الفلسطيني التائه   
الاثنين 1427/12/19 هـ - الموافق 8/1/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:03 (مكة المكرمة)، 13:03 (غرينتش)

عرض/ زياد منى
يلاحظ المرء في ساحة البحث العربية والفلسطينية تحديدا عدم توفر أي دراسات فلسطينية علمية ميدانية عن الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة تؤرخ للمرحلة الحالية.

وبينما يرى البعض أن الحركة الوطنية الفلسطينية ظلت تدور في دائرة الإخفاقات والهزائم منذ "أيلول الأسود" عندما قام ملك الأردن حسين بن طلال بتصفية الحركة الوطنية الفلسطينية في الأراضي الأردنية في سلسلة من المعارك الدامية انتهت بـ"معارك جرش والأحراش" في العام 1971، بسبب غياب أي أعمال بحث جديدة عن الوضع الفلسطيني في الوطن المحتل وفي الشتات، يؤكد آخرون أن سبب عدم توفر مثل تلك الدراسات هو تعبير عن حالة الهزيمة التي كانت الحركة السياسية/الوطنية الفلسطينية تدور فيها.

- الكتاب: الفلسطيني التائه
- المؤلف: ليتسيا بوكاي
- المترجم: ماري إلياس
- عدد الصفحات: 228
- الناشر: قدمس للنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة: الأولى/2006

فعلى أي دراسة علمية التحدث عن الهزائم وأسبابها، وهذا ما يعني المحاسبة، ولأنه ليس ثمة من "زعيم" سياسي، عربي أو غير عربي يقبل طوعا بالمحاسبة، لم تنجز أي دراسات تشكل أساسا علميا رصينا للسياسات الواجب اتباعها، سواء داخل فلسطين المحتلة أو في "المنافي" العربية، خاصة في الأردن ولبنان وسوريا، إضافة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.

وانطلاقا من ذلك الغياب أو الندرة تكتسب دراسة الباحثة والصحفية الفرنسية ليتسيا بوكاي أهمية خاصة، آخذين في الاعتبار أنها أنجزتها ميدانيا عبر فترة زمنية امتدت لحوالي عقد من الزمن.

الانتفاضة
هدف الكتاب، حسب المؤلفة، لـ"تقديم عرض لتجربة فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال استكشاف المسار السياسي والشخصي لأربعة شبان فلسطينيين" أطلقت عليهم الأسماء سامي وناجي وبسام وفؤاد، وعدتهم ممثلين لجيلهم.

وقد تابعت الكاتبة مسار المجتمع الفلسطيني وتطوره تحت الاحتلال الإسرائيلي من خلال عرض سيرة كل من الشبان الأربعة، بدءا من أيام الطفولة وانتهاء بالمشاركة في العمليات العسكرية والاعتقال ثم التحول إلى ناشطين في سلطة الحكم الذاتي التي أتت بها اتفاقيات أوسلو.. إلخ.

وتتعرض الكاتبة لتفاصيل مهمة للحياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967 والمؤثرات فيها، الحواجز العسكرية الإسرائيلية، منع التجوال، الضغط الاقتصادي الذي يمارسه الاحتلال أو ضغوط الانتفاضة.

ورأت الكاتبة أن الانتفاضة كانت رد الفعل الطبيعي على توقف "مسيرة السلام" وخديعة الطرف الإسرائيلي والإحباط الذي يشعر به الفلسطينيون.

"
الانتفاضة فرضت نظاما أخلاقيا صارما على الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عبر إعادة صياغة مفهوم "الجماعة" وانتظامها حول قيم تقليدية ودينية بهدف خلق مجتمع سليم متخلص من أفعال تعد من الناحية الاجتماعية بغيضة، ومن الناحية الدينية محرمة
"

وهي ترى أن الانتفاضة فرضت نظاما أخلاقيا صارما على الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عبر إعادة صياغة مفهوم "الجماعة" للشعب الفلسطيني وانتظامها حول قيم تقليدية ودينية، بهدف خلق مجتمع سليم متخلص من أفعال تعد، من الناحية الاجتماعية بغيضة، ومن الناحية الدينية محرمة، ما سيقود بالضرورة إلى حدوث تطرف مستمر في الشارع الفلسطيني.

فقد قادت تلك المفاهيم والمعايير وفرضها على السكان، باسم (الانتفاضة) إلى تحديد سمات جيل كامل، حيث صار أي خرق لها بمنزلة الخيانة الوطنية.

ثم تنتقل إلى وصف حالة المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 في أعقاب الانتفاضة الأولى حيث رأت أن إنهاك المقاومة الفلسطينية ودخولها في مرحلة "عدم توازن" كان سببه أيضا القضاء على قياداتها المجربة وتحولها إلى مناضلين أصغر سنا يفتقدون الخبرة، وبالتالي أكثر انفتاحا على "العنف"، أيضا بحق المجتمع الفلسطيني.

وهنا تتحدث المؤلفة عن مجموعات فلسطينية عديدة نشطت داخل المجتمع الفلسطيني منها (الفهود السود) و(النينجا) و(الصقور) وغيرهم.

الحكم الذاتي
في الفصل الثاني تنتقل المؤلفة إلى التعامل مع المجتمع الفلسطيني في مرحلة "الحكم الذاتي" (1994-2000م)، فرأت أن تلك الاتفاقية قد أتاحت لإسرائيل الانسحاب من غزة، التي كانت أصلا عصية على الحكم ولم تأت بمستقبل مشرق للشعب الفلسطيني.

هنا تتعامل الكاتبة بصراحة غير معروفة في الأدبيات مع الموضوع عن الأوضاع الجديدة التي خلقتها اتفاقيات الحكم الذاتي وانتقال قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من تونس إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، والشرخ الذي أحدثه "التوانسة" القادمون المنعمون بأموال النفط واستشراء الفساد المنظم في كل مؤسسات سلطة الحكم الذاتي، من القمة إلى القاع.

وهنا تبحث الكاتبة في كيفية تعامل السلطة الفلسطينية الجديدة مع ناشطي الانتفاضة المنتهية، حين تم استيعابهم في أجهزة الأمن الفلسطينية التي حددت وظيفتها بملاحقة الناشطين الفلسطينيين المعارضين لاتفاقيات الحكم الذاتي، خاصة من حماس والجهاد الإسلامي وحتى من فتح، إذ تتحدث الكاتبة بتفاصيل متباينة عن عمليات ملاحقة ناشطي الانتفاضة وعمليات التعذيب التي مارسها الأمن الفلسطيني ضدهم.

"
التخلي عن محاربة إسرائيل قاد إلى قيام الفلسطينيين بمواجهة بعضهم بعضا وإعادة صياغة موازين القوى الداخلية
"
في الفصل الثالث تحدثت الكاتبة عن آثار "عملية التسوية" في بنية الشعب الفلسطيني وكيفية تعريفه لنفسه، حين قاد التخلي عن محاربة إسرائيل إلى قيام الفلسطينيين بمواجهة أنفسهم وإعادة صياغة موازين القوى الداخلية.

كما تتعرض الكاتبة بالتفصيل "للحرية والديمقراطية" في "مناطق الحكم الذاتي"، حيث "تسهر أجهزة الأمن الفلسطينية على مراقبة السكان".

وتذكر العديد من حالات التعذيب التي مارستها أجهزة الأمن تلك بحق ناشطين ومناضلين سياسيين، ومنهم على سبيل المثال حسام خضر وعبد الستار قاسم، وعبد الجوّاد صالح، وغيرهم كثيرون.

وتذكر تفاصيل (نداء العشرين) الذي تحدث بصريح العبارة عن الفساد المستشري في أجهزة السلطة ورموزها.

الفصل الرابع الذي أعطته المؤلفة عنوان (فلسطين/إسرائيل: استحالة الفصل) يتعامل مع أوضاع الفلسطينيين في أراضي الحكم الذاتي وإسرائيل، حيث لا يمكن أن تجري دراسة المجتمع والمؤسسات الفلسطينية بمعزل عن تحليل علاقة كل منهما بإسرائيل.

وتورد المؤلفة تفاصيل مهمة عن حياة العمال الفلسطينيين في إسرائيل، وكذلك العذاب والمهانات التي يتعرضون لها على يد الاحتلال، وعلى يد رموز سلطة الحكم الذاتي الذين يتحكمون في أذون العمل، وتصل إلى نتيجة ملخصها استحالة تحرر الاقتصاد الفلسطيني من الاقتصاد الإسرائيلي.

الفصل الخامس خصصته المؤلفة لانتفاضة الأقصى (2000-2002) والتغيرات الجديدة في المجتمع الفلسطيني عقب توقيع اتفاقيات أوسلو، حين تخلى جيل الانتفاضة الأولى من فتح (الذرائعيين) عن القيادة إلى جيل (الإخوة الصغار) الذي يمثل الضياع والتطرف المتصاعد لشعب منع من ممارسة سيادته على وطنه، ما سيؤدي إلى انتقال السلطة داخل مناطق الحكم الذاتي إلى حركة حماس.

آفاق التسوية
تنهي المؤلفة كتابها باستعراض آفاق التسوية في فلسطين عند انتهائها من كتابها في العام 2002.

ومع أن التطورات المتسارعة في الإقليم تجاوزت رؤيتها، عوضت عن ذلك بكتابة مقدمة جديدة خاصة في الطبعة العربية، بعد وفاة رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات وتسلم أبو مازن مكانه.

"
التحدي الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين هو في قدرتهم على النجاح في حكم أنفسهم
"
وقد رأت أن محمود عباس الذي يواجه إخفاق المشروع الوطني الفلسطيني يبقى في وضع ضعيف، لكنها ترى أن التحدي الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين هو في قدرتهم على النجاح في حكم أنفسهم.

يكتسب الكتاب أهميته من حيث المعلومات التفصيلية التي قدمها عن المجتمع الفلسطيني والتأثيرات فيه، وكذلك في متابعة التغييرات الحاصلة فيه بسبب الاحتلال والانتفاضة وقيام سلطة الحكم الذاتي.

وثمة أهمية أخرى تكمن في الكتاب، وهي أن المؤلفة تتحدث بصراحة عن سلبيات سلطة الحكم الذاتي، بصورة من غير الممكن لأي مؤسسة فلسطينية التحدث بها دون توقع رد فعل عنيف من أجهزة الأمن الفلسطينية.

كما أن تحدثها بتفصيل عن رموز الفساد والقمع في مناطق الحكم الذاتي (موسى عرفات، وغازي الجبالي، ومحمد دحلان، وجبريل الرجوب.. إلخ) يمنح الكتاب مصداقية مهمة.

كما أنه من الأمور المهمة في رؤية الكاتبة توقعها أن الفساد المستشري في السلطة سيؤدي بالضرورة إلى جعل المجتمع الفلسطيني أكثر راديكالية، وإلى تسلم حماس السلطة فيه، وهو ما أثبتته التطورات اللاحقة التي فاجأت الجميع، بمن فيهم حركة حماس نفسها.

نقطة الضعف في المؤلف هو أن الكاتبة تعاملت مع الصراع العربي -الفلسطيني/الإسرائيلي من منظور محلي، ما أدى إلى تجاهل أبعاده العالمية، والقوى الدولية المؤثرة فيه حيث تستخدم إسرائيل وقوتها واحتلالها أداة لإخضاع المنطقة وترتيبها وفق المصالح الأميركية-الغربية.

ومع ذلك يبقى الكتاب مهما للغاية من حيث كونه أول وثيقة مكتوبة صريحة وصادقة عن أوضاع مناطق الحكم الذاتي بلا رتوش أو أقنعة، وبعيدا عن الدعاية السياسية أو العقدية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة