انخفاض أسعار النفط وبدائل دعم اقتصادات الخليج   
الأحد 1437/3/24 هـ - الموافق 3/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:06 (مكة المكرمة)، 12:06 (غرينتش)

محمد أفزاز

رأى خبراء اقتصاديون أن ما تم اتخاذه حتى الآن من خطوات في عدد من دول الخليج لمواجهة تداعيات انخفاض أسعار النفط بمثابة حلول مؤقتة، مشددين على أهمية بلورة رؤية خليجية موحدة لإدارة الثروات النفطية بما يضمن استدامتها في المستقبل بالتزامن مع العمل على تنويع مصادر الدخل وتنويع قاعدة الاقتصاد.

وعمدت عدد من دول الخليج في الفترة الأخيرة إلى خفض حجم الإنفاق بموازناتها للعام الحالي عبر توجيه استثماراتها نحو المشاريع الأساسية وتعزيز مساعي إصلاح منظومة دعم أسعار الوقود، في مقابل تفعيل آلية الضرائب لدى البعض وزيادة سقوفها عند البعض الآخر.

إدارة الثروة
وفي هذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي الإماراتي نجيب عبد الله الشامسي إن مساعي دول الخليج لترشيد الإنفاق ورفع الدعم عن عدد من السلع ومحاولة تغطية عجز الموازنات من خلال اللجوء إلى الاقتراض، كلها تبقى حلولا مؤقتة، مشيرا إلى أن منطقة الخليج تعرضت ولا تزال تتعرض لأزمات نفطية، لعل أقواها حصل عندما نزلت أسعار النفط منتصف الثمانينيات إلى أقل من 12 دولارا للبرميل.

الشامسي يدعو إلى تدفق سلسل لرؤوس الأموال بين دول الخليج (الجزيرة)

وأكد الشامسي في تصريح للجزيرة نت أن الحل الأساسي يكمن في وضع إستراتيجية خليجية موحدة لإدارة الثروات النفطية من خلال مراعاة مستويات إنتاج توافق الحاجات الحقيقية للأسواق العالمية وتتناسب مع احتياجات الأجيال القادمة من إيرادات هذه السلعة القابلة للنضوب، حسب تعبيره.

وأضاف "إذا كان لكل دولة إستراتيجيتها بمعزل عن الدول الأخرى فإن ذلك لن يكون له فاعلية أكبر"، مشددا على أهمية العناية بقطاع السياحة وباقي القطاعات الخدمية الأخرى.

ودعا إلى التركيز على تحصيل أرباح من الضرائب على الاستثمارات الأجنبية بالمنطقة، وضمان تدفق سلس لرؤوس الأموال البينية داخل دول مجلس التعاون الخليجي.

وفي وقت اعتبر فيه الشامسي أن ما يقع في المنطقة من توترات سياسية وصراعات إنما يجري بفعل التدخل الخارجي، فإنه رأى أن الحل لاحتواء تداعيات مثل هذه الأزمات يكمن في التوجه نحو الاستثمار في مناطق التوتر لمساعدة الشعوب على تحسين ظروفها المعيشية بشكل عام.

وشهدت أسعار النفط بالأسواق العالمية موجة من التراجعات الحادة تأثرا بتقلص مستويات الطلب في مقابل ارتفاع أحجام المعروض، فأضحى سعر البرميل الآن عند أقل من أربعين دولار بعدما بلغ مستوى قياسيا عام 2008 عند 147 دولارا، مع توقعات بأن تظل هذه الأسعار عند مستويات متدنية.

انطلاقة فعلية
من جهته رأى الخبير الاقتصادي القطري ناصر آل شافي في لجوء عدد من دول الخليج إلى اعتماد إجراءات سريعة ومؤقتة لمواجهة تأثير أسعار النفط في الأسواق العالمية أمرا مقبولا، بيد أنه اعتبر أن مثل هذه الخطوات كان سيكون لها تأثير إيجابي أكبر على موازنات الدول لو تم اتخاذها في وقت مبكر جدا.

محمد قاسم يدعو لخصخصة قطاعات لتخفيف الأعباء على الدولة (الجزيرة)

وأكد للجزيرة نت أن إيرادات الضرائب تشكل خيارا قويا لدعم الموازنات وتحسين جودة الخدمات وتطوير البنية التحتية، مثلما هو جار به العمل في أغلب دول العالم.

وعبّر عن اعتقاده بأن الإجراءات الضريبية والرفع الجزئي للدعم على السلع تشكل الانطلاقة الفعلية لتنويع مصادر الدخل، رغم ما قد تواجهه من مقاومة من جانب المستهلك الذي عليه أن يقف إلى جانب حكوماته لإدارة الأزمات.

واعتبر أن الاستثمار الأمثل في الصناديق السيادية يمكن أن يشكل صمام أمان للموازنات الخليجية في لحظة الأزمات، مشددا في الآن نفسه على أهمية تعزيز دور الشراكة بين القطاع العام والخاص، وتطوير منظومة القوانين الاستثمارية والضريبية خاصة ما تعلق برؤوس الأموال الأجنبية.

وفي الاتجاه نفسه رأى المحلل الاقتصادي قاسم محمد قاسم أن التطبيق التدريجي لإصلاحات منظومتي دعم السلع والضرائب يبقى الطريق الأنسب لجني الثمار في المستقبل.

وأوضح في حديث للجزيرة نت أنه طالما أن الأمر الطبيعي في العالم هو أن يدفع المواطن ضرائب في مقابل أن يحصل على خدمات، فإن المستهلك بمنطقة الخليج عليه أن يتحمل عبء ما يحصل عليه من خدمات خاصة في ظل انخفاض أسعار النفط.

ودعا محمد قاسم هو الآخر إلى تفعيل برامج خصخصة العديد من القطاعات لتخفيف الأعباء على الحكومة.

تنويع الدخل
وما فتئ صندوق النقد الدولي يدعو دول الخليج لضرورة تنويع الاقتصاد، وقال في أحد تقاريره في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إن "الظروف الحالية بالمنطقة (الشرق الأوسط) تجعل تنويع النشاط الاقتصادي بعيدا عن النفط مطلبا أكثر إلحاحا، حيث من المرجح أن تظل أسعار النفط منخفضة".

وانسجاما مع هذا التوجه فقد أعلنت السعودية عن تعديل أسعار الطاقة المحلية وتعرفة استهلاك الكهرباء بكل القطاعات في إطار خطط وطنية لترشيد استهلاك منتجات الطاقة والمياه على المدى المتوسط، بينما كانت الإمارات أول دولة بالخليج ترفع الدعم عن البنزين العام الماضي.

وفي الكويت لوحت الحكومة برفع الدعم عن البنزين أسوة بقرار مماثل اتخذته بشأن أسعار الديزل والكيروسين مطلع العام الماضي، في وقت كانت البحرين قد أعلنت أنها تدرس إعادة توجيه دعم البنزين.

أما في سلطنة عمان فقد أعلنت وزارة المالية عن خفض منتظر للإنفاق في موازنة العام الجديد بـ15.6% بالتوازي مع زيادة الضرائب وإصلاح منظومة دعم الوقود واعتماد عدد من التدبير الرامية لتنويع الاقتصاد والحد من الاعتماد على النفط.

وفي قطر اعتمدت الموازنة الجديدة للعام 2016 على مبدأ الكفاءة في النفقات العامة مع المحافظة على مخصصات المشاريع الكبرى، بالتزامن مع تعزيز النمو في القطاعات غير النفطية وتشجيع القطاع الخاص بغرض دعم إيرادات الدولة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة