلب العالمي
فرط استغلال الأرض والمياه
سباق محموم حول الإمدادات الغذائية

من المستفيد من الاستثمارات الزراعية؟

عندما ارتفعت أسعار القمح دوليا بنسبة 75%, لم يشكل ذلك عبئا كبيرا على المستهلكين بالولايات المتحدة الأميركية، بحيث زاد ثمن رغيف الخبز من دولارين إلى 2.10 دولار.

 

لكن هذا الارتفاع انعكس زيادة قاربت الضعف في أسعار الخبز بالنسبة لسكان نيودلهي، ونفس الشيء نفسه ينطبق على ارتفاع سعر الأرز بالنسبة لسكان العاصمة الأندونيسية جاكرتا، يقول ليستر براون في مقال له بمجلة فورين بوليسي.


ويشير براون، وهو رئيس معهد سياسة الأرض، إلى أن التهاب أسعار المواد الغذائية العام الجاري لم يكن له نفس التأثير على شعوب العالم، فالأميركيون الذين لا ينفقون سوى 7
% من دخلهم في شراء الأغذية لم يتضرروا كثيرا من هذه الزيادة.

 

ولكن الأمر يختلف كثيرا بالنسبة لملياري نسمة من سكان العالم الأكثر فقرا، الذين ينفقون 50 إلى 70% من دخلهم على الغذاء، إذ يعني هذا الارتفاع في القمح نقص وجبة من وجبات اليوم، مما قد يساهم –وقد حصل بالفعل- في اندلاع ثورات واضطرابات.

 

"
لعل ما يدق أكثر ناقوس الخطر هو عجز دول العالم عن التخفيف من وطأة نقص الأغذية، فأميركا -أول منتج للحبوب بالعالم- كانت قادرة في الماضي على تجنيب العالم كارثة غذائية، ولكن لم تعد تمتلك هذه القدرة
"
أهمية متصاعدة
يمضي الكاتب بالقول إن الغذاء أصبح المحرك الخفي لسياسات العالم أكثر من أي وقت مضى، والأزمة الغذائية التي ضربت العالم قبل ثلاث سنوات ستصبح مألوفة بالمستقبل، ومن الناحية التاريخية فإن ارتفاع أسعار المواد الغذائية كان مرده أغلب الأحيان أحوال الطقس الصعبة كالجفاف والريح العاصفة والحرّ.

 

ولكن العنصر الذي أصبح الآن يتحكم في ارتفاع هذه الأسعار هو الزيادة في الطلب العالمي، والتزايد المطرد في سكان المعمورة الذين يُضاف إليهم يوميا 219 ألف فرد.

 

ولعل ما يدق أكثر ناقوس الخطر هو عجز دول العالم عن تخفيف من وطأة نقص الأغذية، فأميركا -أول منتج للحبوب بالعالم- كانت قادرة في الماضي على تجنيب العالم كارثة غذائية.

 

وقد حققت منذ منتصف القرن العشرين إلى سنة 1995 فائضا في إنتاج الحبوب وزرعت المزيد من الأراضي لمساعدة الدول التي تعيش اضطرابات، وهو ما فعلته مع الهند عام 1965 التي عانت من نقص شديد في محاصيلها، فجنبها هذا الدعم المجاعة، ولكن هذه القدرة الأميركية لم يعد لها وجود الآن.

 

ازدياد الضغط
ولهذه الاعتبارات فإن أزمة الغذاء العام الجاري أزمة حقيقية, وقد تتسبب في احتجاجات تتحول لثورات سياسية، فماذا لو لم تكن الاضطرابات التي أطاحت بزين العابدين بن علي وحسني مبارك آخر الاضطرابات، بل بدايتها؟

 

وفضلا عن الزيادة الكبيرة في سكان الأرض الذين يرتفع عددهم سنويا بنحو ثمانين مليون نسمة والنمو الكبير في حجم الاستهلاك العالمي للحبوب حيث يقدر حاليا بـ2.2 مليار طن سنويا, فإن الولايات المتحدة تحول كميات كبيرة من إنتاجها من الحبوب إلى وقود للسيارات.

 

إن نقص المياه وانجراف التربة وتداعيات الانحباس الحراري في العالم لن تسمح بتلبية الإنتاج للطلب المطرد على الحبوب, فعلماء النبات مثلا يقولون إنه مع ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجة مئوية واحدة عن معدل درجة حرارة الموسم, فإن على المزارعين توقع تقلص إنتاجهم من الحبوب بـ10%.

 

كما تبدأ موارد المياه في النضوب بسبب الضخ المفرط الذي يقوم به المزارعون، وقد كان الشرق الأوسط أول منطقة في العالم يتراجع فيها الإنتاج بسبب نقص المياه، وفي الهند أدى حفر قرابة عشرين مليون بئر للري إلى تناقص كميات المياه وبدء الآبار في النضوب.

 

"
يلاحظ أن إدارة الأراضي الزراعية تتم بشكل سيئ، ويتسع نطاق التصحر، كما تؤدي تعرية التربة، الناجمة عن فرط استغلال الأرض، إلى إضعاف إنتاجية ثلث الأراضي الزراعية بالعالم
"
فرط الاستغلال
وفي الصين يتم اللجوء للضخ المفرط لمياه الآبار في مناطق شمالي البلاد التي تؤمن نصف إنتاجها من الحبوب، وتشير تقديرات إلى أن 130 مليون صيني تتم تغذيتهم من غلات مناطق يمارس فيها الري المفرط.

 

زيادة عما سبق فإنه تتم إدارة الأراضي الزراعية بشكل سيئ، ويتسع نطاق التصحر، وتضعف تعرية التربة -الناجمة عن فرط استغلال الأرض- إنتاجية ثلث الأراضي الزراعية في العالم.

 

وتظهر صورة الأقمار الاصطناعية بؤر تصحر شمالي وغربي الصين ومنغوليا ودول وسط أفريقيا, كما أن كوريا الشمالية وهايتي تعانيان من خسائر كبيرة في محاصيلهما، وكلا البلديْن مهدد بالمجاعة في حال توقف المساعدات الغذائية الدولية.

 

وهناك عامل آخر لا يظهر للعيان، وهو أننا اعتبرنا خلال الخمسين سنة الماضية أن التقدم بالمجال الزراعي أمر مؤكد، وأدى التطور التكنولوجي لزيادة الإنتاج الزراعي, بحيث زاد ثلاث مرات منذ عام 1950، ولكن تلك حقبة شارفت على نهايتها حتى في بعض أكثر دول العالم تقدما بالقطاع الزراعي.

 

وقد بات تزويد دول العالم بالغذاء وجها جديدا من أوجه القوة الجيوسياسية, وجاءت الإشارات الأولى للمشاكل والاضطرابات التي حدثت عام 2007 حينما تضاعفت أسعار الحبوب ثلاث مرات منتصف 2008 مما تسبب في فرض بعض الدول قيودا على التصدير كروسيا والأرجنتين وفيتنام.

 

سباق محموم

وتسببت هذه القيود بهلع لدى الدول المستوردة، فدخلت في مفاوضات لإبرام اتفاقيات لضمان إمدادها بالحبوب على المدى البعيد, وقامت دول كالسعودية والصين وكوريا الجنوبية لاتخاذ خطوة غير مألوفة من خلال شراء أو استئجار أراض بدول أخرى كالسودان وإثيوبيا لتأمين حاجياتها.

 

إن احتمالات اندلاع نزاعات تظل مرتفعة، ليس فقط بسبب المياه فحسب, فالعديد من اتفاقات استغلال أراض فلاحية أبرمت سرا بيعا أو تأجيرا رغم أن مزارعين يستغلونها ولكن دون وثائق ملكية في الغالب، مما دفعهم إلى رفع دعاوى أمام المحاكم.

 

وكانت الصين وقعت اتفاقية مع الفلبين عام 2007 تستأجر بموجبها 2.5 مليون فدان (1.05 مليون هكتار) قصد زراعتها وتصدير غلتها، مما أدى إلى ردود فعل غاضبة من المزارعين الفلبينيين.

 

وهو ما حدث كذلك بين شركة دايوو الكورية الجنوبية والحكومة في مدغشقر، وتسبب في إسقاط هذه الأخيرة وإلغاء صفقة مع دايوو لشراء قرابة 3 ملايين فدان (1.26 مليون هكتار).

 

تشكل مثل هذه العمليات من الاستحواذات على ضيعات زراعية استثمارا كبيرا بالدول النامية يقدر بنحو خمسين مليار دولار، ولكن الأمر سيتطلب سنوات قبل أن تشكل قيمة مضافة بإنتاجها، بسبب ضعف بنيات تحتية لسوق عصري يستوعب المنتجات الفلاحية.

 

"
خبراء لدى البنك الدولي يشيرون إلى أن نسبة 37% من المشاريع الزراعية ستخصص لإنتاج المحاصيل الغذائية, في حين يذهب الجزء الأكبر لإنتاج الوقود البيولوجي ومنتجات صناعية
"
من المستفيد؟
ولكن كم سيكون تأثير هذه المشاريع الاستثمارية على زيادة الإنتاج العالمي من المواد الغذائية؟ الجواب أننا لا نملك أي جواب، بيد أن خبراء لدى البنك الدولي يشيرون إلى أن نسبة 37% فقط من تلك المشاريع ستخصص لإنتاج المحاصيل الغذائية فقط, في حين يذهب الجزء الأكبر لإنتاج الوقود الحيوي ومنتجات صناعية.

 

لكن المستفيد الأكبر من هذه المشاريع لن يكون الاقتصادات المحلية للبلدان المحتضنة لهذه الاستثمارات، حيث يمكن للسكان المحليين العمل مزارعين ولكن مع زيادة اللجوء للآليات فإن الوظائف ستقل.

 

لكن أسوأ من هذا هو أن بلدانا فقيرة كموزمبيق والسودان ستصبح لديها موارد مائية ومساحات زراعية أقل لتطعم شعوبها الجائعة، مما سيغذى التوتر.

 

من جانب آخر، أعلنت كوريا الجنوبية في يناير/ كانون الثاني الماضي أنها ستنشئ مؤسسة مشتركة بين القطاعين العام والخاص لشراء الحبوب من المزارعين الأميركيين بشكل مباشر وبثمن ثابت، ولن تقف دول أخرى مستوردة كالسعودية واليابان والصين مكتوفة الأيدي أمام هذه الخطوة الكورية الجنوبية.

 

تأمين الغذاء
وما من أحد يعرف إلى أين ستؤدي هذه المنافسة بين الدول المستوردة على الإمدادات الغذائية، والتي أنهت حقبة الغذاء الرخيص, ولكن من المرجح أن الوضع الغذائي بالدول ذات الدخل المتدني وبها مشاريع استحواذ أو تستورد حاجياتها من الحبوب، سيتدهور.

 

ورغم أن وكالات أممية مثل منظمة الأغذية والزراعة (فاو) اضطلعت بأدوار رئيسة بعالم اليوم, فإن دور الفاو مثلا في جمع وتحليل المعلومات الزراعية وتوفر المساعدة الفنية للبلدان لا يسد نقصا حاصلا وهو غياب أي هيئة دولية للضمان وتنظيم اكتفاء دول العالم بالمواد الغذائية.

 

ويرى كاتب المقال أننا نعيش على شفا انهيار المنظومة الغذائية، ومن مظاهرها أن خسرت روسيا العام الماضي أربعين مليون طن حبوب من أصل مائة مليون إجمالي إنتاجها، وذلك لما وصلت درجة الحرارة بذلك البلد إلى مستوى غير مسبوق.

 

"
بعض الدول عمدت إلى تقييد أو حظر تصدير الحبوب بغرض خفض الأسعار, بينما قد تحاول دول نفطية مقايضة البترول بالحبوب
"
مخاطر قائمة
هذه التقلبات يمكن أن تحدث إرباكا بأسواق الحبوب العالمية, وربما ترتفع أسعار الغذاء, وبعض الدول عمدت إلى تقييد أو حظر تصدير الحبوب سعيا وراء خفض الأسعار المحلية للمواد الغذائية, بينما قد تحاول دول نفطية مستوردة للحبوب مقايضة البترول بالحبوب.

 

وإذا لم نستطع إنتاج كميات أكبر من المحاصيل بأقل قدر من المياه مع الحفاظ على التربة الخصبة, فإن العديد من المناطق الزراعية غير صالحة, وهذه مسؤولية تتعدى المزارعين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة