سجناء البيت الأبيض   
الأربعاء 1435/6/16 هـ - الموافق 16/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:41 (مكة المكرمة)، 14:41 (غرينتش)

عرض/مرح البقاعي
إنها "الفقاعة" كما يحلو للرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما أن يسميها، بينما سماها الرئيس بيل كلينتون "جوهرة التاج في نظام السجون الفيدرالي"، وكان الرئيس هاري ترومان سبّاقا إلى تسميتها "السجن الأبيض الرائع".

هذه المصطلحات الأميركية هي الرديف لما كان يطلق عليه البريطانيون في القرن الـ 19 "العزلة الباهرة"، وهي العبارة المصطلحية في ذلك الوقت التي استخدمت في توصيف سياسة بريطانيا العظمى الخارجية.

أما الأميركيون على الضفة الثانية من الأطلسي، فقد استعاروا هذا التعبير ليصفوا حالة العزلة التي يعيشها الرؤساء الأميركيون في مكتبهم البيضاوي خلف أسوار البيت الأبيض العتيد حين وصولهم إلى سدة الحكم، وأطلقوا عليها تعابير مختلفة تنسجم مع السياق السياسي لبلاد العم سام.

-اسم الكتاب: سجناء البيت الأبيض
-المؤلف: كينيث تي وولش
-الناشر: باراديغم بوبلشرز
-عدد الصفحات: 265
- الطبعة: الأولى، 2013

ففي قصر يحيط به حرس مدجّجون من كل ركن من أركانه، قصر عارم يحتوي على 132 غرفة، و32 حمّاما، وقاعة عرض سينمائي ضخمة، وملاعب رياضية للتنس وأخرى للبولينغ، وقاعة الجناح الشرقي الشهيرة ببذخها، والتي تستضيف عادة ولائم الدولة والمناسبات الرسمية ذات التمثيل الرئاسي، هذا كلّه معزّز بجيش من مديري الشؤون المنزلية الذين تتوزع مهامّهم بين مسؤولين عن التسوّق للمواد المنزلية التي يحتاجها القصر إلى عشرات من أمهر الطهاة والنوادل.

هذا بالإضافة إلى فريق خاص بإعداد الملابس ومسح الأحذية، وفريق رعاية أبناء ساكن القصر والاهتمام باصطحابهم إلى المدارس، والسكرتاريا الخاصة التي تحضّر برنامج الهواتف اليومية وتجيب على المكالمات، والمزارعين الذين يقلّمون العشب في الحدائق، ومختصي التجميل الذين يقلمون الأظافر ويهتمون بكل شاردة وواردة تتعلق بالماكياج وتصفيف الشعر والمظهر الخارجي للأسرة الأولى المقيمة في القصر.

في هذا القصر القابع في 1600 من جادة بنسلفينيا العريقة في العاصمة الأميركية واشنطن يسكن الرئيس الأميركي المنتخب خلال فترة رئاسته وأفراد عائلته الصغيرة.

هكذا وصف الإعلامي الشهير كينيث وولش، الذي غطى أخبار البيت الأبيض لكبرى الصحف الأميركية على مدى عقود وفي مقدّمتها "يو إس نيوز"، الصحفي الذي ربطته معرفة قريبة ومميزة بمعظم الرؤساء الأميركيين منذ عهد جورج دابليو بوش إلى الرئيس باراك أوباما، هكذا وصف ما دعاه بـ"السجن" الذي يقبع فيه الرؤساء الأميركيون خلال فترة رئاستهم للبلاد، وهو بالطبع يقصد البيت الأبيض.

وبسبب الثقة العالية التي تمتّع بها وولش من العاملين في البيت الأبيض ومن بطانة الرئيس والرؤساء أنفسهم الذين التقاهم شخصيا، أتيح له الاطلاع على معلومات دقيقة، وسريّة في بعض الأحوال، تتعلق برسائل الرئيس الخاصة التي يتلقاها، ومعلومات غير معلنة عن استطلاعات الرأي وتسجيلات المكالمات الهاتفية، إلى جانب المقابلات والحوارات الصريحة والمباشرة التي أجراها خلف أسوار البيت الأبيض مع المقرّبين وصناع القرار حول الرئيس.

وبسبب هذه الثقة العالية تمكّن وولش من كتابة 265 صفحة غنية بمشاهد حياة الرؤساء الأميركيين المتعاقبين، حية بنبضها الداخلي، وأطلق على كتابه اسم "سجناء البيت الأبيض".

وفي أحد حواراته مع السكرتير الإعلامي في البيت الأبيض جيه كارني، نقل عنه قوله "هي حقيقة أن الرئيس يعيش ضمن فقاعة فاخرة، وهذه الفقاعة هي حالة حقيقية وكثيفة ويصعب اختراقها، ومن الصعب أن تجد طريقك خارجا منها".

لكن وولش في كتابه هذا استطاع اختراق هذه الفقاعة والوصول إلى تفاصيل الأسطورة التي تحيط بمشهد وتفاصيل الرئاسة وحياة الرئيس الأميركي اليومية.

وولش يشير إلى حجم المصاعب والتحديات التي تواجه الرئيس في اتخاذ قراره وهو قابع في قلب الفقاعة التي تعزله عن الاتصال المباشر مع تفاصيل الحياة اليومية العادية ومع الشارع الأميركي العريض

يتألف كتاب "سجناء البيت الأبيض" من 13 فصلا، وعنوان الفصل الأول: "المحاصرون داخل "الفقاعة"، يتحدث فيه وولش عن كيفية اتخاذ القرار في قمة هرم الهيئة التنفيذية في المكتب البيضاوي من البيت الأبيض، بينما الرئيس يتلقى المعلومات من المحيطين به حصرا في تقارير دورية واستطلاعات رأي يرفعونها له، وكذلك من وسائل الإعلام على اختلافها، ومن أعضاء مجلس النواب الذين هم الأكثر التصاقا بالشارع الأميركي.

ويشير وولش إلى حجم المصاعب والتحديات التي تواجه الرئيس في اتخاذ قراره وهو قابع في قلب الفقاعة التي تعزله عن الاتصال المباشر مع تفاصيل الحياة اليومية العادية ومع الشارع الأميركي العريض.

وهذا بالطبع ينسحب على القرارات المتّخذة في السياسة الخارجية والتي تخضع أيضا للتقارير المتأنية من وكالة الاستخبارات الأميركية، وإلى آراء الدبلوماسيين الأميركيين المنتشرين في العالم وتصوراتهم للعلاقة مع العالم، وكذلك الدراسات التي تقدّمها مراكز البحوث الكبرى في واشنطن.

ويستمر وولش في 12 فصلا آخر من كتابه في تناول الحياة الداخلية السياسية لما عدده 11 رئيسا من مجموع 44 رئيسا أميركيا توالوا على حكم أميركا منذ استقلالها، والذين كانوا الأكثر تأثيرا في الحياة الأميركية وفي العالم، وآخرهم الرئيس أوباما.

ويفيد وولش في هذا الشأن بأن "أربعة رؤساء آخرين إلى جانب أوباما كانوا يعانون من هذه العزلة المبالغ فيها، ولم يتمكنوا من اختراقها، وهم جون كيندي، وجيمي كارتر، ورونالد ريغان، وجورج دابليو بوش".

ومن المعروف أن "الحارس" الأول وصاحب السلطة المطلقة في حماية هذه الفقاعة من أي اختراق في عهد باراك أوباما، وفي الاتجاهين، هي المستشارة الخاصة لأوباما والمقرّبة جدا منه السيدة فاليري جاريت، فهي الناصح الأول للرئيس وحامي هذه العزلة السياسية من أي تشويش يمكن أن "يغيّر من المسار السياسي الذي كانت قد رسمته بعناية للرئيس"، حسب تصوّرها.

وقد اعترف أوباما لوولش في أحد الحوارات الصحفية أنه "ارتكب خطأ كبيرا في فترة رئاسته الأولى بسبب انغلاقه في البيت الأبيض بشكل مبالغ به".

وفي محاولاته للخروج من هذه الشرنقة التي أحيط بها يواجه أوباما امتعاضا كبيرا من الحرس الرئاسي الخاص، ولا سيما بسبب إصراره على استعمال "البلاك بيري" لإرسال الرسائل النصية و"الإيميل" في التواصل مع أصدقائه.

في محاولاته للخروج من هذه الشرنقة التي أحيط بها يواجه أوباما امتعاضا كبيرا من الحرس الرئاسي الخاص، ولا سيما بسبب إصراره على استعمال "البلاك بيري" لإرسال الرسائل النصية و"الإيميل" في التواصل مع أصدقائه

وفي مناسبة محاولات أوباما للخروج من ركون الفقاعة إلى صخب الحدث في الفترة الأخيرة من حكمه، أتساءل كأميركية من أصل سوري: ما طبيعة المعلومات التي قدّمت للرئيس الأميركي عن إحداثيات الأزمة في سوريا ومن يدير رحاها هناك؟ وما مصادره في استقصاء الحقائق عن مآلات الثورة السورية في مواجهة الاستبداد النظامي؟ وهل الفقاعة التي يتقلّب أوباما في فراغها حجبت إمكانية اتخاذ أي قرار متوازن يتعلّق بآلام الإنسان السوري قبل أن يتعلّق بجراح الأرض السوريّة؟

وهل محاولات أوباما الخروج من هذه الفقاعة والاقتراب من الحدث في الفترة الأخيرة من حكمه ستصّب في نصيب نصرة القضية السورية العادلة في التحرّر والحرية، ما يسهّل التحرّك من أجل دعم هذ المهمّة التي ترك لمواجهتها الشعب السوري وحيدا في دائرة الطغاة؟!

بالطبع كتاب وولش لا يجيب عن هذه الأسئلة، ولا السيدة الحارسة جاريت تملك إجابة، ولا "أصدقاء شيكاغو" المقرّبين الذين اصطحبهم معه إلى الدائرة المحيطة بمكتبه البيضاوي حين وصل إلى الحكم.

ولكن، الخوف كل الخوف أن يكون الرئيس نفسه لا يملك الإجابة عن هذه الأسئلة بعد خروجه الميمون من طوق الفقاعة في السنتين الأخيرتين من عهده، حيث يطلق على الرئيس في هذه المرحلة "البطة العرجاء".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة