دعم طهران للأسد رغم الضغوط الاقتصادية   
الأربعاء 1436/11/18 هـ - الموافق 2/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:55 (مكة المكرمة)، 12:55 (غرينتش)

تامر بدوي

عاملان تنطلق منهما التكهنات بشأن مستقبل دعم طهران لنظام الأسد والمليشيات المقاتلة, ألا وهما هبوط سعر النفط ورفع العقوبات عن الاقتصاد الإيراني.

والعاملان يعطيان إشارات متضاربة بشأن مدى قدرة طهران على الاستمرار في تعزيز توسعها الإقليمي المدفوع بأموال النفط.

فبينما يعزز الأول (هبوط أسعار النفط) حجة التحليلات التي تذهب إلى أن طهران ستصبح تحت ضغط أكبر للاستمرار في دعمها لوكلائها في المنطقة, يقوض الثاني (رفع العقوبات) من حجة التحليل الأول، مع وجود سيل من التحليلات التي تذهب إلى أن طهران ستتمكن خلال السنتين القادمتين من إنعاش اقتصادها مع بدء رفع العقوبات في الربع الأول من العام القادم، وهو ما سيمكنها بالتالي من الحفاظ على مستوى التمويل الذي تقدمه لوكلائها على أقل تقدير أو زيادته.

تقديرات مختلفة لحجم الدعم
تراجع عائدات النفط وضغوط الداخل
تأثير رفع العقوبات

تقديرات مختلفة لحجم الدعم
بدايةً, تختلف التقديرات بشأن ما تقدمه طهران سنوياً لنظام الأسد والتشكيلات المسلحة التابعة لها في سوريا من دعم.

ففي تقرير نشر أواخر أبريل/نيسان الماضي, نقل موقع صحيفة كريستيان ساينس مونيتور عن مصادر دبلوماسية في بيروت أن طهران تنفق ما بين مليار وملياري دولار شهرياً على الحرب في سوريا في صورة مدفوعات نقدية ودعم عسكري (أي 12-24 مليار دولار سنوياً).

اما ستيفان دي ميستورا المبعوث الأممي -وفقاً للتقرير- فقد تحدث في تجمع خاص في واشنطن عن إنفاق طهران 35 مليار دولار سنوياً في سوريا . ولاحقاً، في مقال نُشر على موقع وكالة بلومبيرغ للأخبار الاقتصادية بعنوان "إيران تنفق المليارات لدعم الأسد" لإيلي ليك, في بداية يونيو/حزيران من العام الجاري, نقلت جيسي شاهين, المتحدثة الرسمية باسم دي مسيستورا إلى الكاتب تقدير دي مستورا لحجم إنفاق إيران السنوي في سوريا الذي يقارب الستة مليارات دولار. وكذلك, نقل الكاتب تقدير أحد الخبراء الأميركيين الذي رأوا أن إيران تقدم دعما لنظام الأسد بما بين 15 وعشرين مليار دولار سنوياً.

إن الاستمرار في دعم نظام االأسد قد يدفع الشارع الإيراني إلى التساؤل عن جدوى الإنفاق العسكري في سوريا وسط التراجع في سعر النفط الذي يؤثر على أهم مصادر دخل الاقتصاد في ظل أيضاً التوقعات الاقتصادية المرتفعة للمواطنين الإيرانيين بعد الاتفاق النووي.

يمكن تخيل الفارق الضخم بين الرقمين اللذين ذكرهما دي مستورا (لو صح التصريح بهما ونقلهما) عند قياسهما بالناتج المحلي الإجمالي لإيران بعد العام الأول من اندلاع الثورة السورية.

فاعتماداً على بيانات البنك الدولي لحجم الناتج المحلي لإيران, يشكل رقم 35 مليار دولار (التقدير الأول المنقول عن دي مستورا) بشكل تقريبي 6.2% من الناتج المحلي الإجمال لعام 2012 ثم 7% من ناتج عام 2013 وأخيراً 8.4% من ناتج عام 2014.

وتُشكل الستة مليارات دولار (التقدير الثاني المنقول عن دي مستورا) بشكل تقريبي 1.1% من ناتج عام 2012 ثم 1.2% من ناتج عام 2013 وأخيراً 1.4% من ناتج عام 2014.

وبعيداً عن التقديرات السابقة, يرى باتريك كلاوسون, مدير الأبحاث بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى -في تحليل له, نشر في بداية شهر يوليو/تموز من العام الجاري- أن تمويل إيران للمليشيات التابعة لها في سوريا والعراق لا يكلفها الكثير. فإذا أنفقت إيران 1200 دولار شهرياً (راتب وتسليح) على أفراد مليشيات يصل عدد أفرادها إلى 140 ألف مقاتل, فإن ذلك لن يكلفها سوى ملياري دولار سنوياً. وبالإضافة, قد تنفق طهران من مليار إلى ملياري دولار إضافيين على الرشى السياسية والمعونات الإنسانية. لكن يشير كلاوسون إلى أن أكثر الدعم الإيراني جاء للنظام السوري في صورة نفط لم تتمكن طهران من بيعه بسبب العقوبات وبسبب ضعف الطلب السوقي أيضاً. ويخلص كلاوسون إلى أنه إذا انفقت طهران عشرة مليارات دولار على نشاطاتها الإقليمية, فإن ذلك الرقم سيمثل أقل من 3% من ناتجها المحلي الإجمالي.

لكن إذا كان هذا الإنفاق لا يشكل عبئاً اقتصادياً على طهران, لماذا علل حسين شيخ الإسلام, مستشار رئيس البرلمان الإيراني للشؤون الدولية, في تصريح له (موقع الرسالة.نت 18 أغسطس/آب 2015) تراجع الدعم الإيراني لفصائل المقاومة الفلسطينية بمشكلات مالية تواجهها طهران؟ ما لم يكن في الحقيقة لأسباب سياسية مباشرة تتعلق بالتوجهات الإقليمية.

تراجع عائدات النفط وضغوط الداخل
وعلى أساس التقديرات التي تقلل من حجم دعم طهران لنظام الأسد والمليشيات المقاتلة, قد لا يضع ذلك الدعم ضغوطاً كبيرة على الاقتصاد الإيراني في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً. لكن الاستمرار في ذلك الدعم قد يدفع الشارع الإيراني إلى التساؤل عن جدوى الإنفاق العسكري في سوريا وسط التراجع في سعر النفط الذي يؤثر على أهم مصادر دخل الاقتصاد في ظل أيضاً التوقعات الاقتصادية المرتفعة للمواطنين الإيرانيين بعد الاتفاق النووي.

وعلى أساس تصريحات محمد باقر نوبخت -مستشار الرئيس للشؤون الإستراتيجية ورئيس جهاز التخطيط والإدارة- يشير تقرير لجريدة الشرق الإيرانية, نشر في 4 أغسطس/آب الجاري, إلى أن العجز قد يصل إلى 47% في الموازنة في هذا العام. أما البرلماني أحمد توكلي فقد توقع وصول العجز حتى نهاية العام إلى 41% (راديو فردا 2 أغسطس/آب 2015). وبالتالي قد ينعكس ذلك بشكل كبير على إنفاق طهران العسكري الذي نما بنسبة تصل إلى نحو 33% هذا العام والتي يستحوذ الحرس على 60% منها بحسب بعض التقديرات.

ويبدو أن تأثر طهران بالتداعيات السلبية للتطورات النفطية الأخيرة يعكس اتجاهها المتزايد نحو سياسة مالية أكثر تشددا فيما يتعلق بزيادة عائداتها الضريبية. ففي النصف الثاني من أغسطس/آب العام الجاري أعطى الرئيس الإيراني حسن روحاني أوامره للمؤسسات المصرفية بتقديم كشوفات سنوية بتعاملات الأفراد والمؤسسات الإيرانية إلى الجهاز الضريبي، وهو ما أعطى انطباعاً برغبة الإدارة الإيرانية في التوسع في تحصيل الضرائب لتشمل الودائع.

عند الحديث عن تحرير الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج مع رفع العقوبات, تتجه توقعات العديد من المراقبين إلى إنفاق هذه المليارات على العمليات القتالية في سوريا لكن تُغفل عادةً المشكلات الاقتصادية التي تواجهها طهران في الداخل

ولاحقاً بعد إثارة هذه الخطوة جدلاً واسعاً, نفى ولي الله سيف -محافظ البنك المركزي الإيراني- استهداف هذه الخطوة للودائع البنكية ذاتها, موضحاً أنها تهدف فقط إلى مراقبة التعاملات المالية لدافعي الضرائب. وتأتي هذه الخطوة ضمن إعلان أصدره روحاني يتكون من ستين مادة بعد تمرير رئيس مجلس الشوري الإسلامي (البرلمان) النسخة المعدلة من قانون الضرائب المباشرة إلى الرئيس.

وكان الرئيس الإيراني في بداية العام الميلادي الجاري قد دعا المؤسسات التجارية التابعة للحرس الثوري والمرشد الأعلى إلى التخلي عن الإعفاءات الضريبية التي تتمتع بها ودفع الضرائب, في محاولة لمواجهة تراجع العائدات النفطية. ووفقاً لتقرير نشرته جريدة اعتماد في أغسطس/آب من العام الجاري, ذكر علي عسكري -رئيس الجهاز الضريبي- أن 60% من الاقتصاد الإيراني معفى من الضرائب.

يذكر أن العائدات الضريبية تستحوذ على ما يقارب 40% من عائدات موازنة هذا العام في مقابل 32% لعائدات النفط بحسب لائحة موازنة العام المالي الجاري (سنة 1394 الفارسية). وقد زادت نسبة العائدات المخطط لها في لائحة موازنة العام المالي الجاري مقارنة بالرقم المستهدف في قانون موازنة العام المالي الماضي بنسبة 22-23% تقريباً.

تأثير رفع العقوبات
عند الحديث عن تحرير الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج مع رفع العقوبات, تتجه توقعات العديد من المراقبين إلى إنفاق هذه المليارات على العمليات القتالية في سوريا. لكن تُغفل عادةً المشكلات الاقتصادية التي تواجهها طهران في الداخل والتي تضع النظام الإيراني في حاجة ماسة إلى إنفاق هذه المليارات بحذر وسط عائدات النفط المتراجعة وحالة الركود التي لا تزال تعاني البلاد منها.

لكن مع رفع العقوبات عن قطاعات حيوية كالقطاع المصرفي, ستزيد قدرة النظام الإيراني على تعزيز كفاءة منظومته الاقتصادية ومن ثم ستزيد قدرة الحرس الثوري على تمويل عملياته في سوريا على المدى القصير. ومع ذلك, الأرجح هو أن قدرة طهران على المحافظة أو زيادة دعمها للنظام السوري ومليشياتها ستظل مقيدة بسقف سعر النفط وحصتها السوقية. 
_______________
باحث مختص بالشأن الإيراني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة