القدس.. صمود يتحدى البطالة والفقر   
الاثنين 1435/1/1 هـ - الموافق 4/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 12:25 (مكة المكرمة)، 9:25 (غرينتش)
وجود يهود الحريديم بالبلدة القديمة لمحاربة الفلسطينيين ديموغرافيا (الجزيرة نت)

 

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

تحولت حياة محمد أبو هدوان البالغ من العمر خمسين عاما والذي شُرّد وهُجّر من حارة "باب المغاربة" بالقدس المحتلة إلى جحيم.

فمعاناته جراء تضييق الاحتلال ما زالت متواصلة منذ فصل من عمله بإسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين يقول أبو هدوان "أضحت لقمة العيش داخل أسوار البلدة القديمة أشبه بمسيرة صراع  مع الفقر وعراك مع البطالة، وما نتج من تداعيات وهواجس محفوفة بمخاطر الهجرة القسرية بحثا عن فرصة عمل".

ويعيش أبو هدوان أسوة بآلاف العائلات الفلسطينية تحديات البقاء والصمود قبالة سياسات الإفقار الممنهجة، حيث باتت البطالة بالقدس المحتلة التي يقطنها نحو ثلاثمائة ألف فلسطيني، محطة من فصول التشريد التي تعتمدها إسرائيل للدفع نحو الهجرة القسرية بحثا عن فرصة عمل.

فوفق إحصائيات معهد الأبحاث والسياسات الاقتصادية، فإن 31% من الشباب المقدسيين عاطلون عن العمل، و50% من العائلات تعيش تحت خط الفقر.

الفقر والبطالة
وقد أبى أبو هدوان هجرة مسقط رأسه والحي الذي ولد به ودمره الاحتلال، وبنى على أنقاضه "حارة اليهود" و"الجسر العسكري باب المغاربة" وتوسعة حائط البراق، ليسكن مع والديه وأشقائه الخمسة على ما تبقى من أرض لعائلته بمشارف سلوان -التي تواجه خطر المصادرة للاستيطان- والتي تبعد عشرات الأمتار عن حيه المهدم الذي اختار العودة إليه عبر "عربة متجولة" لبيع العصائر والمشروبات الخفيفة كان قد ورثها عن والده.

مئات المقدسيات يبعن بالبسطات لتوفير لقمة العيش (الجزيرة نت)

وسرد في حديثه للجزيرة نت معاناته لتوفير لقمة العيش لأطفاله الثمانية، وما يواجهه من تضييقات بلدية الاحتلال بمطاردته ومصادرة العربة لحرمانه مصدر الرزق، لينضم ذلك إلى وطأة المشهد الاستيطاني الذي يتهدد منزل العائلة.

لكن أبو هدوان يقول إنه يواصل كغيره من الأسر بالبلدة القديمة معركة الصمود والبقاء بحثا عن الخبز لحماية عائلته من الفقر والبطالة، وبحثا عن مستقبل يمنحه فرصة أفضل.

وبصوت يتسلح بالإيمان والثبات، يقول "أُعاني كغيري من آلاف المقدسيين الفقر والجوع، وأنا لا أخجل من ذلك.. فوطأة الظروف أثقلت كاهلي بالحرمان، لكنني أعيش بكرامة واحترام وكبرياء بوطني، واعتمدت الزيت والزعتر بعد أن ضاقت بي الدنيا ورفضت الذل والهوان".

الهجرة والرباط
مسيرة أبو هدوان مع تضييق الاحتلال وأطماع المستوطنين هي ذاتها التي تعيشها المئات من ربات المنازل بالبلدة القديمة اللواتي افترشن أسواقها ببسطات لبيع الخضار والأعشاب الطبيعية والمحاصيل الزراعية الموسمية، حين تجندن لتوفير لقمة العيش بعد أن أوصدت أبواب العمل بوجه أزواجهن.

وتواجه أم علي (ربة منزل لستة أطفال) في البسطة المتنقلة سياسة "التفقير بدافع التهجير". وسردت للجزيرة نت الأسباب التي دفعتها للخروج إلى السوق وحمل بسطتها لعرض البضائع والخضراوات قائلة "لقد تعززت قناعاتنا بأن البطالة والفقر سلاح تعتمده إسرائيل لدفع المقدسيين إلى الهجرة وتفريغ المدينة تحت وطأة الجوع.. إن عملي بالكاد يوفر لقمة العيش واحتياجات المنزل، ناهيك عن ارتفاع الأسعار وعدم القدرة لأشهر على شراء اللحوم وتلبية مطالب الأولاد الذين ضجروا من حياة التقشف".

وخلصت إلى القول "نحن برباط بالقدس والأقصى، لذا نفضل البقاء بالوطن فقراء على أن نهجره ونملك أموال الدنيا".

محمد أبو هدوان عاطل عن العمل تحول لبائع عصائر متجول (الجزيرة نت)

انعكاسات وتراكمات
داخل أسوار البلدة القديمة وأزقتها التي يقطنها نحو 33 ألف مقدسي تصطدم  بصورة قاتمة. يقول مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري لقد تجاوزت معدلات البطالة بأوساط الشباب 50% بينما 80% من العائلات تعيش تحت خط الفقر، ومن يحالفه الحظ بفرصة عمل فإن معاشه الشهري لا يتعدى  1200 دولار لا يكفي لسد احتياجات عائلته ومصاريف المنزل التي تصل إلى ألفي دولار.

وأكد الحموري، في حديثه للجزيرة نت، أن العائلات تصر على الرباط داخل الأسواق وبين الأسوار التي تتأطر بحاراتها مشاهد الإذلال والتضييق والانتهاكات من قبل سلطات الاحتلال التي تفرض واقعا اقتصاديا متدنيا، يتهدد الحركة التجارية ويترك انعكاسات وتراكمات سلبية حتى على التجار الذين يعانون "البطالة المخفية".

ولفت إلى أن غالبية العائلات غارقة بالديون والتراكمات الضريبية لسلطات الاحتلال، وتجد صعوبة بتوفير مستلزماتها المنزلية الأساسية، وتعيش حالة من اللامبالاة الاقتصادية والاجتماعية حين يكون همها الوحيد توفير الخبز ولقمة العيش.

ويرى الحموري أن المعركة الأساسية التي تدور رحاها بالمدينة المحتلة وتتصاعد حاليا بأزقة البلدة القديمة هي ديموغرافية، وأضاف "لقد أنجزت إسرائيل مشاريع التهويد والاستيطان لتنتقل إلى سلاح الخنق الاجتماعي والتضييق الاقتصادي وسلب المسكن، بذلك تدفع بالأزواج الشابة لهجرة المدينة قسرا، مما سيؤدي مستقبلا لتجريدهم من حق الإقامة ومصادرة أملاكهم باعتبارهم غائبين".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة