اقتصادات العرب والصراع الروسي الغربي   
الأحد 22/5/1435 هـ - الموافق 23/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 20:43 (مكة المكرمة)، 17:43 (غرينتش)



عبد الحافظ الصاوي


خريطة الشركاء التجاريين
إمكانية توجه روسيا نحو العرب
الضغط على الدول العربية النفطية
مصالح عربية متضاربة

تتخذ المواجهة بين روسيا والغرب منحاً تصاعدياً، من الجانبين، خصوصاً في إطار العقوبات الاقتصادية. ففي اليوم الذي صرحت فيه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأن مجموعة الثماني -التي تضم روسيا- قد ماتت، وأن الاتحاد الأوروبي بصدد فرض عقوبات اقتصادية لها حساسية سياسية، نجد أن المتحدث باسم الكرملين يعلن قائلا "إذا فرض أحد الشركاء من جانب واحد عقوبات اقتصادية فسنحول اهتمامنا إلى شركاء آخرين في الشطر الآخر من العالم".
 
ولا يتوقع أن يتوقف التصعيد من الجانبين في الأجل القصير، حيث أعلنت روسيا في العشرين من مارس/آذار الجاري عن فرض عقوبات اقتصادية على مسؤولين ومشرعين أميركيين. وفي ظل هذا السجال ما هي التأثيرات الاقتصادية لهذه الأزمة على المنطقة العربية؟

هل ستكون المنطقة العربية إحدى مناطق استهداف روسيا في إطار خطتها البديلة بالبحث عن شركاء آخرين بدلاً من الاتحاد الأوروبي؟ وهل ستكون المنطقة العربية -وبخاصة الدول النفطية- موردا بديلا عن النفط الروسي الذي تعتمد عليه أوروبا بشكل كبير؟

خريطة الشركاء التجاريين

وفق التقرير الاقتصادي العربي الموحد للعام 2013 فإن روسيا توجد خارج نطاق الشركاء التجاريين الرئيسين للمنطقة العربية، حيث لم يتجاوز التبادل التجاري بينهما 14 مليار دولار في 2013

وفق التقرير الاقتصادي العربي الموحد للعام 2013، فإن روسيا توجد خارج نطاق الشركاء التجاريين الرئيسين للمنطقة العربية، فحسب بيانات عام 2012 بلغت التجارة الخارجية للمنطقة العربية 2.1 تريليون دولار، منها 1.3 تريليون دولار صادرات يغلب عليها النفط بنسب كبيرة (76.5%)، و861 مليار دولار عبارة عن واردات من مناطق عدة، يغلب عليها العدد والآلات ووسائل النقل والسلع المصنعة الأخرى والغذاء.

ونجد أن الاتحاد الأوروبي وأميركا يحتلان مراتب متقدمة على خريطة الشركاء التجاريين للمنطقة العربية، فوفقاً لبيانات عام 2012 بلغت الصادرات العربية 1.3 تريليون دولار، كان نصيب الاتحاد الأوروبي منها 13.5% ليحتل المرتبة الأولى فيما يخص الصادرات العربية، أما أميركا فأتت في المرتبة الرابعة بنسبة 8.1%، وتسبقها كل من اليابان والصين على التوالي.

أما الواردات العربية للعام نفسه فبلغت 816 مليار دولار، واحتلت أوروبا أيضا المرتبة الأولى بحصة بلغت 26.5%، أي أن المنطقة العربية تستورد ما يزيد على رُبع حاجاتها من الاتحاد الأوروبي، ويكرس ذلك عمق العلاقات التجارية بين الطرفين، في حين تحتل أميركا المرتبة الثالثة فيما يخص الشركاء التجاريين للمنطقة العربية فيما يخص الواردات بنسبة 8.7%، وتسبق أميركا على هذا الباب الصين بنسبة 12.7%.

وبذلك يكون حجم التبادل التجاري للعالم العربي مع الاتحاد الأوربي قرابة 400 مليار دولار، ومع أميركا قرابة 180 مليار دولار، ومع روسيا لا يتعدى 14 مليار دولار في نهاية عام 2013، وهو ما يظهر ضآلة مكانة روسيا التجارية لدى الدول العربية مقارنة بأوروبا وأميركا.

إمكانية توجه روسيا نحو العرب
في إطار الخطة المبدئية البديلة التي قد تتبناها روسيا في إطار مواجهة العقوبات الاقتصادية الغربية، من المتوقع أن تكون المنطقة العربية أحد المحاور التي تستهدفها روسيا، ولكن ما مقومات نجاح هذا التوجه؟

بالنظر إلى المكون السلعي للصادرات العربية والروسية نجد تشابهاً شديداً من حيث كبر حجم مساهمة النفط والغاز في الصادرات، ففي روسيا تصل نسبة النفط والغاز في صادراتها السلعية 70%، وأما الصادرات العربية فتبلغ حصة النفط والغاز فيها 76%، أي أن الصادرات العربية والروسية متنافسة وغير تكاملية، فكلاهما -بمعايير التنمية- يصدر سلعة أولية يعتمد عليها اقتصادهما.

ومن هنا ستواجه روسيا صعوبة بالغة وستحتاج سنوات طويلة لكي تعتمد على المنطقة العربية كشريك بديل عن الاتحاد الأوروبي، كما أن روسيا تسوق نفسها في المنطقة العربية في مجالات التنقيب عن البترول والبنية الأساسية في مجالات السكك الحديدية والكهرباء، وهي مجالات تسبقها فيها الشركات الأوروبية والأميركية من حيث البعد الزمني والحضور في السوق، وكذلك فيما يتصل بالتكنولوجيا المتقدمة في هذه المجالات.

بالنظر إلى المكون السلعي للصادرات العربية والروسية نجد تشابهاً شديداً من حيث كبر حجم مساهمة النفط والغاز فيها، أي أن صادرات الجانبين متنافسة وغير تكاملية

وقد يكون الباب الذي تدلف منه روسيا إلى الدول العربية هو تصدير النفط والغاز للدول العربية غير النفطية، فضلاً عن تصدير القمح الروسي للبلدان التي تعاني من عجز في القمح والحبوب، وعلى رأس هذه البلدان مصر، كما أن موسكو أعلنت منذ شهور عن استعدادها لمدِّ السودان بالنفط والقمح.

ولكن المشكلة التي تواجه البلدان العربية غير النفطية، أو التي تعاني من نقص في الحبوب، هي التمويل، وإذا ما أقدمت روسيا على التعامل في ضوء هذا العجز المالي، فإن ذلك ستكون نتيجته ارتفاع المديونية الخارجية لهذه الدول لفائدة روسيا، وهو ما يعود بنا إلى عهد ما قبل سقوط الاتحاد السوفياتي في نهاية ثمانينيات القرن العشرين.

وفي حالة نجاح سيناريو اقتحام روسيا لأسواق الدول غير النفطية فمن المرجح اعتماد نظام الصفقات المتكافئة كمخرج لأزمة التمويل التي تعاني منها هذه الدول، وكبديل للوفاء لروسيا بحقوقها دون تفاقم أزمة المديونية الخارجية للدول العربية غير النفطية تجاهها.

الضغط على الدول العربية النفطية
ستكون ورقة الطاقة إحدى الأوراق المهمة في الصراع الروسي مع أوروبا والغرب عموما، فإما أن تهدد موسكو بوقف صادراتها من النفط والغاز إلى الاتحاد الأوروبي، أو أن الاتحاد الذي يعد الشريك التجاري الأول لروسيا يقرر استبدال النفط العربي بالنفط الروسي. وفي هذه الحالة لا بد أن تعمل الدول النفطية العربية على سد العجز المتوقع من حصة النفط الروسي تجاه أوروبا.

تفيد بيانات التقرير السنوي لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط (أوابك) أن الاحتياطيات النفطية المقدرة للمنطقة العربية تفوق بكثير الاحتياطيات الروسية، ففي حين تبلغ الاحتياطيات العربية 714 مليار برميل، نجد أن الاحتياطيات الروسية تصل إلى 80 مليار برميل. وتزيد احتياطيات كل من الكويت والعراق والإمارات، لكل دولة على حدة، عن احتياطيات روسيا النفطية، كما أن احتياطيات السعودية للعام نفسه بلغت 265 مليار برميل، أي أكثر ثلاث مرات من احتياطيات روسيا.

أما احتياطيات الغاز فتمتلك فيها روسيا كميات ضخمة، تجعلها تقترب من احتياطيات المنطقة العربية ككل، ففي حين تمتلك المنطقة العربية احتياطيات من الغاز تناهز 54.5 تريليون متر مكعب، نجد أن موسكو تمتلك نحو 47.8 تريليون متر مكعب، وأن أكبر دولة عربية تمتلك احتياطيا من الغاز هي قطر بكمية تصل إلى 25.2 تريليون متر مكعب، وهو بالكاد يصل لنصف ما تملكه روسيا.

بإمكان الدول العربية النفطية تغطية أي عجز في إمدادات النفط للدول الأوروبية وأميركا بسبب الصراع مع روسيا، ولكن من الصعوبة بمكان أن تفعل الشيء نفسه فيما يخص إمدادات الغاز

ويصل الإنتاج النفطي للمنطقة العربية 24.5 مليون برميل يومياً فيما يصل الرقم بالنسبة لروسيا إلى 9.9 ملايين برميل، وتعد السعودية أقرب الدول العربية لروسيا من حيث الإنتاج بنحو 9.7 مليون برميل.

وفي إنتاج الغاز تصل حصة روسيا إلى 60 مليار متر مكعب يومياً وأما المنطقة العربية فتنتج نحو 57 مليار متر مكعب، أي أن روسيا تتفوق على الدول العربية مجتمعة في الإنتاج، وأن أكبر دولة عربية لإنتاج الغاز يوميًا هي قطر بحصة تبلغ 20 مليار متر مكعب، وهي حصة تعادل ثلث الإنتاج الروسي.

وخلاصة هذه المقارنات أن الدول العربية النفطية بإمكانها تغطية أي عجز في إمدادات النفط للدول الأوروبية وأميركا بسبب الصراع مع روسيا، ولكن من الصعوبة بمكان أن تساهم الدول العربية في تغطية العجز في حاجياتهما من الغاز بالنظر إلى ضخامة الإنتاج الروسي.

مصالح عربية متضاربة

بلا شك أن الدول العربية ستكون بديلاً بشكل ما لأوروبا وأميركا للاستغناء عن النفط والغاز الروسيين، ولكن بأي ثمن؟ فهناك استحقاقات إقليمية تضطلع أميركا وأوروبا فيها بدور مهم، ولكن الأمر لا يخلو من تضارب لمصالح الدول العربية المنتجة للنفط والغاز تجاه إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة.

فالسعودية، وهي أكبر دولة منتجة للنفط عربيا، لديها رغبة في تقليص الدور الإيراني في المنطقة، ولها تصورها الخاص لإعادة ترتيب الأوضاع في مصر وسوريا واليمن وبقية دول الربيع العربي، في حين أن لقطر وجهة نظر تختلف تماماً عن التوجهات السعودية.

فهل سيكون بإمكان أوروبا والغرب عموما أن يحصلا على حاجاتهم من النفط والغاز العربي ليكون بديلاً عن النفط والغاز الروسيين دون مواجهة عقبة الخلاف السعودي الإماراتي من جهة والقطري من جهة أخرى تجاه قضايا المنطقة العربية؟ أم أن الوجود الأميركي العسكري في المنطقة سيكون له دور في تجاوز هذه العقبة، وتأمين الاحتياجات النفطية المطلوبة؟

من جانب آخر، من المتوقع أن تعيد الدول العربية النظر في زيادة استثماراتها في روسيا بسبب ما فرض وسيفرض من عقوبات اقتصادية، وبخاصة الاستثمارات المباشرة، أما الاستثمارات غير المباشرة الموجودة في روسيا فمن المنتظر أن تشهد انحساراً في الفترة المقبلة، لا سيما المملوكة لأفراد.

وقد تكون الدول الآسيوية البعيدة عن الصراع الروسي الغربي مكان جذب للاستثمارات العربية التي كانت تعتزم التوجه للسوق الروسية، وكذلك بالنسبة للاستثمارات العربية غير المباشرة الراغبة في مغادرة السوق الروسية بعد الأزمة الأوكرانية.

ـــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة