لا مخرج إلا بولايات متحدة أوروبية   
الثلاثاء 1432/12/6 هـ - الموافق 1/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:31 (مكة المكرمة)، 10:31 (غرينتش)

* يوشكا فيشر

منطقة اليورو في قلب الأزمة المالية العالمية، وفي هذه المنطقة التي تمثل معقل ثانية أهم العملات العالمية بعد الدولار صادفت هذه الأزمة منظومة ضعيفة تعوزها أدوات المقاومة التي تملكها الدول القوية. إنها منظومة تفقد يوما بعد يوم ثقة مواطنيها وأسواقها في قدرتها على حل مشكلاتها وتدفع في ذات الوقت بالنظام المالي الدولي إلى حافة الكارثة.

بعبارة أخرى، فإن الأزمة المالية اليوم تعكس أزمة سياسية لمنطقة اليورو، وهي أزمة تلقي بظلال شك كبير في إمكانية استمرار المشروع الأوروبي كتلة واحدة.

وإذا ما فشل الاتحاد النقدي الأوروبي، فلن يبقى الكثير من السوق المشتركة والمؤسسات والاتفاقات الأوروبية، حينذاك سندفن قصة نجاح استثنائية تمكنت عبر ستة عقود من تحقيق تكامل أوروبي، وسنرث تداعيات لا يعرف طبيعتها ومداها أحد.

وسيتصادف هذا الفشل مع بزوغ شمس نظام دولي جديد وأفول نجم قرنين من السيطرة والهيمنة الغربية.

فالقوة والثروة تتحول باتجاه دول شرق آسيا ودول صاعدة أخرى، في حين ستكون الولايات المتحدة منشغلة بمشكلاتها وبتوجيه دفة علاقاتها صوب الباسيفيكي بعيدا عن الأطلسي. وإذا لم يصن الأوروبيون مصالحهم الآن، فلن يجدوا من يصونها لهم، وإذا لم تصبح أوروبا وكيلة لمصيرها، فستغدو هدفا لقوى النظام الدولي الجديد.

أزمة أوروبا ليست ناجمة عن ثلاثة عقود من النيوليبرالية، وليست ناتجة عن انفجار فقاعة العقارات أو انتهاك معايير ماسترخت أو تعاظم ديونها أو جشع مصرفييها، صحيح أن كل هذه العوامل أسهمت في هذه الأزمة، لكن مشكلة أوروبا ليست فيما حدث وإنما فيما لم يحدث ألا وهو عدم إنشاء حكومة أوروبية مشتركة.

في بواكير عقد التسعينيات حينما قررت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إنشاء اتحاد نقدي وإطلاق عملة موحدة ومصرف مركزي، لم تحظ فكرة إنشاء حكومة مركزية بأي دعم، ونتيجة لذلك تم إرجاء تلك المرحلة من منظومة الاتحاد النقدي، مما خلف مشروعا عظيما لكنه يفتقد لأساس قوي يضمن استقراره في وقت الأزمات. تحولت السيادة النقدية إلى قضية وهدف مشترك، لكنها ظلت قضية وطنية تمارسها كل عاصمة لوحدها.

في ذلك الوقت، ساد اعتقاد بأن فرض منظومة من القواعد والضوابط على مستويات العجز والديون السيادية والتضخم سيكون كافيا، لكن سرعان ما تبين أن هذه القواعد مجرد وهم، فالمبادئ تحتاج دوما إلى قوة تسندنها، وإلا فإنها لن تقوى على الصمود أمام اختبار الواقع.

"
أي شيء أقل من ولايات متحدة أوروبية لن يكون قويا بما يكفي لمنع سيناريو الانهيار الذي يطل برأسه
"
فشل اليورو
اليوم فشلت منطقة اليورو (المؤلفة من دول سيادية وعملة موحدة ومبادئ وآليات مشتركة) أمام اختبار الواقع، وهي إذ تعجز عن التصدي لأزمتها بقوة، تفقد عنصر الثقة الذي يمثل أهم مرتكزات ومقومات أي عملة في العالم.

وإذا لم يقع تحول إلى "أوروبة" القوة السياسية في أوروبا وتحويل الاتحاد الكونفدرالي إلى اتحاد فدرالي، فإن منطقة اليورو (بل والاتحاد الأوروبي كله) ستتفكك، وحينذاك ستكون الكلفة السياسية والاقتصادية والمالية لعودة كل دولة إلى وضعها الأصلي، كلفة خيالية، وهناك من الأسباب ما يكفي لوقوع سيناريو الانهيار.

وعلى الجهة المقابلة، فإذا ما جرى سد "الثغرة السياسية" في منظمة الاتحاد النقدي، أولا عبر تأسيس اتحاد مالي (موازنة والتزامات مشتركة) فسيكون إنشاء اتحاد فدرالي سياسي ممكنا. ولنكن واضحين، أي شيء أقل من ولايات متحدة أوروبية لن يكون قويا بما يكفي لمنع سيناريو الانهيار الذي يطل برأسه.

وسواء أحببنا ذلك أم لم نحب، سيتعين على منطقة اليورو أن تلعب دور القاطرة بالنسبة للاتحاد الأوروبي، لأن الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة بأعضائه الـ27، لن يكون مستعدا ولا قادرا على تسريع الاتحاد السياسي. وللأسف فقد فشل قادة الاتحاد في الاتفاق بالإجماع على إجراء التغييرات الضرورية الخاصة بمعاهدات الاتحاد.

إذن ما الذي ينبغي عمله؟ لقد حقق الأوروبيون تقدما حاسما في مجال التكامل خارج نطاق المعاهدات الأوروبية (لكن بروح أوروبية حقيقية) عندما وافقوا على فتح حدودهم بموجب اتفاقية شنغن (التي غدت اليوم إحدى معاهدات الاتحاد الأوروبي)، وبالاعتماد على تلك التجربة الناجحة، يتعين على منطقة اليورو تجنب خطيئة الاتحاد الأوروبي الأولى المتمثلة في إنشاء بنى "فوق وطنية" تفتقد إلى الشرعية الديمقراطية.

"
لا إمكانية لوجود اتحاد مالي دون وجود ميزانية مشتركة، فليس بالإمكان إقرار أي شيء دون موافقة البرلمانات الوطنية للدول الأعضاء. وهذا يعني أنه لا غني عن "اتحاد برلماني أوروبي" يضم البرلمانات الوطنية للدول الأعضاء
"
حكومة مؤلفة
منطقة اليورو تحتاج إلى حكومة مؤلفة (كما عليه الحال في الوقت الراهن) من رؤساء الدول والحكومات، وهو تطور بدأ بالفعل. ولأنه لا إمكانية لوجود اتحاد مالي دون وجود ميزانية مشتركة، فليس بالإمكان إقرار أي شيء دون موافقة البرلمانات الوطنية للدول الأعضاء. وهذا يعني أنه لا غني عن "اتحاد برلماني أوروبي" يضم البرلمانات الوطنية للدول الأعضاء.

مبدئيا، يمكن "للاتحاد البرلماني الأوروبي" المقترح أن يكون هيئة استشارية مع بقاء صلاحيات البرلمانات الوطنية على حالها. وفي وقت لاحق وبعد إقرار معاهدة بين الحكومات الأوروبية، يجب أن يتحول إلى هيئة برلمانية ذات قدرة على صناعة القرار، مؤلفة من أعضاء البرلمانات الوطنية. وبالطبع ولأن معاهدة من هذا النوع تعني التخلي عن قدر كبير من السيادة لصالح المؤسسات الأوروبية المشتركة، فإنها تحتاج إلى شرعية شعبية عبر استفتاءات في كافة الدول الأعضاء بما في ذلك ألمانيا على وجه الخصوص.

وإذا كان من درس تعلمناه من الأزمة المالية الراهنة فهو أن منطقة اليورو ستبقى في مهب الريح ما لم تحتم بإطار مؤسساتي وتعيد تأسيس الأرضية التي تقف عليها عبر إنشاء حكومة حقيقية ورقابة برلمانية فعالة وشرعية ديمقراطية حقيقية.

ــــــــــــــــــ
وزير خارجية ألمانيا الأسبق

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة