هلامية معايير التصنيف الائتماني لمصر   
الاثنين 1437/2/5 هـ - الموافق 16/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:06 (مكة المكرمة)، 13:06 (غرينتش)

عبد الحافظ الصاوي

النمو التدريجي شكلي
مزاعم الاستقرار السياسي
التهوين من مخاطر العجز والديون

مستويات الدخل المنخفضة

دون شك تبقى النتائج التي تعلن عنها أي مؤسسة للتصنيف الائتماني رهينة المعايير التي بنيت عليها، وفي ضوء ما نشرته مؤسسة ستاندرد أند بورز الأميركية مؤخرا عن تصنيف مصر، نجد أن هناك العديد من الملاحظات التي تجعل النتائج التي تم التوصل إليها محل شك.

لقد أبقت المؤسسة التصنيف الائتماني لمصر عند درجة "بي سالب"، وخفضت نظرتها المستقبلية للبلاد من إيجابية إلى مستقرة، وأوضحت أن سبب توصيفها للوضع بـ"المستقر" بالنظر إلى وجود استقرار سياسي، وإلى أن اقتصاد مصر سيواصل النمو تدريجيا.

وأتت نتائج تصنيف ستاندرد أند بورز لمصر بعد مجموعة من المؤشرات التي من شأنها أن تؤدي إلى تخفيض التصنيف وليس إبقاءه، خاصة في ظل توتر الأوضاع الأمنية في سيناء ومؤخرا في شرم الشيخ، أو على صعيد التداعيات السلبية دوليا بعد حادث الطائرة الروسية.

ففي يونيو/حزيران الماضي، أصدرت مصر سندات دولية لأجل 10 سنوات، بسعر فائدة وصل إلى 6.25%، وهو من أعلى معدلات الفائدة الموجودة بالسوق العالمية، وكذلك ارتفعت تكلفة التأمين على الديون المصرية بنحو 12%، مقارنة بما كان عليه الوضع في 2014، بسبب التداعيات السلبية لحادثة الطائرة.

وفيما يلي نتناول مناقشة المعايير التي بنت عليها المؤسسة تقريرها حول التصنيف الائتماني لمصر، ومدى مخالفتها للواقع بشكل كبير، فالوضع الائتماني لمصر مقوم إيجابيا بأكثر مما هو عليه.

النمو التدريجي شكلي
يظل توظيف المصطلحات الاقتصادية من قبل المحللين بشكل مطلق آفة تحتاج إلى تصحيح، فالحديث عن النمو التدريجي للاقتصاد في مصر دون الأخذ في الحسبان طبيعة هذا النمو والآثار المترتبة عليه هو استخدام لمصطلح فضفاض.

الحديث عن نمو اقتصادي لمصر تدريجيا يحتاج إلى إعادة نظر من عدة وجوه، منها أن السياسات الاقتصادية التي تطبقها الحكومة المصرية ما زالت تعاني من التحيز لصالح الأغنياء على حساب الفقراء

ولذلك فالحديث عن نمو اقتصادي لمصر تدريجيا يحتاج إلى إعادة نظر من عدة وجوه، منها أن السياسات الاقتصادية المطبقة من قبل الحكومة المصرية ما زالت تعاني من التحيز لصالح الأغنياء على حساب الفقراء، والدليل على ذلك على سبيل المثال لا الحصر تراجعها عن الزيادة التي أعلنت عنها في ضريبة الدخل لمن يزيد ربحه عن مليون جنيه (32 ألف دولار) سنويا، أو تأجيل الضريبة على الأرباح الرأسمالية الخاصة بتعاملات البورصة.

من جانب آخر، حققت مصر قبل ثورة 25 يناير 2011، معدل نمو وصل إلى 7%، ولكنه كان محدود الأثر، وزادت معه معدلات الفقر، لأن هذا النمو كان في صالح الأغنياء وتم من خلال مصادر ريعية، ولا يزال النمو في مصر يعتمد على هذه المصادر، ولم يتغير شيء في بنيته الهيكلية. ولذلك تحتاج مصر الآن إلى نمو يتصف بالديمومة واحتوائه للفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة.

والنتيجة التي توصل إليها التصنيف الائتماني بشأن النمو تجعلنا نسأل، ما معدل النمو الاقتصادي المتدرج الذي يحول دون هبوط تصنيف البلاد الائتماني؟ وهل التدرج المتحقق مرض لمتطلبات التنمية في ظل معدل الزيادة السكانية حاليا؟

وأخيرا، بخصوص النمو التدريجي للاقتصاد المصري، ما مصادر هذا النمو؟ وما مظاهره؟ إذا كانت الدولة تتوسع بشكل كبير في الاستدانة داخليا وخارجيا، وتزيد درجة اعتمادها على الخارج يوما بعد يوم، ودلالة ذلك ما يحدث في زيادة الطلب على الدولار، ووصول نسبة ما تستورده مصر من غذائها لنحو 65%.

ذهبت نتائج تصنيف ستاندرد أند بورز إلى أن مصر ستظل مستقرة سياسيا إلى حد بعيد، في حين أن الشواهد تدل على عكس ذلك، فممارسات النظام في مصر تجاه معارضيه قمعية، وكذلك النتائج السلبية للعديد من المشروعات الاقتصادية التي تبناها نظام الانقلاب العسكري، جعلت شرائح واسعة من الشعب المصري، تشعر بعدم الرضا

مزاعم الاستقرار السياسي
ذهبت نتائج التصنيف إلى أن مصر ستظل مستقرة سياسيا إلى حد بعيد، في حين تدل الشواهد على عكس ذلك، فممارسات النظام في مصر تجاه معارضيه قمعية، وكذلك النتائج السلبية للعديد من المشروعات الاقتصادية التي تبناها نظام الانقلاب العسكري، جعلت شرائح واسعة من الشعب المصري، تشعر بعدم الرضا، وقد انعكس ذلك مؤخرا في الضعف الشديد للمشاركة في الانتخابات البرلمانية التي أجريت مرحلتها الأولى منذ أسابيع قليلة.

ولذلك فالاعتماد على أحكام مطلقة في بناء نموذج للتصنيف يجعل نتائجه مثارا للشك، خاصة أن مصر تعيش مرحلة ما بعد انقلاب عسكري، عمل على تهميش العديد من مؤسساتها، وغيب دولة القانون، وسمح بسيطرة الجيش على جزء لا يستهان به من الاقتصاد القومي.

ويحتاج الاستقرار السياسي إلى قواعد للمساءلة المجتمعية، التي يحرص نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على عدم وجودها.

نتائج تقرير مؤسسة ستاندرد أند بورز أشارت إلى أن التصنيفات الخاصة بمصر ستظل مقيدة بالعجز المالي الكبير وارتفاع الدين المحلي ومستويات الدخل المنخفضة، وهذه الضوابط التي تمت الإشارة إليها، واعتبارها حاكمة في التصنيفات القادمة لم يتم توضيح مدى الأخذ بها في التصنيف الصادر مؤخرا رغم تفاقمها، وأنها أعراض لمرض عضال، هو هشاشة النمو الاقتصادي في مصر.

التهوين من مخاطر العجز والديون
وثمة ملاحظة مهمة لا بد من أخذها في الاعتبار هنا، وهي أن هذه المشكلات قائمة بالفعل وتمثل حجر عثرة في طريق نهوض الاقتصاد المصري، وإذا كان تقرير المؤسسة يعتمد على استخدام المصطلحات الفضفاضة، فإن مسلمات الممارسات الاقتصادية قد وضعت ضوابط لتجاوز هذه المؤشرات حدود الأمان.

إذ بلغ عجز الموازنة المصرية كما هو معلن في الحساب الختامي 2014-2015 نسبة 11.5%، ومن المستحيل في ظل التداعيات السلبية الحالية أن تحقق القاهرة مستهدفها في فترة 2015-2016 بالوصول إلى عجز بحدود 9.5%، فأذونات الخزينة والسندات الحكومية تزيد معدلات إصدارها أسبوعيا، فضلا عن توسع الحكومة في الاقتراض لحساب هيئاتها الاقتصادية بالعملات الأجنبية بشكل غير مسبوق.

وحتى لو تحقق للحكومة هدفها بأن يكون العجز دون 10% فإن المعيار المتعارف عليه هو 3%، أي أن الواقع أكثر من ثلاث مرات المتعارف عليه.

وكذلك الحال بالنسبة للدين العام، فإن النسبة المتعارف عليها هي ألا تتجاوز نسبته 60% من الناتج المحلي الإجمالي، فما بالنا إذا كان الدين الحكومي وحده، والذي يعد جزءا من الدين المحلي، يزيد عن 81% من الناتج الإجمالي، في حين أن إجمالي الدين العام (المحلي زائد الخارجي) يتجاوز 120% من حجم الاقتصادي المصري، أي أن الواقع ضعف الحد الأقصى المسموح به وفق هذا المؤشر.

مستويات الدخل المنخفضة
ولا تحتاج مستويات الدخول المنخفضة إلى دلالة لإبرازها، إذ إنها مشكلة قابلة للزيادة بشكل كبير في الفترة القادمة في مصر نتيجة السياسات المالية والنقدية التي تتبعها الحكومة.

فعندما تظل المرتبات والأجور عند معدلات منخفضة، ولا يراعى زيادتها بما يتناسب مع الأسعار مع ارتفاع معدل التضخم تكون النتيجة هي أن تقل الدخول الحقيقية للأفراد، وهذا ما يحدث منذ سنوات في البلاد، فقد زادت أسعار الخدمات الأساسية بعد الانقلاب العسكري (الكهرباء والمياه والغاز) وكذلك السلع الغذائية بصورة تفوق كثيرا ما أقر من زيادات في المرتبات والأجور للموظفين الحكوميين.

وإذا كان العاملون بالحكومة وقطاع الأعمال العام يحصلون على زيادة سنوية في مرتباتهم، وإن بصورة غير مرضية أو مناسبة لارتفاع التضخم، فإن عددهم لا يزيد عن 6.5 ملايين عامل من أصل 28 مليونا هم إجمالي قوة العمل في البلاد.

وأما العاملون في القطاع الخاص وكذلك العاملون في القطاع غير المنظم فيعانون من انخفاض دخولهم بشكل أكبر، نظرا لغياب القوانين والإجراءات الملزمة للمنشآت التي يعملون بها بزيادة رواتبهم، أو بسبب إجبارهم على القبول برواتب منخفضة تحت طائلة الفصل من العمل.
ـــــــــــــ
كاتب اقتصادي مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة