اختلاق الحرب الباردة   
الأربعاء 18/1/1435 هـ - الموافق 20/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:47 (مكة المكرمة)، 13:47 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر
يناقش هذا الكتاب دور الولايات المتحدة في تقسيم العالم والسيطرة على مقدراته، إلى جانب الاتحاد السوفياتي، في الفترة بين عامي 1945 و1953 التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية، وما يطلق عليه المؤلف "اختلاق الحرب الباردة" بين القطبين الكبيرين. وتنتهي فترة الدراسة عند سقوط الديمقراطيين وتولي الجمهوريين السلطة، حيث اختلفت السياسات العامة بينهما في هذا المجال.

- العنوان: اختلاق الحرب الباردة
- المؤلف: أحمد جلال بسيوني
- عدد الصفحات: 296
- الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة
- الطبعة: الأولى 2013

والمؤلف هو مدرس التاريخ الأميركي والعلاقات الدولية بكلية الآداب في جامعة دمنهور بمصر، والكتاب في الأصل هو بحث علمي حصل به المؤلف على درجة الدكتوراه في قسم التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الإسكندرية.

حدث تاريخي
في المقدمة يقول المؤلف إن صعود الولايات المتحدة إلى مرتبة القوة العظمى عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية كقائدة للمعسكر الرأسمالي الغربي خلفا لبريطانيا وفرنسا، كان حدثا تاريخيا مهما، لما له من أهمية كبرى في رسم المقدرات وتشكيل مستقبل الدول والجماعات. وكانت أهم نتيجة ترتبت على هذا الصعود العالمي هي ما عرف باسم "الحرب الباردة".

وهي الحرب التي تناوب فيها المعسكران: الغربي بزعامة الولايات المتحدة، والشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي، الصراع للسيطرة على مقدرات العالم وشعوبه، بصورة جديدة جدا في التاريخ، تجنب كلا الفريقين فيها "الحرب الساخنة"، وتم استبدالها "بالحرب الباردة"، لكنها كانت أكبر من كونها صراعا عسكريا مباشرا لأنها امتدت في نطاقها الجغرافي لتشمل الكرة الأرضية بأسرها.

والكتاب مكون من خمسة فصول، يناقش الأول الموقف الأميركي بعد كارثة الكساد الاقتصادي الكبير، ومرحلة إعادة تشكيل الفكر القومي، ثم وضع الولايات المتحدة في مفترق طرق بعد موت الرئيس روزفلت عام 1945.

ويشير إلى أن كارثة الكساد الاقتصادي في نهاية عشرينيات القرن الماضي أثرت سلبا بصورة كبيرة على الشخصية الأميركية، حيث لم تقتصر على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل كشفت كذلك عن هشاشة عميقة في مختلف جوانب المجتمع الأميركي، ولذلك كانت النتائج أشد تأثيرا، وتفاقمت الصدمة النفسية لكثير من العائلات بسبب فقدان العمل.

ورغم هذه الآثار السلبية فإنها أعطت للأميركيين فرصة إعادة تدبر أحوالهم، والتطلع إلى الخروج من هذه الأزمة، وهنا لمع نجم مرشح الحزب الديمقراطي فرانكلين روزفلت الذي نجح في تقديم برنامج سياسي واقتصادي أقنع به الشعب حتى فاز في الانتخابات، واستطاع خلال فترة حكمه (1933- 1945) نقل المجتمع الأميركي خارج دائرة الأزمة إلى حد ما، بل والتطلع بعد ذلك إلى خارج الحدود.

وعند وفاة روزفلت المفاجئة قبيل أشهر من انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان الجيش الأميركي منتشرا في آلاف الميادين حول العالم، وهناك عشرات الخطط والرؤى والمشروعات لعالم ما بعد الحرب، وكمّ هائل من القوانين والمشروعات الداخلية التي ترتبط بشخص الرئيس وتنتظر التنفيذ، وأصبحت الولايات المتحدة بعده عند مفترق طرق، عشية الانفتاح على عالم "الحرب الباردة".

مرحلة التحول
الفصل الثاني من الكتاب يتناول مرحلة التحول -سواء عند الإدارة الأميركية أو في المجتمع نفسه- بعد غياب روزفلت، خصوصا أن مراكز المصالح وجماعات الضغط تلعب دورا أساسيا في التأثير على صانع القرار، والمعيار الأساسي في نجاح أي رئيس يتمثل في مدى قدرة صانع القرار على أن يوازن بين متطلبات الدستور ومقاصده كما يراها، وبين متطلبات الضاغطين ومصالحهم.

كارثة الكساد الاقتصادي في نهاية عشرينيات القرن الماضي أثرت سلبا بصورة كبيرة على الشخصية الأميركية، حيث لم تقتصر على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل كشفت كذلك عن هشاشة عميقة في مختلف جوانب المجتمع الأميركي

يقول المؤلف إنه على الرغم من أن هاري ترومان الذي خلف روزفلت في رئاسة الولايات المتحدة، أبدى نفورا من توسع الأخير في السلطات، فإنه ارتكن في بداية حكمه إلى قوانين سنها سلفه لتوطيد أقدامه في الحكم والسيطرة.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية (1945)، اتجهت الولايات المتحدة نحو دعم فكرة إنشاء هيئة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وكذلك نحو عقد المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وعندها برزت الحاجة إلى تقليص حجم القوات المسلحة، وإعادة تنظيم مؤسسات الدفاع والسياسة الخارجية، واتخاذ قرارات خاصة حول مدى ملاءمة الهيكل التنظيمي للدولة الذي نما بطريقة مرتجلة إلى حد كبير خلال سنوات الحرب.

طلاق ودي
وتحت عنوان "الطلاق الودي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي" يناقش الفصل الثالث أبعاد العلاقة بين واشنطن وموسكو في نهاية الحرب، حيث يشير المؤلف إلى أن مؤتمر "يالطا" الذي عقد بشبه جزيرة القرم في فبراير/شباط 1945 يعد واحدا من أهم المؤتمرات في تاريخ البشرية المعاصر، لما نتج عنه من قرارات كان لها دور كبير في إعادة تشكيل العالم. ولعل من أبرز نتائج هذا المؤتمر ذلك التقارب الواضح بين الولايات المتحدة (روزفلت) والاتحاد السوفياتي (ستالين).

غير أن أهم النتائج المباشرة التي ترتبت على هذا المؤتمر تكمن في ترسيخ الرؤية الأميركية للسلام العالمي، تلك الرؤية التي ارتبطت بأن يتحمل الكبار مسؤولياتهم باعتبارهم يقومون بدور شرطي العالم.

وهنا حدثت تغيرات لدى الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي حول فكرة إمكانية استمرار الصداقة والوئام بينهما، بعدما كانت سياسة واشنطن ترفض أي قواعد عسكرية سوفياتية قريبة منها.

وتفاهمت الدولتان حول القضايا الرئيسية مثل: ضرورة إنهاء الحروب، والصراع من أجل القوة، ومعاقبة المعتدين، والسعي لإنشاء عالم تسوده فكرة العمل الجماعي من خلال المنظمات الدولية لحفظ السلام.

وكان مفهوما من الناحية العملية أنه في "يالطا" تم تقسيم أوروبا عن طريق الخط المرسوم من بحر البلطيق إلى البحر الأدرياتيكي عابرا منطقة النفوذ الشيوعي، وأنه بات واضحا أن القوة في شرق أوروبا في يد السوفيات.

ومع رحيل روزفلت وقدوم ترومان وانتهاء الحرب العالمية الثانية، تغيرت أمور كثيرة في المعسكرين، وبدأت حالة من الخطابات العدائية والحدة بينهما، ربما تحت تأثير الانتخابات الداخلية أو اختلاف المصالح، وهنا ظهر تعبير "الحرب الباردة" في دراسة أعدها الدبلوماسي الأميركي جورج كينان الذي انتهى فيها إلى أن الولايات المتحدة لن تقبل في المستقبل بالتمتع بعلاقات سياسية حميمة مع النظام السوفياتي، وإنما لا بد من أن تستمر في اعتباره زميلا أو نظيرا، لكن ليس شريكا في العملية السياسية.

ودعا كينان في دراسته بلاده إلى تطبيق سياسة "الاحتواء" لتحجيم الاتحاد السوفياتي عند أي نقطة يمكن إظهار علامات أو إشارات تصادم ضد المصالح الأميركية، أو ضد السلام والاستقرار في العالم.

نظرية الاحتواء
يناقش الفصل الرابع معالم الإستراتيجية الأميركية الجديدة في فترة الحرب الباردة، حيث يرى المؤلف أن الأحداث في تلك الفترة كانت سريعة ومتلاحقة، وترتب على ذلك ضرورة اتخاذ قرارات سريعة لم تكن بالضرورة بناء على رؤية إستراتيجية واضحة المعالم، لكنها إجمالا كانت في إطار نظرية "الاحتواء" التي شكلت الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الأميركية طوال فترة الحرب الباردة.

ويمكن القول بأن مشروع "مارشال" لإنعاش الاقتصاد الأوروبي كان يمثل صورة بارزة لطبيعة الإستراتيجية الأميركية في تلك المرحلة المبكرة من الحرب الباردة، والتي كانت تفتقر إلى الرؤية الواضحة التي يتم اتخاذ القرارات على ضوئها.

وقد ظل مشروع مارشال مجالا للنقد والمدح حتى يومنا هذا، فهناك من يرى أنه لم يكن مشروعا على الإطلاق، أما المادحون فرأوا فيه فرصة لأوروبا كي تستعيد اقتصادها وتنعش تجارتها وتنمي مصادرها وإنتاجها بنفسها.
ظهر مصطلح الحرب الباردة في دراسة أعدها الدبلوماسي الأميركي جورج كينان الذي انتهى فيها إلى أن الولايات المتحدة لن تقبل في المستقبل بالتمتع بعلاقات سياسية حميمة مع النظام السوفياتي، وإنما لابد من أن تستمر في اعتباره زميلا أو نظيرا، لكن ليس شريكا في العملية السياسية

ويعد إنشاء حلف شمال الأطلسي مكملا عسكريا لمشروع مارشال الاقتصادي، وكما هي الإستراتيجية الأميركية في تلك المرحلة، فإن قيادة الولايات المتحدة للحلف لم تنبع من رؤية مسبقة، وكان واضحا من بيان الدول المشتركة في هذا الحلف أن العامل العسكري كان المعيار الحاسم في عضويته، وليس العامل الإقليمي أو الجغرافي كما قد يوحي اسمه، فهو يضم دولا تترامى في قارتين متباعدتين (أوروبا وأميركا).

أيضا ظهرت فكرة "النقطة الرابعة" لجذب الشعوب الأقل نموا عبر تقديم الدعم المادي والتقني من غير الدول الخاضعة لمشروع مارشال، بهدف عدم وقوعها في أيدي الشيوعيين أو بهدف التوسع الاقتصادي الأميركي، وهو أيضا لم يكن وليد إستراتيجية واضحة، إنما وليد فكرة جاءت في خطاب الرئيس ترومان.

وبينما سعت الولايات المتحدة إلى جذب الدول والشعوب للدوران في فلكها بعيدا عن الاتحاد السوفياتي، لم تغفل يوما عن التحرك في المسائل الدولية بما يتناسب مع مصالحها الخاصة، ويمكن القول بأن اتفاقية التجارة الدولية "غات" تمثل هذا الأمر بوضوح.

الشرق الأوسط
وفي الفصل الخامس والأخير يتناول المؤلف الهيمنة الأميركية في الشرقين الأقصى والأوسط عبر محورين: يتحدث الأول عن السياسة الأميركية تجاه اليابان وتوحيد الصين ثم الحرب الكورية، بينما يتناول الثاني موقع الشرق الأوسط من هذه السياسة، وسياسة ترومان تجاه الصهيونية وفلسطين، ثم موقف الولايات المتحدة من النفوذ السوفياتي في إيران.

وسنتناول المحور الثاني لأنه يدور حول منطقتنا، حيث يؤكد المؤلف أن مصطلح "الشرق الأوسط" مصطلح سياسي ظهر في بداية القرن العشرين، وأنه أميركي بامتياز، وأن إستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تمحورت حول إحلال هيمنتها محل الاستعمار التقليدي (البريطاني والفرنسي..)، ومقاومة التغلغل الشيوعي أو احتواء الاتحاد السوفياتي.

لقد كانت الصهيونية حركة أوروبية الأصل والنشأة، عاصرت عهود الاستعمار والاستغلال الحديثة، وتتخفى حول بعض الادعاءات الدينية والتاريخية، وكانت الولايات المتحدة أحد أهم الأطراف التي لعب عليها الصهاينة لكسب دعمها أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، خاصة بعدما بدأت بريطانيا تسحب نفسها من القضية تدريجيا.

دعم الصهيونية
يؤكد المؤلف أنه لولا الدعم الأميركي العلني في عهد ترومان لما أمكن قيام الدولة الصهيونية عام 1948، فالولايات المتحدة لم تكن -كما يدعي الصهاينة- راغبة في أن يوفر قيام "إسرائيل" قنطرة صداقة بين الشرق والغرب، وإنما كانت هناك أسباب أخرى: دينية واجتماعية وعسكرية وسياسية وإستراتيجية -بل وشخصية- عجلت من هذا الدعم في عهد حكومة ترومان لقيام دولة "إسرائيل".

ويمكن القول بأن قرار الولايات المتحدة دعم الدولة الصهيونية استند إلى حسابات دقيقة داخل إطار خيارها الإستراتيجي المبدئي لحماية مصالحها في المنطقة، وهذا قائم حتى اليوم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة