محدودية آثار الأعمال الخيرية   
الثلاثاء 22/6/1435 هـ - الموافق 22/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 4:09 (مكة المكرمة)، 1:09 (غرينتش)

إسثر دايسون

- المال يحل جميع المشكلات
- تداعيات المقاربة قصيرة المدى
- المبادرة بالتغيير طويل المدى

حققت مؤسسة خيرية تدعى واتسي تنشط في الإنترنت نجاحا كبيرا، فقد كانت هذه المؤسسة تسمح لرواد موقعها بقراءة قصص شخصية عن المعاناة الطبية في الأسواق الناشئة، وتقديم مساهمات لجمع المبلغ الإجمالي اللازم لتغطية نفقة علاج مريض ما، وقد يقول العديد من الناس إن هذا الأمر طيب ولكنني أقول "لا تصفقوا بعد".

إن المشكلة ليست في أن واتسي تقدم خدمة رديئة، ولكن المشكلة أنها جيدة فيما تقدمه، فجميع الأموال التي تجمع تذهب مباشرة إلى الفرد الذي يدفع قيمة علاجه (بإمكانك المساهمة بشكل منفصل لو أردت دعم أنشطة واتسي)، وهناك إجراءات حماية صارمة من أجل التحقق من أن مبلغ العلاج يذهب إلى "الفقير الذي يستحق" بدلا من أن يذهب لأي شخص آخر، وبالتالي هناك ضمانات من أجل التحقق من أن وصول رسوم علاج باهظة إلى شخص لا يحتاجها.

وكل هذا الأمر يتم بشفافية ووضوح، وجميع سجلات واتسي المالية يمكن الوصول إليها عن طريق مستند الشفافية لشركة غوغل.

المال يحل جميع المشكلات
نعم إن الإنترنت يسمح للناس بالتواصل رغم اختلاف الثقافات والأماكن، ومن الجيد أن يتفهم الناس وضع أناس أقل حظا أو على الأقل يشعرون بالتعاطف معهم، ولكن القدرة على حل المشاكل الآنية تشجع الناس على تبني مقاربة سلبية مبنية على أساس أن المال يحل جميع المشاكل، فلو رأيت شخصا ما واقعا في مشكلة فأنت تساعده وانتهى الموضوع لديك.

القدرة على حل المشاكل الآنية تشجع الناس على تبني مقاربة سلبية مبنية على أساس أن المال يحل جميع المشاكل فلو رأيت شخصا ما واقعا في مشكلة فأنت تساعده وانتهى الموضوع

وفي هذا الباب فإن واتسي شبيهة بموقع إلكتروني مخصص للتجارة اليومية يبيع فيه ويشتري المستثمرون الأسهم دون توقف، لكن دون أن يسهم ذلك في بناء الأنشطة الاقتصادية الحيوية.

إن المشكلة أكبر من واتسي، وحتى لو أصبح من السهولة بمكان أن ترعى الناس الذي يصابون بجروح على الطريق السريع فسوف يصبح من الصعب عليك أن تستوعب أحوال الطريق التي تسببت بتلك الإصابات، مما يسهل عليك تجاهلها، وذلك من قبيل قضايا سوء التغذية والفقر والرعاية الأبوية غير الكافية والفساد ووضع اليد على الموارد وغير ذلك.

ومثل العديد من الأدوات الحديثة فواتسي تشجع على تبني مقاربة قصيرة المدى وذات طبيعة عاطفية فيما يتعلق بأحوال العالم، وهذا يشبه النظر من خلال منظار، فهناك تفاصيل كثيرة ولكن لا توجد رؤية معينة لها.

إن هذا لا يعني أنه يجب علينا ألا نشعر بشيء، ولكن علينا أن نجد الحافز للتفكير أكثر، ومنع وقوع الجرح بدلا من أن ندفع ثمن علاجه، ففي مناخ إعلامي يركز على النجومية الفورية والاتجاهات المتقلبة يتغير تركيزنا بسرعة بحيث لا نركز على الصورة العامة.

تداعيات المقاربة قصيرة المدى
هذه المقاربة القصيرة المدى هي التي تجعلنا نحتفي بسقوط كل ديكتاتور بدلا من أن نفكر بكيفية تثقيف الناس من أجل المطالبة بحكومة جيدة، فنحن نشعر بالانجذاب للقصص الإنسانية مثل قصة المعلم المتفهم الذي رأى إمكانيات طالبة وساعدها على الالتحاق بالجامعة، أو زبون وفي يقوم بتمويل حلم عامل مطبخ بإنشاء مطعم خاص به.

ولكن المجتمع الجيد هو المجتمع الذي لا يحتاج فيه المرء لأن يكون محظوظا من أجل تجنب حياة متسمة بالتعليم السيئ والطعام غير الصحي والوظائف التي لا مستقبل لها، والتعليق الجيد هو الذي لا يكتفي بالشكوى من قصر نظر الناس الآخرين، إذن ما الشيء الذي سيكون أكثر فاعلية؟

إن المبادرة بالتغيير طويل المدى ودعم مثل هذا التغيير هو التزام أكثر تعقيدا بكثير من معالجة المصابين في الأنظمة الفاشلة

إن الجواب ليس هو إعداد ورقة أكاديمية عن عدم الكفاية في النظام الغذائي أو فساد النظام الطبي في بلد ما، ولكن ربما سوف يكون من المفيد إجراء مناقشات أساسية تتعلق بتلك القضايا في سياق الظروف التي يعيش فيها الآخرون، ومن السهل أن نعتقد أننا نتفهم معاناة شخص ما، ولكن معظم الناس (خاصة الأميركيين) ليس لديهم أي فكرة عن طبيعة الحياة فعليا في بلد آخر.

المبادرة بالتغيير طويل المدى
إن المبادرة بالتغيير طويل المدى ودعم مثل هذا التغيير هو التزام أكثر تعقيدا بكثير من معالجة المصابين في الأنظمة الفاشلة، وحقيقة تعني قدرتنا على قياس أشياء كثيرة جدا أنه في بعض الأحيان يجب أن نتخلى عن التحديات التي يصعب قياسها مثل الفساد أو نوعية الطعام أو التعليم.

وحتى لو أن الإنترنت وخدمات مثل واتسي تجعل العالم يبدو أصغر فإنها يمكن أن تحجب الواقع المتعلق بالعوامل التي تحرك المتغيرات في العالم، فدعونا نستثمر في الرعاية الأبوية والتعليم والشفافية، وأيضا نساعد الناس في بناء مجتمعاتهم.

للأسف فإن التعامل مع أكثر مشاكل العالم إلحاحا ليس بسهولة إنشاء موقع إلكتروني يستطيع عبره الأجانب المساهمة في تحسين الوضع الاجتماعي في بلدان أخرى، وبالتالي فإذا افتقرت للمعرفة الضرورية أو المكانة المناسبة للمشاركة في قضايا بلد آخر فلا يجب أن نقوم بذلك. إن الفقر والجهل وسوء التغذية والرعاية الصحية غير الكافية موجودة في كل مكان تقريبا، وربما الطريق الذي يتطلب أقل جهد -وربما هو الأكثر فاعلية- هو الطريق الذي يبدأ في البلد نفسه.
ـــــــــــــ
الرئيسة التنفيذية لشركة إي ديفنتشر القابضة، وهي من رائدات المبادرات ومستثمرة تركز على الأسواق والتقنيات الصاعدة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة