العرب وجدوى الإنفاق على التسليح   
الاثنين 1435/2/7 هـ - الموافق 9/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 12:59 (مكة المكرمة)، 9:59 (غرينتش)

الإنفاق لتحقيق الأمن
حجم الإنفاق العسكري العربي
لماذا ينفق العرب على التسليح؟

 الإنفاق لتحقيق الأمن
من أهم الأدوار المنوطة بالدولة تحقيق الأمن الداخلي والخارجي، ولذلك أُدرج الإنفاق على تحقيق الأمن بمفهومه العام ضمن أهم بنود الإنفاق بموازنات الدول. والإنفاق العام له قواعده الاقتصادية المتعارف عليها، وأهم هذه القواعد العائد على الإنفاق، فمتى تحققت الوظيفة التي خصص من أجلها الإنفاق كان الإنفاق إيجابيًا، بغض النظر عن حجم هذا الإنفاق كبيرًا كان أو صغيرًا.

الإنفاق العسكري لإحدى عشرة دولة عربية بلغ في عام 2011 نحو 103 مليارات دولار، وأتت المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول العربية في ذلك العام من حيث حجم الإنفاق العسكري بقيمة 48.5 مليار دولار

إلا أن مشاهد استخدام السلاح في الدول العربية ضد شعوبها تجعلنا نتساءل عن جدوى الإنفاق العربي على التسليح. ففي ثمانينيات القرن العشرين تم ضرب الأكراد بالسلاح الكيميائي من قبل نظام صدام حسين في العراق، وفي ليبيا تم تفكيك السلاح الكيميائي في إطار صفقة المصالحة لنظام القذافي مع الغرب. وفي هذه الأيام يتكرر الأمر في سوريا حيث سيتم تفكيك السلاح الكيميائي في إطار صفقة لتسوية الأزمة السورية. وفي العديد من دول الربيع العربي استخدم السلاح في مواجهة المتظاهرين، وسقط منهم آلاف الشهداء والمصابين، في ليبيا وسوريا ومصر واليمن وتونس.

ومن عجب أن البرلمانات العربية في غيبوبة تامة، فلا هي حاسبت هذه الحكومات على فعلتها الشنيعة بقتل مواطنيها، ولا هي تحاسب الحكومات على وضع الإنفاق على الأغراض العسكرية بموازناتها. فإذا كانت الأسلحة إما تستخدم في قتل مواطني الدولة، أو أن تكون الدولة في حالة ضعف، لا يسمح لها بالمواجهة إقليميًا ودوليا، فيتم تفكيك أسلحة خطرة مثل الأسلحة الكيميائية التي تتطلب إقامتها وصيانتها الكثير من الأموال، فلماذا تتكبد الموازنات هذا الإنفاق، في الوقت الذي تعاني فيه معظم الدول العربية من تدني مستويات التنمية، وتصنف جميع الدول العربية كدول نامية؟

حجم الإنفاق العسكري العربي
تشير بيانات معهد إستوكهولم لبحوث السلام إلى أن الإنفاق العسكري لإحد عشرة دولة عربية بلغ في عام 2011 نحو 103 مليارات دولار، وأتت المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول العربية في ذلك العام من حيث حجم الإنفاق العسكري بقيمة 48.5 مليار دولار، تليها الإمارات بنحو 19.1 مليار دولار، وكانت أقل الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري لعام 2011 هي البحرين بنحو 878 مليون دولار.

إلا أن الملاحظ أن دول الخليج الست كانت صاحبة النسبة الأكبر من حيث حجم الإنفاق العسكري العربي، بنحو 78 مليار دولار، وبما يعادل نسبة 75%، وهو ما يعني حجم المخاوف الأمنية بالمنطقة، حيث شهدت منطقة الخليج ما يعرف بأزمة الخليج الأولى بين العراق وإيران، ثم أزمة الخليج الثانية التي قام فيها العراق باحتلال الكويت، ثم أزمة الخليج الثالثة والتي تم فيها احتلال العراق.

وتعج المنطقة بكثير من الصراعات الثنائية. ولا تخفى الهواجس الأمنية للخليج من إيران كقوة إقليمية، وبخاصة في ظل وجود إيران القوي بالعراق وسوريا ولبنان، وكذلك النزاع الإيراني الإماراتي بشأن الجزر الثلاث.

ويعرف تقرير التنمية البشرية العالمي لعام 2013، الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة الإنفاق للأغراض العسكرية، بأنه "مجموع نفقات وزارة الدفاع والوزارات الأخرى على تجنيد العسكريين وتدريبهم وتأمين الإمدادات والمعدات العسكرية". وحسب بيانات عام 2010 لنفس التقرير فإن نسبة الإنفاق العربي على الإنفاق العسكري بلغت 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي العربي. بينما كانت نسبة الإنفاق العربي على الصحة 2.6% من الناتج، ونسبة الإنفاق على التعليم 3.9% من الناتج.

الإنفاق على الأغراض العسكرية كنسبة من الناتج المحلي ببعض الدول العربية

خلال الفترة 2002 - 2011

 

2002

2003

2004

2005

2006

2007

2008

2009

2010

2011

البحرين

4.7

4.8

4.3

3.6

3.4

3.2

3

3.9

3.5

3.3

مصر

3.4

3.3

3

2.9

2.7

2.5

2.3

2.1

2

1.9

العراق

_______

_____

1.7

2.2

1.9

2.2

2.2

2.5

2.5

3

الأردن

5.4

6

5.1

4.8

4.7

5.9

6.1

5.8

4.9

4.6

الكويت

7.4

6.5

5.8

4.3

3.5

3.6

3

4

3.5

3.2

لبنان

4.7

4.6

4.4

4.4

4.5

4.6

3.9

4.1

4.2

4.1

عمان

12.4

12.2

12.1

11.8

11

10.3

7.6

9.3

8.3

5.9

قطر

3.9

3.3

2.4

2

1.8

2

2

2

1.5

_____

السعودية

9.8

8.7

8.4

8

8.3

9.2

8

11

10

8.4

سوريا

5.4

6.2

5.5

5

4.4

4.1

3.6

4

4.1

______

الإمارات

4.9

4.7

4.6

3.7

3.2

3.3

3.7

5.1

5.9

5.4

اليمن

6.9

6.9

5.3

4.9

4.3

4.9

4.4

_____

_____

3.5

السودان

2.7

3.9

4.7

3.3

3.4

______

_____

_____

______

_____

موريتانيا

3.2

4.9

4.9

3.7

3

______

3.4

3.8

_____

_____

المصدر: قاعدة بيانات معهد إستوكهولم لبحوث السلام.

وبالنظر للبيانات المذكورة بالجدول نجد أن نسبة إنفاق الدول العربية كنسبة من الناتج المحلي على المستوى القطري لا يستهان بها، ولكن ما من دولة عربية نجحت في توفير ما يمكن اعتباره الأمن الكامل داخليًا وخارجيًا. ولا أدل على ذلك من أن ارتفاع نسبة الإنفاق لدول الخليج للأغراض العسكرية لم يشفع لها في أن تستعين بأميركا والغرب في توفير الحماية اللازمة من خلال القواعد العسكرية، وغيرها من اتفاقيات الحماية المشتركة.

ومما يمكن رصده في هذا المضمار أن الإنفاق للأغراض العسكرية بالدول العربية بهذه النسب المرتفعة من الناتج المحلي لم ينجح في خلق مجتمعات ديمقراطية، ولكنه ولد مزيدا من الدكتاتورية للنظم القمعية الحاكمة. فلا توجد دولة عربية واحدة يمكن اعتبارها راسخة في تجربتها الديمقراطية. فحتى تجارب الديمقراطية الوليدة يتم التآمر عليها من قبل العسكر بالدول العربية، لكي يؤول الأمر إليهم مرة أخرى.

لماذا ينفق العرب على التسليح؟
من الطبيعي أن يكون الإنفاق العسكري له مردوده الاقتصادي والاجتماعي، ولكن الملاحظ أن هناك علاقة غير طبيعية في الوطن العربي. ففي الوقت الذي تزداد فيه النفقات العسكرية، نجد أن الأداء الاقتصادي والاجتماعي لم يتحسن باطراد، نتيجة هذا الإنفاق. فالهجرة غير الشرعية من الدول العربية لأوروبا ما زالت مستمرة، بل في تزايد، كما أن الفقر والبطالة لا يزالان ينموان بمعدلات تثير المخاوف.

حتى إن المنطقة العربية تُعد الأقل حظًا مقارنة بباقي أقاليم العالم من حيث جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، حيث تشير بيانات عام 2012 إلى تراجع نصيب المنطقة العربية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى نسبة 2.7% من إجمالي الاستثمارات العالمية، بعد أن كانت عام 2011 بحدود 5%.

كما أن حركة السياحة تتأثر كذلك بسبب حالة الاضطراب الأمني بالمنطقة منذ فترة. فالمنطقة العربية تستقبل نسبة 8.3% من حركة السياحة العالمية، حسب بيانات 2010، على الرغم من امتلاكها لثروات ومعالم سياحية هائلة، تؤهلها للاستحواذ على أضعاف هذه النسبة، ولكنها الظروف الأمنية المضطربة التي تشهدها المنطقة سواء بسبب النزاعات البينية، أو تلك المتعلقة بتدخل القوى الدولية.

الأمن القومي العربي لا يمثل اهتماما جمعيًا من قبل الدول العربية، سواء من خلال مؤسسات الجامعة العربية، أو حتى على صعيد تنسيقي قطري بين الدول، ولكن كل دولة تدير شأنها الأمني الخارجي والداخلي بمعزل عن بقية الدول الأخرى

ولعل ثورات الربيع العربي كانت ترجمة لهذا التردي الاقتصادي والاجتماعي، وشعور المواطنين بغياب العدالة الاجتماعية، وتسلط النظم العربية. فالمجتمع العربي اكتشف أن الإنفاق العسكري يأتي من أجل تحقيق أمن الأنظمة الدكتاتورية وليس لأمن المجتمعات والدول العربية.

وفي ظل التسوية المرتقبة بمنطقة الشرق الأوسط ككل، والتي تعتبر المنطقة العربية الجزء الأكبر منها، نجد أن خريطة القوى الإقليمية تشهد تهميشًا للدول العربية. فملامح التسوية تأتي لصالح إيران وتركيا وإسرائيل، وحضور غير مرض للسعودية، في حين تغيب مصر بسبب أوضاعها الداخلية. وإذا كانت حسابات التسوية سياسية أمنية بالدرجة الأولى، فمن الأجدر أن نتساءل لماذا تم التهميش العربي؟

والملفت للنظر في الإنفاق على الأغراض العسكرية في العالم العربي، عدة أمور منها أن الأمن القومي العربي لا يمثل اهتماما جمعيًا من قبل الدول العربية، سواء من خلال مؤسسات الجامعة العربية، أو حتى على صعيد تنسيقي قطري بين الدول، ولكن كل دولة تدير شأنها الأمني الخارجي والداخلي بمعزل عن بقية الدول الأخرى.

ويدلل على ذلك الأزمات التي مرت بها الدول العربية على مدار العقود الثلاثة الماضية، فلم نشهد تحركا عربيا جماعيا تجاه إحدى الأزمات التي مرت بها أية دولة عربية، بل المشاهد عكس ذلك أن السلاح العربي استخدم في حروب عربية عربية، أو في مساهمة العرب في التدخلات الغربية بالمنطقة كما حدث في العراق وليبيا.

والأمر الثاني أن جل الأسلحة المستخدمة في الدول العربية، إنما هي إنتاج أميركي غربي، يتم استيراده بشكل دائم، ولا يتم إنتاج السلاح أو أجزاء منه إلا في عدد قليل من الدول العربية، وبالتالي ستظل الدول العربية أسيرة استيراد التكنولوجيا العسكرية، وهي مرتبطة باعتبارات أمنية للمنطقة من المنظور الأميركي الغربي، وهو ألا يمتلك العرب أية تكنولوجيا عسكرية لا تمتلكها إسرائيل.

ولعل من المفيد أن نذكر أن من مآسي العمل العربي المشترك، إهمال مشروع الهيئة العربية للتصنيع الحربي في مصر، وهو المشروع الذي تم تبنيه من قبل العرب بعد هزيمة 1967 أمام إسرائيل، واحتلالها الكامل لفلسطين، ولأجزاء من سوريا ومصر والأردن. وعلى الرغم من عودة العلاقات العربية العربية في منتصف الثمانينيات لوضعها الطبيعي فإنه لم يتم التفكير في إحياء دور الهيئة العربية للتصنيع مرة أخرى.
ــــــــــــــــــ
كاتب صحفي مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة