السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط   
الخميس 12/9/1427 هـ - الموافق 5/10/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:22 (مكة المكرمة)، 12:22 (غرينتش)

عرض/ إبراهيم غرايبة
تعرض المؤلفة في هذا الكتاب وباستخدام مصادر غير منشورة من مكتبات رئاسية متنوعة الدور الذي لعبته جماعات الضغط فعليا لتحديد السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، ويشرح الكتاب أيضا خلفية الموضوع من خلال التركيز على الإعلام والانطباعات الثقافية السائدة في المجتمع الأميركي عن الشرق الأوسط.

ثم تحدد المؤلفة عيوب التغطية الإعلامية للمسائل الدولية، وتصف الأفكار المبسطة السلبية والمشوهة عن العرب والمسلمين التي زادت حدتها بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول.

من يصنع السياسة الخارجية الأميركية؟

- الكتاب: السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، دور جماعات الضغط ذات الاهتمامات الخاصة
- المؤلف: جانيس ج. تيري
- ترجمة: حسان البستاني
- عدد الصفحات 240
- الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت
- الطبعة: الأولى/2006

تنشأ السياسة الخارجية الأميركية من تفاعل معقد بين عدد من الدوائر الحكومية، تشمل الرئيس ووزير الخارجية والبنتاغون والسي آي إيه والكونغرس ومجلس الأمن القومي (NCS)، ولكن في أثناء فترة حكم جونسون ونيكسون بصفة خاصة بلغ الرئيس حد لعب دور حاسم في تطوير السياسة الخارجية ومواكبتها، كما هو حال هنري كيسنجر إبان رئاسة جيرالد فورد -كان وزير الخارجية المهندس الرئيس للسياسة الخارجية- وفي أحيان أخرى لعب مستشار الأمن القومي هذا الدور، ففي سبعينيات القرن العشرين عندما كان الرئيس فورد يدرس مفاوضات لإدخال مصر وأنور السادات في الفلك الأميركي، عرض لهذه المسألة مباشرة خلال لقاء له مع مجلس الأمن القومي.

ومن خلال خطابات الرؤساء قد تعلن بوضوح أسس السياسة الخارجية، فالرؤساء المنتخبون الجدد يأخذون بعين الاعتبار التحولات السياسية الجارية، وغالبا ما يعيدون تقييم سياسة الشرق الأوسط، وفي أثناء ذلك تتوافر لممارسي الضغوط نافذة صغيرة للترويج لبرامجهم المقترحة، ومن الواضح أن الأفضلية تكون للجماعات التي تتمتع بروابط وطيدة، وتملك مؤيدين لها في مناصب إدارية أساسية، وتقيم صلات وثيقة بالبيت الأبيض كالإسرائيليين.

إن إسرائيل تدرك الدور الذي تلعبه استطلاعات الرأي في الحياة السياسية، فتقوم بمراقبة نتائج الاستطلاعات المتعلقة بالشرق الأوسط، فإذا أشار إلى تأييد لسياسة معينة أو دولة ما يستخدم ممارسو الضغط النتائج لإقناع السياسيين بالتصويت لقانون ما أو ضده، وينطبق الأمر نفسه على صفقات الأسلحة والمعونات المالية في اتباع سياسات محددة تجاه الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق تلعب وسائل الإعلام دورا محوريا واضحا، وغالبا ما كان للانطباعات الشعبية السلبية السائدة التي تتناول المسلمين والعالم العربي تأثيرات سلبية على السياسة الخارجية الأميركية حيال الشرق الأوسط، فتلعب المواقف والانطباعات الصادرة عن مجموعة واسعة من الرسميين والسياسيين دورا هاما في التأثير في ما يدعمون من سياسات أو يعارضون.

ومن الواضح أن الإعلام والثقافة الشعبية هما مكونان أساسيان لتشكيل الرأي العام. وعندما تؤكد وسائل الإعلام في الولايات المتحدة في التغطية التي تتناول العرب والإسرائيليين وشعوبا شرق أوسطية أنها عادلة ومتوازنة وغير متحيزة، تشير الوقائع إلى غير ذلك.

جماعات الضغط
تمثل جماعات الضغط مجموعة كبيرة من الجماعات العرقية ووجهات النظر السياسية، وهي مؤسسات طوعية، وفي تسعينيات القرن العشرين كان هناك أكثر من 80 ألف ممارس للضغوط مسجلين في واشنطن، ويعمل ممارسو الضغط المأجورون وفقا لمجموعة من القواعد تتعلق بالضرورة بجماعات الضغط أو الجماعات ذات الاهتمامات الخاصة.

ويسلم ممارسو الضغوط أيضا بأن ما بين 80% و90% من القضايا يتخذ قرار بشأنها انطلاقا من اعتبارات سياسية، لا بالارتكاز على ميزاتها، وهذا الاعتبار الحاسم بصفة خاصة في ما يتعلق بالسياسات المرتبطة بإسرائيل والفلسطينيين.

ويمكن لممارسي الضغوط تزويد صانعي القرار بمعلومات عن مسائل محددة وتكون هذه المعلومات هي الوحيدة في مسألة معينة.

"
تمثل جماعات الضغط مجموعة كبيرة من الجماعات العرقية ووجهات النظر السياسية، وهي مؤسسات طوعية، وفي تسعينيات القرن العشرين كان هناك أكثر من 80 ألف ممارس للضغوط مسجلين في واشنطن
"
وينطبق أيضا هذا على المسائل المتعلقة بالشرق الأوسط، فالحقائق المرتبطة بها محرفة ومشوهة وغير معروفة من قبل الغالبية العظمى من الأميركيين، بالإضافة إلى السياسيين.

ونضرب مثالا هنا لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية AIPAC، وهي منظمة الضغط الأكثر فعالية التي تعني بالشرق الأوسط، تقوم بإرسال وقائع وأساطير وتقارير حول الشرق الأدنى، ومجموعة وافرة من منشورات لكتاب موالين لإسرائيل إلى مسؤولي البيت الأبيض والسياسيين.

وفي ظل رئاسة كارتر أرسلت اللجنة برسالة إلى كارتر حتى يبدي اهتمامه بها بما أنه قد لا يكون على علم بالوقائع الحقيقية لحرب 1948.

ويبذل ممارسو الضغوط من أفراد وجماعات جهودا كبيرة للاحتفاظ بعلاقة وثيقة مع مجموعة كبيرة من المسؤولين الحكوميين، بدءا بالرئيس وحتى أصغرهم مرتبة، وذلك من خلال إلقاء الخطب وتوجيه رسائل الدعم والتقدير، وتدشين مبان، ودعوتهم إلى مؤتمرات وندوات، ومناسبات وحفلات اجتماعية، وفي ذلك كانت الأفضلية للإسرائيليين وجماعات الضغط الموالية لها للوصول إلى صانعي القرار.

ويركز ممارسو الضغط جهودهم على أفراد من نواب وشيوخ الكونغرس بهدف تأييد بعض التشريعات، ومن خلال لجان العمل السياسيPAC، غالبا ما تقوم المجموعات المكلفة بملف برامج السياسة الخارجية بمنح دعم مالي للحملات السياسية.

ويجمع المال من قبل أحزاب سياسية، ومرشحين لتغطية تكاليف حملة انتخابية لشغل مناصب فدرالية، والغريب في الأمر أن المنح التي تقدم من عرب أميركيين أو هبات من العرب في العادة ترد أو ترفض، وهكذا فإن محاولات العرب لدخول العملية السياسية غالبا ما تواجه بمعارضة على المستوى الوطني والمحلي بل على صعيد كل ولاية.

جماعات الضغط العربية
تحاول الدول العربية من خلال اتصالاتها المباشرة وسفاراتها التأثير في السياسة الخارجية الأميركية، ولكن القادة العرب لم يفهموا بعد ديناميات النظام السياسي للولايات المتحدة، فقد ظن الكثير أن ممارسة الضغوط أمر غير قانوني، ويجب حصر الجهود بالقنوات الدبلوماسية فقط، وكانت الدول المنتجة للنفط تعتبر شركات النفط الأميركية هي الوسيط الملائم الذي يمكن من خلاله إبلاغ وجهات النظر العربية.

واعتقد آخرون أن السي آي إيه تقوم بالدور الرئيس في صنع السياسة الخارجية، حتى أدركت بعض الدول العالم الثالث تعقيدات النظام الأميركي، واستخدمت ممارسي ضغوط محترفين للقيام بالمهمة.

"
تحاول الأعمال الخاصة الهامة في العالم العربي، لا سيما الصناعة النفطية التأثير في السياسات الأميركية المتعلقة بالشرق الأوسط، وهي تميل إلى الاتصالات الشخصية والصداقات مع صانعي القرار، وتفضل العمل الهادئ من وراء الكواليس
"
وكانت هذه المساعي في غالب الأحيان غير متقنة، فمثلا في أعقاب الغزو العراقي على الكويت استخدمت الكويت شركة هيل ونولتون للإعلان عن الفظاعات العراقية، ولكن سرعان ما ثبت أن العديد من ادعاءاتها الأكثر فظاعة ملفقة ما تسبب بالحرج، وكان ضررها أكبر من فائدتها.

وأسس في الأردن أول برنامج في العالم العربي للحصول على شهادة في الدراسات الأميركية عام 2000، وكذلك الجامعة الأميركية في بيروت، وهي خطوات في الاتجاه الصحيح، ولكن تبقى إسرائيل متقدمة بمسافة زمنية لا تقل عن 50 سنة.

وخلال النصف الثاني من القرن الماضي، قامت مجموعة من المسؤولين الحكوميين بمواقف مؤيدة للعرب، مثل السيناتور وليام فولبرايت، وهو لم يدع إلى إقامة دولة فلسطينية لكنه أيد معونة إضافة للاجئين الفلسطينيين، وعارض زيادة صفقات الأسلحة والمعونة المالية لإسرائيل دون غيرها.

وهناك العديد من المؤسسات والمراكز الأكاديمية بشؤون الشرق الأوسط، وهي قائمة بشكل عام في الجامعات الرئيسة، وتحاول تأمين أبحاث وبرامج متواصلة ومتوازنة عن المنطقة، وهي في العادة لا تعبر عن سياسات الحكومة حيال أي نظام، بل تسعى إلى توفير مواد علمية موثقة قد تكون مؤيدة أومعارضة لكل الأنظمة بما فيها إسرائيل.

وتحاول الأعمال الخاصة الهامة في العالم العربي، لا سيما الصناعة النفطية التأثير في السياسات المتعلقة بالشرق الأوسط، وهي تميل إلى الاتصالات الشخصية والصداقات مع صانعي القرار، وتفضل العمل الهادئ من وراء الكواليس، فلا تطلق الحملات الإعلامية، ولاسترضاء الدول العربية المنتجة للنفط ناقش أقطاب هذه الصناعة بهدوء الأزمة العربية-الإسرائيلية دون أن يحرزوا أي نجاح في هذا المجال.

جماعات الضغط الصهيونية
تدرك إسرائيل منذ نشوئها أهمية جماعات الضغط، وكثيرا ما تعد السفارة الإسرائيلية في واشنطن والقنصليات الموجودة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة حملات لجمع المعلومات تقوم على تمكين الخطباء والطلاب الإسرائيليين من حضور المؤتمرات والمشاركة في مناسبات اجتماعية.

وتقوم السفارات باستمرار باستضافة الأساتذة والناشطين الاجتماعين، إضافة إلى رعاية رحلات إلى إسرائيل مخصصة للصحافيين وقادة الكنيسة، كما توفر أبحاثا متعلقة بالجذور لمجموعة واسعة من اليهود الأميركيين والأكاديميين والمنظمات الاجتماعية.

"
أنفقت لجان العمل السياسي الصهيونية بين العامين 1990 و2004 مبالغ قدرت بحوالي 41.3 مليون دولار لمرشحين وحملات انتخابية لمساعدة مؤيدي إسرائيل على النجاح
"
يتجاوز تأثير الجهود الضاغطة لليهود الوجود الديموغرافي للجالية في الولايات المتحدة، ففي العام 2000 قدر عدد اليهود بحوالي 5.2 ملايين شخص، وهم يشكلون 2.5% من سكان الولايات المتحدة الأميركية، ولكن المنظمات الإسرائيلية لا مجال لحصرها، فهناك منظمات اليهود الأميركية الرئيسة، مثل اتحاد الحاخامات الأميركيين، والمنظمة الصهيونية النسائية، ويعتبر أكثر من نصف أعضاء الكونغرس البالغ عددهم 535 مؤيدا لإسرائيل، في حين أن المؤيدين للعرب يتراوح عددهم بين ثلاثة إلى ستة أعضاء.

وقد أنفقت لجان العمل السياسي الصهيونية بين العامين 1990-2004 مبالغ قدرت بحوالي 41.3 مليون دولار لمرشحين وحملات انتخابية لمساعدة مؤيدي إسرائيل على النجاح.

المقاطعة العربية
بدأت جامعة الدول العربية مقاطعة المنتجات اليهودية في فلسطين في أواخر 1945، وبعد حرب 1948 حدثت المقاطعة الثانية مرتكزة على القانون الدولي للحد من النمو الاقتصادي لدولة عدوة، وعندما جرى تطبيق المقاطعة عمليا نجحت المقاطعة جزئيا في الضغط على بعض الشركات والدول الأوروبية، لا سيما القائمة في أوروبا الشرقية للإحجام عن التبادلات الاقتصادية والأعمال مع إسرائيل.

كان تأثير المقاطعة في الولايات المتحدة معقدا، وبين العامين 1970 و1975 قامت دول عربية باستثناء شركات معينة من المقاطعة إذ كانت تستثمر في سوريا والمملكة العربية السعودية، فقد كانت تقيم علاقات عمل مع شركات يهودية ورجال أعمال يهود، لذلك صار تأثير المقاطعة في الولايات المتحدة محدودا.

وعندما ارتفعت أسعار النفط في سبعينيات القرن العشرين، تخوفت إسرائيل من أن تؤدي إلى زيادة النفوذ الاقتصادي العربي وجعل المقاطعة سلاحا أكثر فعالية، وكان هناك احتمال واضح لقيام الحكومات العربية برفع مستوى ضغوطها على الشركات بإقفال السوق العربي المزدهر أمام الشركات المتعاملة مع إسرائيل.

"
الحملة التي شنت ضد المقاطعة العربية في أميركا شملت كل المستويات والمناصب السياسية، فقد أطلقت القوى السياسية الموالية لإسرائيل هجوما على كافة المستويات، وضد أي مشاركة للولايات المتحدة أو الأعمال الأميركية بتلك المقاطعة
"
ولكن الحملة التي شنت ضد المقاطعة العربية شملت كل المستويات والمناصب السياسية، فقد أطلقت القوى السياسية الموالية لإسرائيل هجوما على كافة المستويات، وضد أي مشاركة للولايات المتحدة أو الأعمال الأميركية بتلك المقاطعة.

وجاء توقيت الحملة ليتزامن مع انتخابات الرئاسة، ولم يكن للقوى العربية وحلفائها في الولايات المتحدة أي مخطط أو جدول أعمال، واستخدم اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط كل التقنيات التي ذكرت سابقا.

وبالطبع كانت الحكومة الإسرائيلية قوة محركة -وإن كانت غير ظاهرة- للحملة المناهضة للمقاطعة في الولايات المتحدة، وعندما سعت إدارة فورد إلى تليين المواقف المناهضة للمقاطعة العربية، ازداد الضغط لصدور مزيد من التشريعات.

وقامت ولايات عديدة بسن قوانين مضادة للمقاطعة مثل منع التمييز الديني والإثني، ولأن إسرائيل تدرك أهمية الاقتصاد العربي فقد سعت إلى احتكار النزاع وإبعاد كل المؤيدين الآخرين.

وتثبت الحملة المناهضة للمقاطعة العربية كيف أن حملة متناسقة كليا ومتزامنة مع عجز العرب عن التعبير، تؤدي إلى تغييرات في القوانين والسياسات الأميركية حتى في مواجهة معارضة رئاسية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة