الدول الفقيرة ومشكلة الناتج المحلي الإجمالي   
الأربعاء 28/6/1434 هـ - الموافق 8/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 23:01 (مكة المكرمة)، 20:01 (غرينتش)



بيل غيتس

- تحديات أكبر
- مشكلات حسابية
- تقنيات مختلفة
- ما المطلوب؟

حتى في الأوقات الطيبة مالياً نادراً ما تفيض الميزانيات والأموال المخصصة للتنمية. ويتعين على الحكومات والهيئات المانحة أن تتخذ قرارات صعبة لتحديد الجهات التي تستحق تركيز مواردها المحدودة. ولكن كيف يقرر المرء أي الدول تستحق الحصول على قروض ميسرة (منخفضة التكاليف) أو لقاحات أرخص ثمناً؟ وأيها قادرة على تمويل برامج التنمية الخاصة بها؟

تتوقف الإجابة جزئياً على الكيفية التي نقيس بها النمو الاقتصادي والتحسن في حياة الناس. وتقليدياً كان من بين العوامل المرشدة في هذا السياق نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي، وهو قيمة السلع والخدمات التي تنتجها دولة ما في عام كامل مقسومة على عدد سكان هذه الدولة.

غير أن الناتج المحلي الإجمالي قد يكون مؤشراً غير دقيق في الدول الأشد فقرا، ويشكل هذا مصدر قلق ليس فقط بالنسبة لصانعي السياسات أو الأشخاص الذين يطلعون مثلي على الكثير من تقارير البنك الدولي، ولكن أيضاً بالنسبة لكل من يريد استخدام الإحصائيات لدعم حجته بضرورة مساعدة أفقر الناس في العالم.

كنت لفترة طويلة أعتقد أن الناتج المحلي الإجمالي لا يعبر عن النمو بشكل كامل حتى في الدول الغنية، حيث يتم قياسه بوسائل متطورة، لأنه من الصعب للغاية مقارنة قيمة سلال السلع عبر فترات زمنية مختلفة. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، كان اقتناء مجموعة من الموسوعات في عام 1960 أمرا مكلفا للغاية ولكنه كان يحمل قيمة عظيمة بالنسبة للأسر التي يواظب أطفالها على الدرس والتحصيل.

أستطيع أن أتحدث من واقع تجربتي الشخصية، حيث أنفقت ساعات طويلة في القراءة المتأنية في المجلدات العديدة لموسوعة كتاب العالم التي اشتراها والداي لي أنا وأختي. والآن وبفضل الإنترنت أصبح بوسع الأطفال الوصول إلى قدر أعظم كثيراً من المعلومات وبالمجان. كيف يمكنك أن تحول أمراً كهذا إلى عوامل حسابية في الناتج المحلي الإجمالي؟

بفضل الإنترنت أصبح بوسع الأطفال الوصول إلى قدر أعظم كثيراً من المعلومات وبالمجان. كيف يمكنك أن تحول أمراً كهذا إلى عوامل حسابية في الناتج المحلي الإجمالي؟

تحديات أكبر
وتصبح التحديات التي ينطوي عليها حساب الناتج المحلي الإجمالي أكثر شدة في الدول الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا، نظراً لضعف الهيئات الإحصائية الرسمية الوطنية والانحيازات التاريخية التي تشوش القياسات الحاسمة.

وقد أمضى مورتن جيرفين الأستاذ المساعد بجامعة سيمون فريزر -الذي أزعجه كثيراً ما اعتبرها مشاكل مستعصية في الإحصاءات الوطنية في زامبيا- (أمضى) أربعة أعوام في فحص الكيفية التي تحصل بها الدول الأفريقية على بياناتها والتحديات التي توجهها في تحويلها إلى تقديرات للناتج المحلي الإجمالي.

والواقع أن كتابه الجديد "أرقام هزيلة: كيف تضللنا إحصاءات التنمية الأفريقية وماذا نفعل حيال ذلك؟"، يسوق حجة قوية مفادها أن الكثير من قياسات الناتج المحلي الإجمالي التي كنا نتصور أنها دقيقة بعيدة كل البعد عن الدقة.

ويلاحظ جيرفين أن العديد من الدول الأفريقية لديها مشكلة في قياس حجم اقتصادات الكفاف والأنشطة الاقتصادية غير النظامية الكبيرة الحجم نسبياً لديها. فكيف يتسنى لك أن تضيف إلى حساباتك إنتاج المزارع الذي يأكل ما يزرعه؟ وإذا كنا ننتقص من قيمة زراعة الكفاف على نحو منتظم فإن بعض ما يبدو وكأنه نمو مع انتقال اقتصاد ما من نظام الكفاف قد لا يعكس سوى تحول نحو شيء يسهل تسجيله إحصائياً.

مشكلات حسابية
وهناك مشاكل أخرى ترتبط ببيانات الناتج المحلي الإجمالي لدى الدول الفقيرة. على سبيل المثال، لا تقوم أغلب الدول في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا بتحديث بياناتها بما فيه الكفاية عادة. لذا فإن أرقام الناتج المحلي الإجمالي لديها قد تغيب عنها قطاعات كبيرة وسريعة النمو من الاقتصاد، مثل الهواتف المحمولة. فعندما قامت غانا بتحديث بياناتها قبل بضع سنوات قفز ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 60%. ولكن العديد من الناس لم يفهموا أن هذا كان مجرد شذوذ إحصائي، وليس تغيراً حقيقياً في مستوى معيشة سكان البلاد.

وبالإضافة إلى هذا، هناك عدة طرق لحساب الناتج المحلي الإجمالي، ومن الممكن أن تسفر عن نتائج مختلفة إلى حد كبير. ويذكر جيرفين ثلاث طرق، أولاها مؤشرات التنمية العالمية التي ينشرها البنك الدولي (وهي إلى حد بعيد مجموعة البيانات الأكثر استخداماً)، والثانية جدول بن العالمي الذي تنشره جامعة بنسلفانيا، والثالثة مشروع ماديسون في جامعة غرونينغن الذي يستند إلى عمل الاقتصادية الراحلة أنغوس ماديسون.

 عندما قامت غانا بتحديث بياناتها قبل بضع سنوات، قفز ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 60%. ولكن العديد من الناس لم يفهموا أن هذا كان مجرد شذوذ إحصائي وليس تغيراً حقيقياً في مستوى معيشة سكان البلاد

تعتمد هذه المصادر على البيانات الأساسية نفسها، ولكنها تُعدلها بطرق مختلفة لمراعاة معدل التضخم وغير ذلك من العوامل. ونتيجة لهذا فإن ترتيبها لاقتصادات البلدان المختلفة قد يأتي متبايناً إلى حد كبير. فليبيريا على سبيل المثال هي ثاني أفقر دولة في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، أو سابع أفقر دولة، أو الدولة الثانية والعشرون، من حيث الناتج المحلي الإجمالي، اعتماداً على الهيئة التي تستشيرها.

ولا يقتصر الاختلاف على الترتيب النسبي فحسب، ففي بعض الأحيان قد يظهر أحد المصادر أن دولة ما تنمو بعدة نقاط مئوية، ويظهِر مصدر آخر أنها انكمشت على مدى نفس الفترة الزمنية.

ويستشهد جيرفين بهذه التناقضات لكي يبرهن على أننا لا نستطيع أن نجزم بما إذا كان الناتج المحلي الإجمالي لإحدى الدول الفقيرة أعلى من دولة أخرى فقيرة، وأننا لا ينبغي لنا أن نعتمد على الناتج المحلي وحده في إصدار الأحكام بشأن أي السياسات الاقتصادية تقود إلى النمو.

تقنيات مختلفة
ولكن هل يعني هذا أننا لا نعرف حقاً أي شيء حول ما قد ينجح (وما قد لا ينجح) في تحقيق التنمية؟ كلا، فقد استخدم الباحثون لفترة طويلة تقنيات مثل دراسات المسح الأسري الدورية لجمع البيانات.

وعلى سبيل المثال، يتم إجراء المسح الديمغرافي والصحي بشكل منتظم لتحديد أمور مثل معدلات الوفاة بين الأطفال والأمهات. وعلاوة على ذلك يستخدم خبراء الاقتصاد تقنيات جديدة مثل خرائط الأقمار الصناعية لمصادر الضوء لمساعدتهم في تقدير النمو الاقتصادي. ورغم أن مثل هذه الطرق ليست مثالية، فإنها أيضاً ليست عُرضة لنفس المشاكل المرتبطة بالناتج المحلي الإجمالي.

وهناك طرق أخرى غير مثالية بالقدر نفسه تستعمل لقياس مستويات المعيشة الإجمالية في دولة ما، ولكنها رغم ذلك تقدم بعض الطرق الإضافية لفهم الفقر، فتستخدم طريقة تسمى مؤشر التنمية البشرية الإحصاءات الخاصة بالصحة والتعليم بالإضافة إلى الناتج المحلي الإجمالي. كما تستخدم طريقة أخرى هي مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد الذي يضم عشرة مؤشرات بما في ذلك التغذية والصرف الصحي والقدرة على الحصول على وقود الطهي والمياه.

ومن خلال استخدام تعادل القوة الشرائية، الذي يقيس تكاليف نفس السلة من السلع والخدمات في دول مختلفة، يستطيع خبراء الاقتصاد تعديل الناتج المحلي الإجمالي بحيث يتعرف بشكل أفضل على مستويات المعيشة.

ما المطلوب؟
ولكن من الواضح في نظري أننا على الرغم منذ ذلك نحتاج إلى تكريس المزيد من الموارد للتوصل إلى أرقام الناتج المحلي الإجمالي الأساسية الصحيحة. وكما يزعم جيرفين فإن الهيئات الإحصائية الوطنية في مختلف أنحاء أفريقيا تحتاج إلى المزيد من الدعم حتى يتسنى لها الحصول على بيانات أكثر دقة.

ويتعين على الحكومات المانحة والمنظمات الدولية مثل البنك الدولي أن تقدم المزيد لمساعدة الدول الأفريقية على رسم صورة أكثر وضوحاً لاقتصاداتها. ويتعين على صانعي السياسات الأفارقة أن يكونوا أكثر صرامة في المطالبة بإحصاءات أفضل واستخدامها في اتخاذ القرار بناءً على اطلاع ومعرفة أوفر.

وأنا من أشد أنصار الاستثمار في الصحة والتنمية في مختلف أنحاء العالم، وكلما كانت الأدوات المتاحة لنا لقياس التقدم أفضل، كان بوسعنا أن نضمن وصول هذه الاستثمارات إلى الناس الأكثر احتياجاً إليها.
ـــــــــــ
الرئيس المشارك لمؤسسة بل وميلنيدا غيتس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة