الاقتصاد العالمي واختبار الحلوى   
الاثنين 1437/4/23 هـ - الموافق 1/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:14 (مكة المكرمة)، 11:14 (غرينتش)

جيفري ساكس

الاستثمار ومستوى المعيشة
الاستثمار في المسار الصحيح
الصين بين الاستثمار والاستهلاك

يشهد الاقتصاد العالمي بداية مضطربة لسنة 2016، فقد هوت أسعار الأسهم وترنحت الاقتصادات الناهضة بعد الانخفاض الكبير في أسعار السلع الأولية. كما أن تدفق اللاجئين يزيد من زعزعة الاستقرار في أوروبا، وهناك تباطؤ ملحوظ في النمو الصيني بسبب خروج رؤوس أموال من البلاد وتداول العملة بأكثر من قيمتها الفعلية، فضلا عن أن الولايات المتحدة تعيش حالة شلل سياسي. وهناك حفنة من المسؤولين في البنوك المركزية يصارعون من أجل إبقاء الاقتصاد العالمي في وضع سليم.

وحتى ننجو من هذه الفوضى، يجب أن نسترشد بأربعة مبادئ: أولا، يعتمد التقدم الاقتصادي العالمي على ارتفاع الادخار والاستثمار عالميا. ثانيا، يجب النظر إلى تدفق المدخرات والاستثمارات على أساس عالمي، لا وطني. ثالثا، يعتمد التوظيف الكامل على معدلات الاستثمار المرتفعة والتي تعادل معدلات الادخار المرتفعة. رابعا، يتوقف ارتفاع الاستثمار الخاص من قبل الشركات على ارتفاع الاستثمار العام في البنية التحتية ورأس المال البشري. والآن دعونا نناقش كل نقطة من هذه النقاط.

الاستثمار ومستوى المعيشة
أولا، إن هدفنا العالمي يجب أن يكون التقدم الاقتصادي، مما يعني ظروفا معيشية أفضل عالميا. لقد تم تكريس هذا الهدف ضمن أهداف التنمية المستدامة الجديدة والتي تم تبنيها في سبتمبر/أيلول الماضي من قبل 193 دولة عضوا في الأمم المتحدة. ويعتمد التقدم على معدل مرتفع من الاستثمار العالمي وبناء المهارات والتقنية من أجل الارتقاء بمستويات المعيشة. لا يوجد شيء بالمجان في التنمية الاقتصادية كما هو الحال في الحياة، فمن دون معدلات مرتفعة من الاستثمار في الخبرات والمهارات والآلات والبنية التحتية المستدامة فإن الإنتاجية سوف تتجه للانخفاض (عادة بسبب الإهلاك) مما يخفض من مستويات المعيشة.

يدرك الصينيون أن أصولهم المالية العائلية -لا أطفالهم العديدين أو الضمان الاجتماعي الحكومي- هي التي ستكون المصدر الرئيس لأمنهم المالي
وتتوقف معدلات الاستثمار المرتفعة بدورها على معدلات الادخار المرتفعة. وقد أظهرت تجربة نفسية شهيرة أن الأطفال الذين يستطيعون مقاومة الإغراء الفوري لقطعة واحدة من حلوى الخطمي من أجل كسب قطعتين في المستقبل، هم أكثر احتمالا للنجاح كبالغين مقارنة بأولئك الذين لم يستطيعوا المقاومة. وكذلك المجتمعات التي تؤجل الاستهلاك الفوري من أجل الادخار سوف تتمتع بمداخيل أعلى في المستقبل وأمان تقاعدي أكبر (عندما ينصح الاقتصاديون الأميركيون الصين بتعزيز الاستهلاك والتقليل من الادخار فإنهم في واقع الأمر يروجون للعادات السيئة للثقافة الأميركية والتي تدخر وتستثمر بشكل محدود للغاية لمستقبل أميركا).

ثانيا، إن تدفق الادخار والاستثمار هو أمر عالمي، وبلد مثل الصين لديها معدل ادخار مرتفع يتجاوز احتياجاتها الاستثمارية الداخلية ويمكنها أن تدعم الاستثمار في أجزاء أخرى من العالم لديها مدخرات أقل، ولا سيما الدول المنخفضة الدخل في أفريقيا وآسيا. إن الشعب الصيني يشيخ بشكل سريع والعائلات الصينية تدخر من أجل التقاعد. ويدرك الصينيون أن أصولهم المالية العائلية -لا أطفالهم العديدين أو الضمان الاجتماعي الحكومي- هي التي ستكون المصدر الرئيس لأمنهم المالي. وفي المقابل تفتقر الدول المنخفضة الدخل في أفريقيا وآسيا لرؤوس الأموال، لكنها تتمتع بالشباب. وهذا يعني أن بإمكانها أن تقترض من كبار المدخرين في الصين من أجل تمويل عملية بناء سريعة وضخمة للتعليم والمهارات والبنية التحتية، وذلك من أجل تعزيز ازدهارها الاقتصادي في المستقبل.

الاستثمار في المسار الصحيح
ثالثا، لا يؤدي ارتفاع معدل الادخار العالمي تلقائيا إلى ارتفاع معدل الاستثمار ما لم يكن موجها بالشكل الصحيح، وإلا فإنه قد يتسبب في شح بالإنفاق وفي بطالة. فالأموال التي يتم إيداعها البنوك ولدى الوسطاء الماليين الآخرين (مثل صناديق التقاعد والتأمين) يمكن أن تمول نشاطات إنتاجية أو مضاربة قصيرة الأجل (مثل القروض الاستهلاكية والعقارات). وقد بنى مصرفيون عظماء في الماضي -مثل جاي بي مورغان- صناعات مثل السكك الحديدية والصلب، أما مديرو الأموال اليوم فيشبهون المقامرين أو حتى المحتالين مثل تشارلز بونزي.

بنى مصرفيون عظماء في الماضي -مثل جاي بي مورغان- صناعات مثل السكك الحديدية والصلب، أما مديرو الأموال اليوم فيشبهون المقامرين أو حتى المحتالين مثل تشارلز بونزي

رابعا، تعتمد استثمارات اليوم ذات العوائد الاجتماعية المرتفعة -مثل الطاقة المنخفضة الكربون وشبكات الكهرباء الذكية للمدن والأنظمة الصحية المبنية على المعلومات- على الشراكات بين القطاعين العام والخاص، حيث تساعد الاستثمارات العامة والسياسات العامة في تحفيز الاستثمارات الخاصة، وهذا ما كان عليه الحال لفترة طويلة. وما كان لشبكات السكك الحديدية والطيران والسيارات وأشباه الموصلات والأقمار الصناعية ونظام تحديد المواقع العالمي والتكسير الهيدروليكي والطاقة النووية وعلم الجينوم والإنترنت، أن ترى النور لولا تلك الشراكات.

إن مشكلتنا العالمية اليوم هي أن الوسطاء الماليين في العالم لا يقومون بشكل صحيح بتوجيه المدخرات الطويلة الأجل لتتحول إلى استثمارات طويلة الأجل. وتتفاقم المشكلة بسبب حقيقة أن معظم الحكومات (والولايات المتحدة مثال واضح) تعاني من نقص الاستثمار المزمن في التعليم والتدريب على المهارات والبنية التحتية على المدى البعيد. ويعود نقص الاستثمار الخاص بشكل أساسي إلى نقص الاستثمارات التكميلية من القطاع العام. إن قصار النظار من خبراء الاقتصاد الكلي يقولون إن العالم يعاني من نقص الاستهلاك، ولكن الحقيقة هي أن العالم يعاني من نقص الاستثمار.

والنتيجة هي طلب عالمي غير كاف (استثمارات عالمية أقل من المدخرات العالمية) وتدفقات رأسمالية على المدى القصير متقلبة للغاية من أجل تمويل الاستهلاك والعقار. ومثل تلك التدفقات القصيرة المدى معرضة لتغير مفاجئ في الحجم والاتجاه. فقد جاءت الأزمة المالية الآسيوية سنة 1997 بعد توقف مفاجئ لتدفقات رؤوس الأموال لآسيا، وأدى التوقف المفاجئ للإقراض القصير الأجل بعد انهيار بنك ليمان براذرز في سبتمبر/أيلول 2008 إلى حدوث الركود العظيم، والآن تواجه الصين المشكلة نفسها حيث أصبحت الأموال التي تخرج من البلاد أكثر من تلك التي تتدفق إليها بشكل مفاجئ.

الصين بين الاستثمار والاستهلاك
إن نصيحة التيار السائد في الاقتصاد الكلي للصين -تعزيز الاستهلاك المحلي ورفع سعر اليوان الصيني لتقليل الصادرات- تفشل في اجتياز اختبار حلوى الخطمي، فهذه النصيحة تشجع على الاستهلاك الزائد عن الحد ونقص الاستثمار وارتفاع البطالة في مجتمع يشيخ بسرعة وفي عالم يمكن أن يستفيد كثيرا من الادخار المرتفع لدى الصين وقدراتها الصناعية.

السياسة الصحيحة هي توجيه مدخرات الصين المرتفعة للمزيد من الاستثمارات في البنية التحتية والمهارات في دول أفريقيا وآسيا ذات الدخل المنخفض

والسياسة الصحيحة هي توجيه مدخرات الصين المرتفعة للمزيد من الاستثمارات في البنية التحتية والمهارات في دول أفريقيا وآسيا ذات الدخل المنخفض. ويعتبر إنشاء الصين للبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، ومبادرتها "حزام واحد، طريق واحد" من أجل تأسيس شبكات نقل واتصالات حديثة في المنطقة، خطوات في الاتجاه الصحيح. فهذه البرامج ستمكن الصين من الاستمرار في تشغيل مصانعها بمعدلات عالية من أجل إنتاج السلع الاستثمارية اللازمة للنمو السريع في الدول المنخفضة الدخل حاليا. ويجب السماح للعملة الصينية بالانخفاض وذلك حتى تكون صادرات السلع الرأسمالية الصينية لأفريقيا وآسيا بأسعار معقولة.

بشكل عام يتوجب على الحكومات توسيع دور بنوك التنمية الوطنية والمتعددة الجنسيات (بما في ذلك بنوك التنمية الإقليمية لآسيا وأفريقيا والأميركتين والدول الإسلامية)، من أجل توجيه المدخرات الطويلة الأجل من صناديق التقاعد وصناديق التأمين والبنوك التجارية إلى استثمارات عامة وخاصة طويلة الأجل في الصناعات والبنية التحتية للقرن الحادي والعشرين.

لا يمكن للبنوك المركزية وصناديق التحوط أن تحقق النمو الاقتصادي والاستقرار المالي على المدى الطويل، فقط الاستثمارات الطويلة الأجل -سواء في القطاع العام أو الخاص- يمكن أن تنقذ الاقتصاد العالمي من حالة انعدام الاستقرار والنمو البطيء التي يعيشها حاليا.

-
أستاذ في التنمية المستدامة ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا، ومستشار خاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن أهداف التنمية للألفية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة