السبيل إلى الازدهار في اليونان   
الاثنين 1436/10/25 هـ - الموافق 10/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 21:27 (مكة المكرمة)، 18:27 (غرينتش)

إدموند فيلبس*

ترابط التقشف ومعدل البطالة
أعطاب في إدارة الاقتصاد والإدارة

يتجاهل اقتصاديون فكرة حديثة مفادها أن ازدهار أي بلد يعتمد على الإبداع وروح المبادرة والمغامرة، وهم يميلون إلى وجهة النظر الميكانيكية التي ترى أن الازدهار مسألة خلق للوظائف، وهذا الأخير يتحدد وفقاً للطلب أي الإنفاق الحكومي، والاستهلاك الأسري، والطلب على الاستثمار.

ويزعم هؤلاء الاقتصاديون بشأن الحالة اليونانية أن التحول في سياستها المالية نحو التقشف (تقليص حجم القطاع العام) أدى إلى نقص حاد في الطلب وبالتالي الكساد. ولكن هذا الزعم لا يقرأ التاريخ بطريقة صحيحة، ويبالغ في تقدير قوة الإنفاق الحكومي.

لقد حدث أغلب الانخفاض في التوظيف باليونان قبل التقليصات الحادة في الإنفاق بين عامي 2012 و2014، وهو ما يرجع دون شك إلى التراجع الشديد في منسوب الثقة بالحكومة. ففي الفترة 2009/2012 ارتفع إنفاق الحكومة في كل ثلاثة أشهر إلى نحو 13.5 مليار يورو (14.8 مليار دولار)، قبل أن يهبط إلى ما يقرب من 9.6 مليارات يورو (10.5 مليارات دولار) في الفترة 2014/2015.

أغلب الانخفاض في التوظيف باليونان حدث قبل التقليصات الحادة في الإنفاق بين عامي 2012 و2014، وهو ما يرجع دون شك إلى التراجع الشديد في منسوب الثقة بالحكومة. ففي الفترة 2009/2012 ارتفع إنفاق الحكومة في كل ثلاثة أشهر إلى نحو 13.5 مليار يورو

ورغم ذلك الانخفاض ارتفع عدد موظفي الحكومة إلى أعلى مستوى بنحو 4.5 ملايين في الفترة 2006/2009، ثم انخفض إلى 3.6 ملايين بحلول العام 2012. وعندما بدأت اليونان في خفض موازنتها كان معدل البطالة -9.6% من القوى العاملة- قد ارتفع تقريباً إلى المستوى الذي بلغه مؤخراً أي 25.5%.

ترابط التقشف ومعدل البطالة
وتتعارض هذه النتائج بشدة مع الفرضية القائلة إن التقشف كان السبب وراء محنة اليونان الراهنة، فهي تشير إلى أن تحول البلاد بعيداً عن الإنفاق المرتفع الذي تعودت عليه في الفترة 2008/2013 لم يكن مسؤولاً عن نسبة البطالة المرتفعة المسجلة اليوم.

وتلقي معطيات أخرى بظلال من الشك إزاء ما إذا كان التقشف قد فرض حقاً على اليونان، إذ إن المؤكد أن الإنفاق الحكومي انخفض، ولكن فقط إلى المستوى الذي كان عليه في العادة: 9.6 مليارات يورو (10.5 مليارات دولار) في الربع الأول من هذا العام، وهو في الواقع مستوى أعلى مما كان عليه في العام 2003.

واستنادا إلى ذلك فإن فرضية التقشف تبدو خاطئة، فاليونان لم تبتعد عن المعايير المالية السابقة بل عادت إليها. وبدلاً من وصف الإنفاق الحكومي الحالي باعتباره "تقشفا"، فالأصح أن ننظر إليه بوصفه نهاية لسنوات من التبذير المالي، والذي بلغ ذروته في عام 2013 عندما بلغ عجز الموازنة 12.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع الدين العام إلى 175%.

ربما يأتي رد المنتسبين إلى "مدرسة الطلب" على هذه الخلاصات أنه بصرف النظر عن وجود أو غياب أي شكل من أشكال التقشف الآن فإن زيادة الإنفاق الحكومي (وتمويل هذه الزيادة بالاستدانة طبعا) من شأنها أن تعطي دفعة دائمة للتوظيف، ولكن تجربة اليونان الأخيرة تشير إلى العكس. ذلك أن الارتفاع الهائل في الإنفاق الحكومي من عام 2006 إلى فترة 2009/2013 أنتج بالفعل مكاسب في مجال التوظيف، غير أنها لم تكن مكاسب مستدامة.

ونقطة الخلاف الحقيقية هنا هي أن أثينا كانت تضطر لإصدار سندات لتمويل إنفاقها الإضافي. وعلى افتراض وجود سقف لاستعداد المستثمرين الأجانب لشراء هذه السندات، فإن ذلك يعني أن اليونانيين كانوا يضطرون إلى شراء هذه السندات. وفي اقتصاد يفتقر للنمو فإن النتيجة الطبيعية لهذا هي ارتفاع ثروة الأسر إلى عنان السماء نسبة إلى الأجور، وانكماش أعداد اليد العاملة، وبالتالي تقلص حجم التوظيف.

ونخلص مما سبق إلى أن المزيد من الإنفاق ليس علاجا لمحنة اليونان، تماماً كما لم يكن خفض الإنفاق السبب فيها. فما هو العلاج إذن؟ لن يكون أي قدر من إعادة هيكلة الديون -أو حتى الإعفاء منها- كافياً لتحقيق الازدهار (ويتمثل في بطالة منخفضة ومستوى مرتفع من الرضا الوظيفي).

أعطاب في إدارة الاقتصاد والإدارة
إن مثل تلك التدابير لن تسفر إلا عن مساعدة اليونان في إنعاش الإنفاق الحكومي، أي إن النزعة الشركاتية الهازئة في إدارة اقتصاد البلاد والمحسوبية ومجاملة المقربين في القطاع العام والمصالح الخاصة والنخب الراسخة في القطاع الخاص ستحظى بفرصة جديدة للانتعاش. وربما يؤيد اليسار الأوروبي هذا الاتجاه، ولكنه لن يكون في مصلحة أوروبا بأي حال من الأحوال.

والواقع أن العلاج يكمن بكل تأكيد في تبني الإصلاحات البنيوية الصحيحة، فسواء كانت الإصلاحات التي تسعى بلدان منطقة اليورو إلى فرضها قادرة على زيادة فرص استعادتها للقروض التي أعطتها أو لم تكن، فإن لهذه الدول الدائنة مصلحة سياسية واقتصادية في بقاء وتطور الاتحاد النقدي. وينبغي لها أيضاً أن تكون على استعداد لمساعدة اليونان في تحمل كلفة إجراء التغييرات الضرورية.

وتبقى أثينا وحدها التي يتعين عليها أن تتولى المسؤولية عن إصلاحاتها، وهناك علامات مشجعة تشير إلى أن رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس على استعداد لتولي زمام الأمر، ولكن لا بد أن يستوعب الإصلاحات اللازمة. ويتوجب على البلاد أن تقضي على الممارسات التي تعرقل أي فرص للإبداع أو روح المبادرة التجارية. ومن الواضح أن توفير ظروف بروز الكثير من المبدعين ذوي الخيال ورجال الأعمال النشطين يستلزم تبني رؤية قائمة على الإبداع والاكتشاف.
ـــــــــــــ
*حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد عام 2006، ومدير مركز الرأسمالية والمجتمع في جامعة كولومبيا، ومؤلف كتاب "الازدهار الجماعي"

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة