إعادة التفكير في الدمقرطة العربية   
الخميس 9/2/1432 هـ - الموافق 13/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:35 (مكة المكرمة)، 13:35 (غرينتش)

عرض / ربى فرخ

يشهد العالم العربي الكثير من التحولات في مجال حقوق المواطن والحريات. ولئن كان النهج الذي تنهجه الأنظمة العربية يكرس القمع ويجرد المواطن من كل اعتبارات وجوده، فالمواطن العربي مع ما تتيحه تكنولوجيا الاتصالات قد بدأ يصنع عالما جديدا في فضاء مختلف. عالما يتجاوز فيه الجغرافيا ويثور على الدكتاتورية المتلبسة بلباس الديمقراطية.

"فالمدونات واستفتاءات الرأي تضيف للزخم الذي صنعته الفضائيات في الشرق الأوسط وتحافظ عليه. فقد تكونت مواقع جديدة للصراع الديمقراطي واتسعت مساحة تحدي نموذج الدولة- المجتمع.... فاتحةً المجال لفيض من الاحتمالات المؤدية لتآكل الأوتوقراطية الشرق أوسطية" كما يصفها العربي صديقي في كتابه "إعادة التفكير في الدمقرطة العربية: انتخابات بدون ديمقراطية". 

-إعادة التفكير في الديمقراطية العربية: انتخابات بدون ديمقراطية
-
المؤلف: الدكتور العربي صدّيقي
-
عدد الصفحات: 432
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
الطبعة: الأولى/2010

هذه الجغرافيا الجديدة التي لا تستطيع الأجهزة الأمنية للأنظمة أن تصادر صوتها. قد تضيق عليها لكنها لا تستطيع أن تمنعها أو تلغيها كما تلغي نتائج الانتخابات وتبدلها.

ولعل التسريب الأخير الذي جاء من ويكيليكس الذي فضح العديد من الملفات السرية دلالة على أن هذا الفضاء الجديد سيصبح ميدانا للصراع الديمقراطي الذي سيكون المواطن العربي فيه قدم المساواة مع حكامه للمرة الأولى إن لم يتفوق عليهم.

كتاب "إعادة التفكير في الدمقرطة العربية: انتخابات بدون ديمقراطية" الذي يستكمل العربي صديقي فيه ما بدأه في كتابه الأول "البحث عن ديمقراطية عربية" إضافة مهمة في تحليل الواقع الديمقراطي العربي واستشراف أدوات المستقبل.

تمحيص النظرية
يستأنف فيه المؤلف نهج مواطنه وسلفه المؤرخ الفذ ابن خلدون في تتبعه لقيام الدول وانهيارها وما تلعبه العصبية القبلية في هذا التدافع السياسي.

فأولى مشاكل بناء حالة ديمقراطية في العالم العربي تنبع من كونها نموذجا غربيا يستند في فلسفته على تاريخ أوروبي وحيثيات أوروبية أفرزت ما نراه ماثلا أمامنا من أنظمة حكم غربية، هذا النموذج تروج له بل وفي بعض الأماكن تفرضه أميركا على العالم العربي فرضًا، كما حدث في العراق.

ما حاوله صديقي في كتابه وخاصة في الفصول الأولى أن يمحص النظريات الغربية الاستشراقية، محصها بعين جمعت بين الدربة الغربية والبصيرة العربية، فتناول الدعوات الغربية اليوم في موطنها كالفردية، ونظرية المجتمع مقابل الدولة ودور المجتمع المدني وحيادية الدولة، ومأسسة الدولة وأكد أن الحل ليس في الاستعارة الكاملة من الغرب فـ"الاستعارة غير الممحصة من شأنها أن تلغي الفروقات".

"
الانتقال الديمقراطي في الشرق الأوسط العربي يعد انتقالاً ظاهريًّا وعقيمًا بالرغم من المكتسبات المتواضعة هنا وهناك
"
فعلى سبيل المثال "هذه المؤسساتية الخادعة باتت ظاهرة في المحاولات لتحرير الشرق الأوسط العربي غير أنها من الأعلى للأسفل ومن المركز للأطراف (مبادرة الشرق الأوسط الجديد). مما جعل الانتقال الديمقراطي في الشرق الأوسط العربي انتقالاً ظاهريًّا وعقيمًا بالرغم من المكتسبات المتواضعة هنا وهناك".

عبر فصوله الستة يتدرج المؤلف بالقارئ، منتقلا من تمحيص النظريات الموجودة في الفكر الاستشراقي والغربي الذي يتناول مفهوم الديمقراطية في العالم العربي ويحاول أن يرسي أسسا جديدة في هذا الإطار، مثبتًا في هذا المسعى أن الحكم الصالح أو الحكم الرشيد يتعدى الانتخابات والدساتير فهذا التأطير المؤسسي لا يتجاوب مع الحالة العربية ولا يلتقط خصوصيتها. 

المسار الديمقراطي العربي
في هذا الكتاب يتتبع صديقي المسار الديمقراطي في العالم العربي بين حقبتين من عام 1975 حتى 1997 ومن عام 1998 حتى 2008 ويحاول الإجابة عن سؤال محدد: "كيف تتدمقرط دول العالم العربي؟"، ويناقش ما يسميه "الانتخابات الفاتوشيزم" بمعنى "انتخابات الفوضى" أو "الحمى الانتخابية" التي تبدو في ظاهرها ديمقراطية لكن محتواها ونتائجها ليست إلا شكلا من إشكال الديكتاتورية والتفرد.

فصّديقي يحاول عبر إجابته عن السؤال السابق أن يناقش في مدى وجود ديمقراطية أصلا في العالم العربي، وكيف تتجسد تلك الممارسات الديمقراطية.

بلا شك فإن الكتاب حاول أن يسجل الحالات التي تعكس حالة من الديمقراطية "الانتقالية" إن جاز التعبير، وأن يناقش خصوصية تلك الحالات. ولعل إحدى تلك الخصوصيات التي تجلت في انتخابات حقبة التسعينيات هي ارتباطها الوثيق بالظاهرة الإسلامية أو ما يسمى بالإسلام السياسي.

صديقي في الفصلين الثاني والثالث ينتقل بالقارئ من التنظير العام لمعنى الديمقراطية العربية والنظريات المختلفة التي حاولت تفسيرها إلى الممارسة الديمقراطية ذاتها على أرض الواقع في العالم العربي.

وعبر رحلة تدقيق وتفسير للظاهرة الديمقراطية في العالم العربي بين 1975 و1997 التي يجملها في موجات "كرّ وفر" في استعارة موفقة من المؤرخ والفيلسوف العربي ابن خلدون. يناقش دورات الصعود والهبوط للممارسة الديمقراطية في هذين العقدين، فالحالة الديمقراطية عبر العالم العربي راوحت بين تقدم وإصلاح إلى تقهقر وتفتيت. ومن الملفت أن هذه الحالة الديمقراطية قد اتخذت الشكل الاقتراعي فقط دون أي تقدم حقيقي أو أصيل على صعيد حقوق الإنسان.

"
الانتخابات في العالم العربي منقوصة تخلو من أي اعتراف أو إشراك أو تضمين للاختلافات، والأنظمة في العالم العربي ما زالت تتملك العملية الديمقراطية, وتوظف جميع مقدرات الدولة للاستمرار في امتلاك السلطة
"
فالانتخابات في العالم العربي منقوصة تخلو من أي اعتراف أو إشراك أو تضمين للاختلافات، فالأنظمة في العالم العربي ما زالت تتملك العملية الديمقراطية، وتوظف جميع مقدرات الدولة للاستمرار في امتلاك السلطة بدون أية منافسة حقيقية.

 وكأنه عبر بناء انتخابات تقودها الدولة وتقوم عليها، تقوم الأنظمة العربية ببناء تعددية موجهة وانتخابات مسيطر عليها وتمارس قمعًا انتقائيًّا. ويرى صديقي أن انتخابات 1998-2008 قد سبقتها مرحلة متقطعة من انتخابات "الفاتوشيزم"، وتلك تمثل خلفية مهمة بدونها لا يمكننا فهم الانتخابات الحالية أو تقييمها. وهكذا فإن تحليل وتقييم تجربة الثمانينيات والاستئناف الديمقراطي الذي شهده العالم العربي يوفر خلفية أساسية لفهم الرتابة الانتخابية التي حدثت في التسعينيات.

في هذا السياق الذي يناقش المركزية التي تصر عليها الأنظمة العربية في صياغتها الديمقراطية، يطرح صديقي قراءة مستمدة من رؤية ابن خلدون حول الدور الذي تلعبه العصبيات القبلية في تهديد المركز إن لم يتم استيعابها والتعايش معها في إطار العقد السياسي بين الحاكم والمحكومين.

ويضرب صديقي مثالا حيًّا يتمثل في الأزمة اليمنية القائمة في حرب الدولة مع الحوثيين (صراع قبلي ديني)، هذا الصراع الذي يهدد بإضعاف المركز ويفت في قوة الدولة.

ويؤكد صديقي أن هذا العداء للمراكز المنافسة لسلطة الدولة باسم الوحدة الوطنية ما هو إلا شكل من أشكال قمع التعددية، وهذا من شأنه في حالة انهيار الدولة القائمة لسبب أو لآخر أن يؤدي إلى فراغ سياسي يصعب معه إيجاد حكومة بديلة تُحل إحلالا كاملا فتقود وتؤمّن وتبقي الاستقرار، تماما كما حدث في الحالة العراقية حيث أدى غياب التعددية الحقيقي إلى ظهور أشباه حكومات، وغرقت الدولة في حمام دم حرب أهلية عرقية أو دينية.

الديمقراطية على الطريقة الأميركية
في الفصل الرابع يعرض صديقي الجانب الآخر من قصة الديمقراطية في العالم العربي، ذاك الذي شهد إسقاطا للمفهوم الديمقراطي ليس من الداخل ولكن من الخارج وتحديدا ما تمّثل بترويج لأنموذج الديمقراطية الأميركية.

وحاول أن يفند ويمحص حقيقة فكرة "مبادرة الشرق الأوسط الجديد" و"خريطة الطريق" الأميركية لدمقرطة العالم العربي. ويلقي الضوء على الأساليب المتنوعة التي استُخدمت في إملاء ثقافة الديمقراطية وترويج محتواها.

وهذه تراوحت بين مجرد زيادة التعرض والاحتكاك بالنموذج الأميركي إلى استخدام الترهيب كما في الحالة الفلسطينية واللبنانية وانتهاء بالاحتلال المباشر كالنموذج العراقي.

فالتجربة الديمقراطية الأميركية في العراق على وجه الخصوص لم تخرج عن إطار الممارسة العربية للديمقراطية، فقد جاءت الانتخابات التي أجريت هناك بتشجيع وإشراف أميركي شكلية، المقصود منها إضفاء الشرعية على حكومة مسقطة من الخارج.

ولم يعد النموذج الذي حاولت الإدارة الأميركية السابقة أن تطرحه وتقدمه لمفهوم الديمقراطية كونه إثباتا آخر لفشل التصور الأميركي لشرق أوسط جديد وزيف الالتزام الأميركي بجوهر الديمقراطية. كما اتضح في رفضهم لخيار الأغلبية في فلسطين في انتخابات 2006 التي أفرزت حركة حماس.

لقد كان الدور الأميركي في المنطقة العربية كما يؤكده صديقي دورا متعاليا فيه الكثير من الاستدراج للمجتمع المدني في العالم العربي الذي شكّل طبيعة الممارسة الديمقراطية "الحقة".

"
حاولت الإدارة الأميركية السابقة أن تملي ما تراه هي شكل الممارسة الديمقراطية المطلوبة، وذلك في إطار ما يخدم التصور الأميركي لشكل الشرق الأوسط الجديد
"
فلقد حاولت الإدارة الأميركية السابقة أن تملي ما تراه هي شكل الممارسة الديمقراطية المطلوبة، وذلك في إطار ما يخدم التصور الأميركي لشكل الشرق الأوسط الجديد.

ومن تتبع لدورات الديمقراطية في العالم العربي سواء في إسقاطها من الأعلى نحو الأسفل أو من الخارج إلى الداخل، ينتقل الكتاب في بنائه للصورة التاريخية ولفهم طبيعة الحالة الديمقراطية العربية إلى عوامل التحفيز التي أسهمت بها القواعد والشعوب في الحراك الديمقراطي.

فحركة كفاية على سبيل المثال ومظاهرات الخبز على وجه التحديد تعكس دور التظاهر الشعبي في التعبير عن انهيار العلاقة بين الحاكم والمحكومين، بين الإعالة والمشاركة.

فقد دفعت أحداث الشغب والقلقلة التي نجمت عن إخلال الحكومات بالتزامها بدعم المواد الغذائية الأساسية والصحة والتعليم وبالتالي التخلي عن دورها في الإعالة إلى ضغط شعبي لإرخاء القيود السياسية والسماح بمزيد من المشاركة الشعبية في الحكم، وهذا ما حرك موجة الانتخابات التي طغت على حقبة التسعينيات.

ويأتي هذا التدافع والحراك على نقيض الاقتناع القائم في الفكر الغربي بأنه كلما تحسن الأداء الاقتصادي في بلد ما فإن فرص الديمقراطية تتحسن تباعا. ذلك أن العالم العربي بدأ الاجتياح والمد الديمقراطي فيه من الدول الأكثر فقرا والأقل حظا تجاه الدول الغنية. فالديمقراطية يمكننا القول إنها وسيلة لجسر الخلافات السياسية والاقتصادية ولم تكن وليدة التطور الاقتصادي الاجتماعي أو من مفرزات الخصوصية الحضارية للعالم العربي.

فلابد من عدم الأخطاء في فهم الدافع الحقيقي والمحركات الحقيقية لتحرر الأنظمة: فالإصلاح السياسي الذي عادة ما كان يعقب موجات الشغب العامة كان عادة ما يتم بهدف تحريك الجماهير وتنفيس وتفريغ الأزمة الحقيقية والمتعلقة في جوهرها بالشرعية وتحديها لاستئثار الحكام بالسلطة.

موجات "ثورة الخبز"
ويؤكد صديقي أن موجات "ثورة الخبز" ستبقى تؤثر في مستقبل علاقة الدولة-المجتمع كما ستبقى تؤثر في نمو المؤسسات السياسية بما في ذلك قوى المعارضة وشرعية النظام وحركات الإصلاح في مدن العالم العربي الفقيرة.

فالواقع كما عبر عنه صديقي ببلاغة شديدة واقع تنتشر فيه "حمى الانتخابات في كل مكان في الشرق الأوسط العربي غير أن الديمقراطية مفقودة في كل بقعة من بقاعه"، وهذه الشكلية في تطبيق الديمقراطية والتغول الذي تمارسه الأنظمة في مصادرة الآخر، هما اللذان حدَوَا بالقضاء المصري الذي طالما كان حليف النظام في التزوير ومصادرة الحريات، أن ينتفض ضد التزوير الذي بلغ حده في انتخابات 2005، وهو الموقف ذاته الذي نهجته السلطة القضائية في المغرب للأسباب ذاتها.

ومن جانب آخر فقد أسهمت القنوات الفضائية كقناة الجزيرة خاصة، وعبر ما تجريه دائما من خلال موقعها من استفتاءات للرأي، في إعطاء صوت لمن لا صوت له وهو ما يراه صديقي سابقة تسجل للجزيرة، فالقيمة المضافة هنا ليست كمية بل نوعية والنهج الديمقراطي الذي تخطه.

فقبيل مبادرة الجزيرة هذه لم يكن هناك جهد يذكر يقيس الرأي العام العربي كما يقاس نظيره الغربي. وبالرغم من أنه قد يحتج بأن الصوت الذي تمثله استفتاءات الجزيرة رأي نخبوي بشكل أو بآخر، فإنه مع انتشار الحواسيب وشيوع استخدام الشبكة الإلكترونية باتت هذه الاستفتاءات تقترب من كونها شعبية تمثيلية.

الإعلام الجديد والديمقراطية
"
الإعلام الجديد حرر المعارضة من حصار الجغرافيا  والتضييق عليها وساهم في إعادة صياغة الصراع الديمقراطي في العالم العربي على نحو يعزز الممارسة الديمقراطية
"
وبالإضافة للدور الريادي الذي تلعبه الجزيرة، يرى صديقي أن لشبكة الإنترنت وكتّاب المدونات دورا كبيرا في صياغة الصراع الديمقراطي والرأي العام العربي.

ولعل كتّاب المدونات وظهورهم على المشهد السياسي العربي هو ما ميز الفترة الأخيرة، فلقد لعب هؤلاء الكتاب دورا كبيرا في تحريك الشباب بخاصة في مظاهرات وممارسات التعبير عن الرأي، الأمر الذي ترتب عليه تعرض هؤلاء الكتاب إلى الملاحقة والمضايقة الأمنية في عدد من الدول.

ذلك أن هذا الفضاء الجديد في التعبير عن الديمقراطية والدعوة إليها قد أحدث ثورة من نوع خاص، فلقد حرر المعارضة من الجغرافيا ومن الانحصار في بقعة جغرافية يمكن محاصرتها والتضييق عليها وساهم في إعادة صياغة الصراع الديمقراطي في العالم العربي على نحو يعزز الممارسة الديمقراطية بالانتخابات والتعبير الحر عن الرأي.

كتاب العربي صديقي: "إعادة التفكير في الدمقرطة العربية: انتخابات بدون ديمقراطية" بلا شك يطرح رؤية جديدة ومتميزة من ناحية اقترابها من فهم الحالة العربية والتقاط خصوصيتها. وعلى خلاف المستشرقين فقد نجح صديقي في تحييد النظريات الغربية الديمقراطية المتأثرة بالتاريخ الذي ولّدها، واستطاع في تنزيلها على الواقع العربي أن يحاكمها ويعيد صياغتها بما يخدم فهم الواقع الديمقراطي في العالم العربي وعوامل التأثير فيه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة