انهيار العولمة وإعادة اختراع العالم   
الخميس 6/9/1430 هـ - الموافق 27/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 12:37 (مكة المكرمة)، 9:37 (غرينتش)

عرض/ محمد مورو
هذا الكتاب "انهيار العولمة وإعادة اختراع العالم" هو من نوع الرؤية النقدية والاستشرافية لظاهرة العولمة التي يرى المؤلف أنها ضارة ألحقت آثاراً سيئة بالعالم ككل وبالفقراء على وجه الخصوص، ويتوقع أن تنهار في غضون عدة سنوات، ولكن المشكلة -كما يقول المؤلف- أن صعود الظاهرة أضر بالعالم، وسقوطها سوف يضر به أيضاً.

- العنوان: انهيار العولمة وإعادة اختراع العالم
- المؤلف: جون رالستون سول
- ترجمة: محمد الخولي
- عدد الصفحات: 496
- الناشر العربي: الدار المصرية اللبنانية, مصر- مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم, دبي
- الطبعة: الأولى 2009

يتكون الكتاب من خمسة أجزاء بالإضافة إلى حواش تضم تعريفا بعدد من المصطلحات باللغتين الإنجليزية والعربية. وأجزاء الكتاب الخمسة هي: السياق، الصعود، الهضبة، السقوط، وأين نذهب الآن؟

وفي إطار تلك الأجزاء جاء عدد من العناوين الفرعية كالتالي: حية في الفردوس، موجز المستقبل الموعود، الأمر المسكوت عنه، موجز تاريخ الاقتصاد، قد أصبح ديانة، في الجزء الأول "السياق".

وفي الجزء التاني "الصعود": عام 1971، الفراغ، مضحك الملك، مختارات من الحماس الرومانسي، القوة المتجمعة، الاقتصاد المصلوب. وفي الجزء الثالث "الهضبة": النجاح، عام 1991، أيدولوجية التقدم، عام 1995.

وفي الجزء الرابع "السقوط" جاءت العناوين من مثل: معادلة سلبية، المنظمات غير الحكومية والرب، تسلسل زمني للانحدار، الانشقاق الماليزي، نهاية المعتقد، الهند والصين، نيوزيلندا تنزلق من جديد.

أما الجزء الخامس "وأين نذهب الآن" فكانت عناوينه: الفراغ الجديد.. فترة فاصلة من علامات الاعتدال، الفراغ الجديد.. هل عادت الدولة القومية؟، القومية السلبية، تطبيع الحرب غير النظامية، القومية الإيجابية. وبعد هذا الجزء تأتي الحواشي وثبت بأهم التعبيرات والمصطلحات.

المؤلف هو جون رالستون سول، وهو كاتب صحفي وروائي مولود في كندا من أب كندي وأم إنجليزية. والمترجم هو الأستاذ محمد الخولي وهو كبير المترجمين في منظمة الأمم المتحدة.

الفكرة الرئيسية للكتاب هي تحذير المؤلف من تحول ظاهرة العولمة إلى ما يشبه الأيدولوجية أو العقيدة الدينية حيث المبالغة في الانفلات من النظم والضوابط بدعوى تحرر التجارة والاقتصاد، مما أدى إلى إضعاف دور الدولة ومؤسساتها وقوانينها التي تكفل في التحليل الأخير حماية النشاط الاقتصادي للمجتمع من أطماع الأفراد.

أهم أفكار الكتاب
- يرى المؤلف أن سبعينيات القرن الماضي كانت بداية هيمنة العوامل الاقتصادية باعتبارها الحقيقة المطلقة، ثم تحولت إلى ما يشبه المعتقد الديني لدرجة أن بعض مروجيها قالوا إنها المحرك الوحيد للتاريخ وإن التقدم مرتبط بحرية التجارة وحرية السوق وإنه لا سبيل آخر لنمو الثورة إلا هذا الطريق، ومفهوم حرية التجارة هذا يشمل السلع والخدمات والأفكار والقيم والطموحات والإبداعات البشرية.

- حرية التجارة اقتضت إضعاف دور الدولة والقوانين والضوابط، ودعا البعض إلى إنهاء دور الدولة تماماً واعتبارها كائنا منقرضا ينتظر الموت.

- اعتبر دعاة العولمة أن القطاع العام عفى عليه الزمن وفشل في إدارة الاقتصاد على المستوى المحلي والعالمي، وأن القطاع الخاص أكثر كفاءة.

"
أدت العولمة إلى تحطيم الكيان القومي لعدد من الدول وتسببت في صراعات عرقية في أكثر من مكان بالعالم، وهناك دول أخرى اكتشفت زيف العولمة فسعت إلى اختيار نموذجها الوطني المناسب
"
- اعتمدت العولمة على عدد من المقومات التي ساعدت على رواجها منها صعود فكرة الليبرالية باعتبارها نهاية التاريخ، وسقوط المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي السابق، والتقدم الهائل في وسائل الاتصال، واستخدمت عددا من مشاهير الدعاة الاقتصاديين والسياسيين وعلماء الاجتماع والإعلام في ترويج تلك الأفكار، ووصل الأمر أحياناً إلى القول إنها رسالة السماء لإنقاذ البشرية.

- عمد دعاة العولمة إلى إضعاف الوازع القومي، وتقليص سيادة الدول، واعتبار التمسك بالسيادة الوطنية فكرة عفى عليها الزمن.

- ادعى دعاة العولمة أن حرية السوق ستؤدي إلى الرخاء للجميع دولاً وشعوباً، وأن هذا سيؤدي إلى إنهاء الدكتاتورية وشيوع الديمقراطية، ولكن الذي حدث كان العكس تماماً، حيث زادت أعداد الفقراء والمحرومين ولم يصل الرخاء إلا إلى القلة المتحكمة في رؤوس الأموال.

- أدت العولمة إلى تحطيم الكيان القومي لعدد من الدول وتسببت في صراعات عرقية في أكثر من مكان بالعالم، وهناك دول أخرى اكتشفت زيف العولمة فسعت إلى اختيار نموذجها الوطني المناسب مثل نيوزيلندا والهند وماليزيا والصين وبعض دول أميركا اللاتينية.

حتمية أيدولوجية
دأب دعاة العولمة على تقديمها للبشرية على أنها حتمية أيدولوجية وأنه لا طريق آخر سواها، وعليك أن تسلم بهذه الحقيقة "المزعومة" أولاً ثم تناقش ما شئت من تفصيلات بعد ذلك.

يقول المؤلف "إن هالة الحتمية التي ظلت محدقة بالعولمة كانت من القوة لدرجة أنه حتى أهل المهن الذين كانوا يعارضون في مجموعهم مثل هذه الأيدولوجية صاروا مضطرين إلى أن يبدؤوا معارضتهم بإبداء الموافقة، وعلى سبيل المثال هناك اقتصاديان حاصلان على جائزة نوبل يقول أحدهما وهو جوزيف ستجلتز الذي يقول "لا نستطيع أن نتراجع عن العولمة فقد جاءت هنا لتبقى، والمسألة هي تفعيلها"، ويقول الثاني وهو أمار تياسن الذي يقول إن "الحل غير المتاح هو ذلك الحل الذي يتعلق بوقف عولمة التجارة والاقتصاد".

وينتقد المؤلف هذه الحتمية المزعومة قائلاً "إن كثيراً مما يقال بأنه حتمي لا يعدو أن يكون نتيجة مبادرات لغوية ليس إلا"، وهي في رأيه كذبة كبرى إذ يقول "إن رغبتنا في التصديق بحتمية الأشياء يمكن تلخيصها على أفضل وجه بوصفها متوالية الشمس التي لا تغرب قط، والمشكلة أن الشمس تغرب دائماً".

"
جورج شتاينر:
ما يحدث اليوم هو أصولية تتحرك بخطى عمياء، وهي أصولية دينية اقتصادية شبيهة بنزعة السكولستين التي شهدتها أوروبا في العصور الوسطى
"
أصولية دينية

يتعامل دعاة العولمة معها كأنها حقيقة دينية، ويتعجب المؤلف من ذلك قائلاً "لم يكن أحد يدري بإمكانية أن يتحول الاقتصاد ليصبح مصدراً من مصادر الحقيقة الحضارية، وكان على القوم أن ينتظروا حتى يقول البعض بموت المعبود، وبعدها يشرع قادة ومهنيون وقطاعات شتى في المخاطرة بطرح أنفسهم كأنهم خلفاء للرب المعبود على سطح الأرض".

ويضيف أن "ما نكتشفه في أنماط التبشير بالعولمة هو نوع من القناعات، أولاها تتمثل في النزعة الدولية الاقتصادية التي تعبر عنها صراحة التجارة الحرة، وهذا اعتقاد راسخ تشوبه مسحة بروتستانتية وتوراتية، وهذا هو العامل الذي يدفع الأفراد الأسوياء إلى أن يبادروا بصراحة كي يعتنقوه ويبشروا به. القناعة الثانية أكثر تنوعاً وربما جاءت محصلة للأولى، وهي تتعلق بالأمر البديهي، بمعنى أنها القناعة التي لا بد من التسليم بها، فالاعتقاد قائم وموجود، ولكن الأمر كله يتطلب فقط معبداً تتردد في جنباته تراتيل المتعبدين".

وقد استخدم أنصار العولمة لغة دينية تماماً في الحوار مع الآخرين أو في نشر أفكارهم يصفها المؤلف بأنها اللغة الدينية الجديدة، بمعنى لغة الاختصاصي المتجرد الذي ينهض وقد أحدقت به كتائب تبدو في إهاب قرائن تستند إلى حقائق، كان ذلك سلوكاً جيزوتياً ولكنه قابل لتفسيرات شعبوية، وما عليك سوى أن تتعامل معه على أنه نسخة معدلة من شعار "إلى الأمام أيها الجنود المسيحيون"، وكأنها حقائق تقول إن الرب كفيل بسحق الكفرة المارقين، حيث يتجلى المنطق المطلق الذي سبق أن اتبعه كوبدن -وهو أحد مفكري العولمة- مدعياً امتلاك زمام الحقيقة والسيطرة على قوى الحتم التي تشق طريقها بلا هوادة.

ويرى كوبدن أن "أي قانون يعارض العولمة إنما يتدخل في حكمة العناية الإلهية، ويحل قانون الأشرار محل قانون الطبيعة". ويصل الأمر إلى أن يقول فرنسيس فوكوياما بنهاية التاريخ وأن "ثمة عملية أساسية تفعل فعلها وتفرض نمطاً مشتركاً من التطور على جميع المجتمعات".

ويستشهد المؤلف برأي الفيلسوف جورج شتاينر بأن ما يحدث اليوم "أصولية تتحرك بخطى عمياء، وأنها أصولية دينية اقتصادية شبيهة بنزعة السكولستين التي شهدتها أوروبا في العصور الوسطى".

الفجر الكاذب
الذين روجوا للعولمة قالوا إنها ستؤدي إلى رخاء العالم كله وتقليل عدد الفقراء وحل أزمة الديون، وأن هذه أحلام تقتضي التضحية بنمط الدولة القومية أو التركيب التقليدي للنقابات والمؤسسات الوطنية. ولكن بعد عقدين من ظهور العولمة، كانت المحصلة مؤسفة إذ "كانت النتيجة هي الوصول باقتصادات معظم الدول -وخاصة دول أفريقيا وأميركا اللاتينية وبعض دول آسيا- إلى حالة من التوقف، ومعظمها لا يزال حتى الآن شبه متوقف لما يقرب من 20 سنة".

"
بحلول عام 2005 تم التأكد من وفاة العولمة, وعادت الحكومات التي تسلمت مقاليد الدول القومية لتتسلم من جديد مقاليد السلطة، ولم تعد العولمة ديناً جديداً أو حتمية أيدولوجية، بل مجرد تجربة فاشلة تخضع للنقد
"

إن حقبة العولمة دمرت أصقاعاً واسعة النطاق في العالم، وأشد الأرقام إيلاماً تقول لنا أولاً إنه بحلول التسعينيات كانت أفقر البلدان تنوء بديون لم تكن قادرة على خدمتها إلا بأن تدمر نفسها، وتقول ثانياً إن هذه الديون لم يطرأ عليها تغيير حقيقي حتى اليوم رغم ما يثار في الغرب من أحاديث، وما يطرح من طائفة واسعة النطاق من الحلول الجزئية. وفي كل الأحوال فقد تدهورت الأحوال السياسية والاجتماعية، وتم تخفيض البرامج الصحية والتعليمية، حيث إن القاعدة الدولية المطبقة -أو هكذا تبدو- أن المتاح ليس سوى حيز ضئيل لتنفيذ مثل هذه البرامج إذا كان الأمر يقتضي خدمة الديون.

وفاة العولمة
يحدد المؤلف عام 2003 بأنه عام انكشاف زيف العولمة، وخروج عدد من الدول والرؤساء على هذا النظام أمثال الهند وماليزيا والصين والبرازيل، ومن ثم إعادة الاعتبار إلى النزعة الوطنية والقومية، وأنه بحلول عام 2005 كان قد تم التأكد من وفاة العولمة.

ويضع المؤلف لذلك عنواناً هو النهاية المعلنة للعولمة، وعادت الحكومات التي تسلمت مقاليد الدول القومية لتتسلم من جديد مقاليد السلطة، وتجرأ مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا عام 2003 حيث أسهب في نقد سياسات العولمة وتباهى بنجاح ماليزيا عقب اتباعها نموذجاً وطنياً.. لم تعد العولمة ديناً جديداً أو حتمية أيدولوجية، بل مجرد تجربة فاشلة تخضع للنقد. وبحلول العام 2005 اختُُزلت تماماً الافتراضات القديمة بحتمية الاقتصاد وتبدد بشكل عام ذلك الإيمان بقيادة الشركات ثم عودة السياسة لكي تملأ الفراغ.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة