الطريق إلى ميدان التحرير ح6   
السبت 1432/10/27 هـ - الموافق 24/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:34 (مكة المكرمة)، 12:34 (غرينتش)

جمال مبارك كان يستعد لخلافة والده في الحكم (الجزيرة)


النصائح الاقتصادية المدمرة التي قدمها صندوق النقد الدولي لنظام مبارك، ونشوء "رأسمالية المحسوبية" جراء ذلك هي التي أوقدت جذوة غضب المصريين وفجرت ثورة يناير لاحقا.

الجيش يرقب عن كثب
بالنسبة لمن هم خارج المؤسسة العسكرية، ثمة هالة من الغموض تحيط بالجيش المصري الذي حافظ على علاقات وثيقة مع مؤسسة الرئاسة منذ ثورة 1952 التي قادها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. ثمة تقليد راسخ يبقي المعاملات المالية للقوات المسلحة في منأى عن أعين العامة والبرلمان.

يقول بروس روثرفورد، الأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة كولغيت "ما نعرفه عن الجيش المصري ضحل للغاية". لكنه يضيف أنه من المعروف برغم ذلك أنه يسيطر على شطر كبير من الاقتصاد القومي. وتشير تقديرات إلى أنه يدير إمبراطورية اقتصادية تضم عشرات الفنادق والمنتجعات والمصانع بما يمثل ما قد يصل إلى 40% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.

ولما كان الجيش يملك عددا من شركات القطاع العام التي تحظى بمزايا استثنائية تعطيه قدرة تنافسية، كالإعفاءات الضريبية واعتماده على عمالة من بين صفوفه، فإن سياسات تحرير الاقتصاد بدت مصادمة لمصالحه.

يضيف روثرفورد "إن فتح السوق المصرية أمام المنتجين من الخارج، يعني تضاؤل حصته منها لصالح المنتجات القادمة من آسيا وجنوب آسيا والتي لا يستطيع منافستها".

ومن هنا ليس مستغربا أن تشير برقية صادرة عن السفارة الأميركية بالقاهرة عام 2008 ونشرت على موقع ويكيليكس إلى ذلك قائلة "إننا نرى أن دور الجيش في الاقتصاد كقوة تعوق الإصلاحات الاقتصادية عبر زيادة تدخل الدولة المباشر في الأسواق.. ويتفق معظم المحللين على أن الجيش يعتبر برامج الخصخصة الحكومية تهديدا لمصالحه الاقتصادية، وهو بالتالي يعارض الإصلاحات الاقتصادية بالجملة".

ولقد أثارت العلاقة الوثيقة التي جمعت نظام مبارك بأباطرة العقارات حفيظة كبار الجنرالات الذين "رأوا في سياسة بيع الأراضي لشركات التطوير العقاري بأسعار بخسة تهديدا لمصالحهم" وفقا لطارق مسعود من جامعة هارفارد. ولكونه أكبر جهة لتطوير الأراضي في مصر، واجه الجيش منافسة متزايدة من طبقة رجال الأعمال الجدد مثل هشام طلعت مصطفى المدان بقتل المغنية اللبنانية سوزان تميم، والذي أثرى ثراءً فاحشاً نتيجة التوسع السريع الذي شهدته العاصمة المصرية.
 
جمال مبارك
وبينما كانت إجراءات تحرير الاقتصاد والمحسوبية تقوض مصالح الجيش الاقتصادية، بدا أن جمال مبارك يستعد لخلافة والده في الحكم.

ففي عام 2002، أصبح مبارك الابن أمين عام لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم آنذاك، ثم ما لبث أن ارتقى عام 2006 لمنصب نائب الأمين العام للحزب، وهو المنصب الذي دفع كثيرين للتكهن بأنه سينتهي به في سدة الرئاسة قريبا.

وبصفته القوة الدافعة وراء تشكيل "حكومة رجال الأعمال" ووراء الكثير من الإصلاحات التي تصب في مصلحة النخبة الاقتصادية من أصدقائه ومقربيه، بدا جمال خصما للمؤسسة العسكرية بحكم انعدام ولائه لها وتبنيه أيديولوجيا مناقضة لها.
 
ولأنه مصرفي يؤمن بنظام اقتصاد السوق غير الموجه، فإن سياساته ستستمر في نخر مصالح الجيش الاقتصادية، ومرشح لأن يكون أول رئيس مدني لمصر (من خارج مؤسسة الجيش) فإنه سيعمل على إقصاء الجيش عن مؤسسة الرئاسة بكل ما أوتي من قوة.

وقد عبر عن هذا الاستنتاج ستيفين كوك الباحث بشؤون الشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية ومؤلف الكتاب الذي سيصدر قريباً (النضال من أجل مصر.. من جمال عبد الناصر إلى ميدان التحرير) قائلا "قبل الثورة ساد انطباع بأن الجيش غير مرتاح كثيرا لفكرة توريث الحكم لمبارك الابن. أما الآن، تجدهم يتحدثون صراحة عن معارضتهم لها".

ظل جمال متحمساً لمشروع تحرير الاقتصاد، وقال في المؤتمر السنوي للحزب الحاكم الذي عقد بالقاهرة في ديسمبر/ كانون الأول 2010 "علينا أن نبدأ فوراً بموجة جديدة من الإصلاحات.. على أن تكون طموحة وجريئة أكثر".

وما أن بلغت مشاعر السخط الشعبي ضد مبارك والطغمة المحيطة به ذروتها واندلعت ثورة يناير بعد ذلك المؤتمر بنحو شهر، لم يكن لدى الجيش سبب يدعوه إلى مساندة نظام سيرثه جمال، بل كانت لديه كل الأسباب التي تدعوه لتركه يتهاوى.

وبانتهاء حكم سلالة مبارك بعد ثلاثة عقود من الحكم، واستقرار المقام به "منفيا" في منتجع شرم الشيخ، أصبحت أجندة الإصلاح الاقتصادي (التي قادها جمال مبارك) بيد المؤسسة العسكرية، وبذلك ضمنت حماية مصالحها الاقتصادية مجددا وأظهرت الجيش بمظهر "حامي الثورة ورافعتها."

ومنذ ذلك الوقت، دشن المجلس الأعلى للقوات المسلحة (الذي يتولى إدارة الدولة حاليا) حملة ملاحقات قضائية ضد معظم الشخصيات البارزة في دائرة جمال الداخلية، بمن فيهم وزير المالية السابق يوسف بطرس غالي ووزير التجارة السابق رشيد محمد رشيد.

غير أن هذا التحرك يبدو في حقيقته تحركا انتهازيا أكثر منه سعيا لإحقاق العدالة. فالرجلان (غالي ورشيد) محل غضب وسخط شعبي كبير بسبب علاقاتهما بمبارك الابن. وكما أشار مصدر مقرب من دائرة رجال الأعمال بمصر، فإن للأمر دوافع شخصية أكثر من أي شيء آخر. وقال المصدر الذي طلب عدم الإفصاح عن اسمه "لقد اغتنم الجيش الفرصة ليضع هذين الشخصين موضع ملاحقة قانونية  (كتصفية حسابات) لأنهما كانا قوة دافعة وراء سياسات الانفتاح الاقتصادي التي أضرت بمصالح الجيش".

وعلى أي حال، فإن المجلس العسكري يبدو أسعد الناس بأن عهد حكومات رجال الأعمال لن يعود ثانية، على الأقل في المستقبل القريب.

في الحلقة المقبلة نلقي نظرة على المستقبل


الحلقات السابقة:
جمر الغضب..  تحديات اقتصادية وأمنية
الخصخصة.. نمو بلا تنمية
ديمقراطية الخبز
الحركة العمالية تكشّر عن أنيابها
قبيل النزول إلى ميدان التحرير

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة