سلطة بلا تدقيق.. الإعلام والعدالة والمساءلة   
الخميس 1434/11/8 هـ - الموافق 12/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:54 (مكة المكرمة)، 11:54 (غرينتش)

عرض/زياد منى

موضوع هذا الكتاب بحجم الشعارات التي تطرحها المؤسسات الحاكمة في الغرب لشرعنتها وتسويق أنظمتها، ومن ذلك ما يحكى عن حرية الصحافة.

الحقيقة -كما تظهر في الكتاب- أن شعار حرية الصحافة رغم فتنته بالكاد يعني شيئا محددا، ربما الأقرب إلى الصحة القول بالتعددية الصحفية أكثر من أي أمر آخر، وهذا ما يركز عليه المؤلف الذي هو محاضر في الإعلام بجامعة لندن.

-العنوان: سلطة بلا تدقيق- الإعلام والعدالة والمساءلة
-المؤلف: جسطن شلسبرغ
-عدد الصفحات: 236
-الناشر: بلوتوبرس، لندن
-الطبعة: الأولى، 2013

الكتاب يبحث في أمور نظرية مرتبطة بمسألة شرعية النظام، ومنها على سبيل المثال الضوابط القائمة في النظام السياسي الكفيلة بسيادة القانون ومنع انحراف قادة النظام القائم عن الأسس التي أوصلتهم إلى قمة السلطة، وهنا يكمن جوهر المعضلة.

أحد أسس الكتاب: ما الذي يمنح السلطة شرعية وجودها وبقائها؟ الإجابة تكمن في المساءلة والحساب وتحمل المسؤولية.

وهنا تتفرع المسألة لتضم الإجابة -ضمن أمور أخرى- الانتخابات الشفافة، والإعلام الحر، والتنافس فيه، والأجهزة القضائية والسلطات المحلية والمنافسة، وما إلى ذلك من مكونات نظام ما في الدول الغربية.

كما نرى، موضوع الكتاب متشابك ومتفرع، لكنه مهم لأنه يوضح للقارئ بنية النظام أو لنقل إحدى ركائز بنيانه وكيفية عملها بالاشتباك مع البنى الأخرى في النظام ذاته.

بناء على ذلك فإن الكتاب يبحث أيضًا في المسؤوليات الملقاة على من هم في السلطة، تشريعية أو كانت أو تنفيذية أو غيرها.

من المواضيع الأساسية التي يطرحها المؤلف أن المحاسبة وتحمل المسؤولية مرتبطة على نحو وثيق بمدى انفتاح سلطة ما وشفافية عملها وتصرف قادتها ضمن النظام السياسي المحدد.

والشفافية هنا تقع مسؤوليتها على الإعلام وكيفية تعامله مع موضوع ما يهم المواطن وسيادة القانون.

فالإعلام -بحسب المؤلف- يمارس دورا حاسما في صيرورة النظام الليبرالي عبر التنافس على كشف الحقائق للجمهور، وإلا فقد سبب وجوده الأصلي وهو حماية النظام والأسس الأخلاقية والقانونية التي يقوم عليها.

الإعلام يمكنه ممارسة دوره المشار إليه فقط إن امتلك استقلالية ما تمكنه من المضي في دوره الاستقصائي حتى النهايات المطلوبة، أي حتى الكشف عن الحقائق التي تمس التعدي على القوانين المعمول بها، وتمهد بالتالي للقضاء على ليبرالية الدولة أو النظام.

من الواضح إذن نقدية مقاربة المؤلف للعمل الصحفي في بريطانيا من خلال تطبيقه مختلف المنطلقات النظرية حول الدولة الليبرالية ودور الإعلام بصفته حارسًا لها. وهو يستعين في هذا بكتابات العديد من المؤلفين الكلاسيكيين في الموضوع ويوضح نقاط التقائه معهم ونقاط الاختلاف، وضعف هذه أو تلك من المقاربات، أو قوتها.

من المواضيع الأساسية التي يطرحها المؤلف أن تحمل المسؤولية والمحاسبة مرتبطة على نحو وثيق بمدى انفتاح سلطة ما وشفافية عملها وتصرف قادتها ضمن النظام السياسي المحدد

بعد المقدمة النظرية التي تشكل مدخلا مهما، ينطلق المؤلف نحو كيفية تطبيق تلك المنطلقات النظرية والقانونية والفلسفية في حالات محددة خصص لكل منها قسم.

الحالات الثلاث هي الجدل بشأن صفقة اليمامة الشهيرة الذي شغل -على ما يبدو- النظام في بريطانيا لنحو ربع قرن. وصفقة اليمامة هي صفقة أسلحة عقدتها السعودية مع الحكومة البريطانية عام 1985 لشراء أسلحة وبناء منشآت عسكرية في السعودية بلغت قيمتها نحو تسعين مليار دولار.

المؤلف يتتبع كيفية تعامل وسائل الإعلام البريطانية مع هذه الصفقة حيث يرى أن بعضها لم يقم بالدور المنوط به بشأنها.

لسنا بصدد الدخول في تفاصيل تحليل المؤلف لكن يمكننا تلخيص ذلك باستنتاجه أن الإعلام لم يمارس واجبه لأسباب كثيرة، والنتيجة في نهاية المطاف إثبات وجهة نظره السلبية تجاه الدور الذي مارسه الإعلام البريطاني حيث تم تقديم بعض صغار الموظفين كبش فداء بينما بقي الجناة الحقيقيون مجهولين قضائيا أو قانونيا. ولذلك أعطى المؤلف القسم الأول من عمله عنوان: التغطية على الفساد.

القسم الثاني: "التغطية على التغطية"، خصصه المؤلف للحديث في موضع العدوان على العراق الذي شاركت فيه المملكة المتحدة إلى جانب واشنطن، متذرعة بالتهديدات المعروفة والتي ثبت حتى قبل الحرب أنها مفبركة.

المهم في الأمر أن المؤلف يستخدم المنظومة النظرية الخاصة بالإعلام التي شرحها في المقدمة، لتطبيقها على تفاصيل الإعداد للعدوان على العراق وكيفية مساهمة بعض وسائل الإعلام، إما صراحة أو مواربة، في التمهيد للحرب وتسويغها تحت مختلف الذرائع.

من المعروف أن الحكومة البريطانية سوغت موقفها الداعم للعدوان الأمريكي على العراق والمشاركة فيه بامتلاك نظام صدام حسين أسلحة الدمار الشامل واستعداده لاستخدامها.

من ناحية أخرى يجعل المؤلف قصة خبير أسلحة الدمار الشامل البريطاني ديفيد كِلِّي الموظف في وزارة الدفاع البريطانية جزءا من موضوع القسم الثاني.

ومن المعروف أن الخبير البريطاني المغدور ورد اسمه في الصحافة كشاهد على وجود تقرير رسمي لدى الحكومة البريطانية يؤكد عدم امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، وهو ما قاد إلى العثور عليه ميتا بعد يومين من نشر التقرير، وتحديدا بتاريخ 17 يوليو/تموز 2003.

لجنة التحقيق التي شكلتها الحكومة البريطانية أكدت أن الخبير أقدم على الانتحار، لكنها منعت نشر الملفات ذات العلاقة قبل انقضاء سبعين عاما، مما أثار الكثير من علامات الاستفهام.

المؤلف بحث في هذه المسألة ضمن الملف الأكبر وهو التغطية على ادعاءات الحكومة البريطانية -والأميركية طبعا- بشأن اختلاق أكاذيب بخصوص امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل.

المؤلف يستخدم المنظومة النظرية الخاصة بالإعلام لتطبيقها على تفاصيل الإعداد للعدوان على العراق، وكيفية مساهمة بعض وسائل الإعلام، إما صراحة أو مواربة، في التمهيد للحرب وتسويغها تحت مختلف الذرائع

لكن من المهم أيضا القول إن كثيرا من الخبراء البريطانيين رفضوا الشرح الرسمي لظروف موت الخبير البريطاني، وقد لا يعرف العالم الحقيقة مطلقا. المهم هنا هو دور الإعلام في القضية كلها ومساهمته في الحرب إما سلبا أو إيجابا.

القسم الثالث والأخير الذي يتعامل فيه المؤلف مع معوقات الوصول إلى الهدف المفترض للإعلام، وهو الحقيقة، مرتبط بوثائق ويكيليكس التي أثارت كثيرا من الأسئلة والمشاكل للبعض، وأحرجت بعض الشخصيات والحكومات بما في ذلك واشنطن.

يتقصى المؤلف هذه القضية من عدة جوانب مثيرة للاهتمام، ومنها على سبيل المثال أسباب نشرها، ولماذا ببطء وليس دفعة واحدة، وما إلى ذلك من القضايا التي سيعرفها القارئ عند قراءته الكتاب.

خلاصة الكتاب قول المؤلف إن التغطيات التي مارسها الإعلام سلبا أو إيجابا قد تكون ساهمت أيضا في تحسين أداء بعض المؤسسات، وهنا يذكر بالتحديد مؤسسات تصدير السلاح البريطانية، ولكنها قد تكون ساهمت أيضا في إضعاف شفافية عمل الدولة الليبرالية، وبالتالي مست أسسها مما يمهد للانتقال إلى الهيمنة الفكرية الكاملة.

في ظنه أن الهيمنة تكون أكثر فعالية عندما لا تكون شاملة، وربما هذا ما يميز الأنظمة الغربية التي تترك مساحة للآخر في بعض الأمور.

هذا يعني أن الهيمنة تسمح للانشقاقات، لكن ضمن حدود معينة يمنع تجاوزها، وهو ما أظهرته مختلف الأمثلة التي وردت في هذا الكتاب المهم، وهذا ما يدفع القارئ للتفكير والتمعن في كثير من المصطلحات التي يُقصف بها وفي مقدمتها الحقيقة والإعلام المستقل وحرية الصحافة وما إلى ذلك من اللغو الممل.

أخيرًا، مع أن الكتاب يتعامل مع الموضوع ضمن حدود الإعلام في بريطانيا فقط، إلا أن تشابه مصطلحات النظم الغربية، بل وتطابقها في كثير من الأحيان، إضافة إلى وحدة بنى تلك الأنظمة، تمنح الكتاب أهمية إضافية تضاف إلى الجوانب النظرية التي طرحها في المقدمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة